نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
مغامرة العقل الأخيرة ..والرحيل في الظلام الى الظلام

 أعرف أنه لن يقرأني المسلحون بالبنادق وقاذفات الصواريخ والملثمون وراكبو الدراجات النارية الذين يتجولون في المدن السورية كعصابات شيكاغو .. ولن يقرأني الراقصون السذج الأميون في الساحات أمام شاشات الجزيرة الذين لايجيدون من القراءة والكتابة الا مايكتبونه من خربشات على قطع كرتونية أمام عدسات هواتفهم عن تاريخ المظاهرات وأسماء القرى الراقصة .. لكنني أعرف أكثر أن حروف كلماتي وحوافها حادة وباردة كالشفرة والامساك بها بعصبية لاقتلاعها يدمي الأصابع ويجرح العقول المغامرة .. وأعرف أيضا أن كلماتي محاطة بالأسلاك الشائكة في مواقع الثورجيين وأن اسمي مطلوب على حواجزهم العقلية ..وأعرف أن كلماتي ملاحقة في مواقع الثورة وبين قادتها بل ان هناك حظرا عليها يشبه الحظر المفروض على غزة حتى اللحظة .. ومع هذا فانني لاأزال كلما قررت ان أكتب في الشأن السوري ينقبض قلبي .. وأصلّي  بقلب صاف أن تهتدي روحي دوما الى الحقيقة حيث الطمأنينة .. وأن لايقودني غضبي أو انفعالي وعواطفي أثناء الكتابة .. فليس هناك أكثر شرا من أن نملأ المحبرة بنبيذ العاطفة والانفعال.. فيما نملأ الكؤوس بالحبر الأسود والحقد الأسود ونشرب السواد الأسود .. وابتهل الى الله أن أتمكن دوما من أقف في وسط الميزان .. لأن ماأقوله شهادة لنفسي عن نفسي قبل كل شيء .. وعن وطني ..الذي أحبه

انني أيضا أحس أثناء كتابتي بمسؤولية أخلاقية ووطنية تجاه المتعاطفين مع مايسمونها "الثورة السورية" بمثل احساسي بالمسؤولية الأخلاقية والوطنية تجاه الرافضين لهذه الثورة وعهدي على نفسي بأن لايتم خداع أحد .. فأنا أرى أن اندفاعي في رفض الثورة لايجب ان يخفف اندفاعي لايقاظ من لازال يحلم بالثورة ..

وربما لا أبالغ ان قلت أنني في قلبي أميل للتعاطف مع الحالمين بانتصار الثورة لأنني أدرك كثيرا أنهم "يتامى وأيتام" لاينالون الصدق من آبائهم الروحيين من قيادات الثورجية وزعماء المجالس والغرب والعرب الذين أخذوهم من وهم الى وهم .. ومن كارثة وطنية الى أخرى .. وأوقعوهم في فخ كراهية الآخر في الوطن .. وفوق كل هذا لاتوجد قيادة ناضجة وواعية تجنبهم الخطأ .. قادتهم لم يبادلوهم الصدق وكانوا يحقنونهم بالكذب والسم والكراهية بلا مسؤولية ولا أخلاق .. فلا يزال مؤيدو الثورة في البلاد يجرون خلف جزرة لن ينالوها .. فقد وعدوا بالناتو والناتو لم يصل بعد .. ووعدوا بتركيا وأردوغان، ولكن أردوغان لم يصل بعد .. ووعدوا بركوب الدب الروسي ولكن الدب وراكبيه لم يصلوا بعد .. ووعدوا بفرسان العرب لينقذوهم فصدقوا ..ولكن فرسان العرب في الملمات لايسرجون الا السلاحف .. وآخر هذه الخدع مؤتمر تونس الذي ليست فيه الا رسالة يتيمة لخصها قارئ أميريكي في تعليق على أخبار الموت في سوريا بقوله: "فليقتلوا بعضهم ...هذا جيد ..ليت كل هذا الشرق يتقاتل حتى يفني بعضه دون أن نطلق رصاصة واحدة"..فقد قالت لهم هيلاري نفس الكلام بديبلوماسية منمقة: "حاربوا بالنيابة عنا وتقاتلوا ينصركم الله.. ومن نصرته هيلاري فلا رادّ لنصره" .. فاذا كان قلب الغرب مكمنا للشر، فان قلب الثورة مكمن للغباء والبلادة ..والكذب على النفس..

من يطلع على بعض الأسرار التي "ستخرج الى النور" يوما سيعرف كم كانت الخطط محكمة ومحبوكة .. وكم كان الشر في أقصى حالات التنبه عندما رسم للثورة والربيع العربي .. وكم كان في أكثر حالات ابداعه وقسوته وانحطاطه الأخلاقي .. وأستطيع أن أقول بثقة متناهية أن الأزمة السورية هي منجم الأسرار المذهل الذي خبأ الزمن فيه كل ماحضّره القرن الواحد والعشرون من أقلام وأوراق ليكتب مذكرات العقود القادمة منه وليكتب بحبرها الأحمر القاني مذكراته السرية عن الربيع العربي ..ان أزمة سورية هي منجم المناجم .. وعلى باب هذا المنجم يتصارع الشرق والغرب .. وأمام الباب أيضا يضع العجوز هنري كيسنجر يديه على أذنيه ليخفف من ضجيج طبول الحرب .. الحرب التي يسمعها من كان به الصمم ..

ان كان من توصيف تستحقه هذه "الثورة" فهو أنها "مغامرة العقل الأخيرة" استكمالا للكتاب الرائع للأستاذ فراس السواح الشهير باسم (مغامرة العقل الأولى) والذي رصد فيه بداية انطلاق العقل نحو الأسطورة الدينية القديمة في سورية وبلاد الرافدين .. وهو من أكثر الكتب التي نالت اعجابي ..ولست هنا بوارد مناقشته بالطبع لكنني أحس أن المرحلة الحالية ..تحتاج منا الى ضبط هذا العقل الذي انطلق في مغامرته الأولى في البحث عن الخلاص بالأسطورة منذ آلاف السنين ..ولكنه الآن يقوم بمغامرة جديدة بحثا عن الله والحرية يقوده فيها المغفلون الى مصير مجهول .. وقد تكون تلك الرحلة المتوترة رحلته الأخيرة ..أو مغامرته الأخيرة .. قبل ان يناله الدمار والخراب اذا لم نبادر لانقاذه بكل ماأوتينا من قوة الشعور بالمسؤولية الأخلاقية والوطنية ..بحكم أننا ورثة العقول التي أطلقت "مغامرة العقل الأولى" ..

لم يعد الصراع السياسي هو مايعنيني ولا الحرية ولاالديمقراطية ولا الاسلاميون ولاالدستور ولاالديكتاتوريات .. بل مايعنيني هو تفسير هذه الظاهرة التي فككت العقل العربي والثقافة العربية تفكيكا مريعا سريعا .. ولا أدري كيفية اعادة تجميع ولملمة قطع الوعي العربي الذي تفكك بسرعة خلال عام واحد ويتم تحضيره مع العقل العربي للخروج في مغامرة في الظلام لاتعرف نهايتها..  ..

فكل هذا الربيع العربي قام على فكرة جهنمية وهي تدمير دعائم العقل العربي المؤسس منذ مرحلة الاستقلال والصراع العربي الاسرائيلي على فكرة محاربة الاستعمار الغربي الذي بدأ بفلسطين وانتهى بأكل العراق والسودان وليبيا واجتراره دول الخليج .. وكان هذا العقل موجها لاسترداد فلسطين بالقوة لأنها أخذت بالقوة .. ولانها المعركة الأخيرة الكبرى مع الاستعمار الأوروبي ..

فما وجدته القوى الغربية في صراعها مع الشرق العربي عبر احتكاكها معه في نقطة الالتحام الساخنة (فلسطين) هو أن الشرق مسكون دوما بفكرة الانتصار القادم في فلسطين .. وأن الهزائم الماحقة التي تعرض لها لم يتم تقبلها كواقع نهائي حتى الآن.. فبعد الهزيمة المدوية للعرب في 1967 خرج الناس في مصر يرددون (ح نحارب ..ح نحارب) ..وبدلا من أن ينصرف عبد الناصر تم "استدعاؤه بضغط جماهيري" عربي واسع الى الخرطوم ليعلن لاءاته الثلاث الشهيرة .. والفلسطيني رغم كل الحصار العالمي والعربي عليه لم يعلن هزيمته واضطر الاسرائيليون لاستدراجه في النهاية للحصول على توقيعه في أوسلو للاعتراف باسرائيل ..التوقيع كان يراد منه ادخال فكرة الهزيمة الى الوعي الجمعي وليس اعادة الأرض..

 ثم كانت الصدمة في عام 2006 عندما بدأ العقل الشرقي يدرك أنه لم يكن مخطئا وبدأ ينتصر .. ..

وكان السؤال هو ماطرحته أطروحات اسرائيلية وأمريكية ومضمونها: كيف نوصل هذا الشرق الى ما أوصلنا اليه اليابانيين والألمان بالشعور النهائي بالهزيمة والتسليم، حيث نسيت الأمّتان فكرة التمرد على الهزيمة وحيث لازال الجيش الأمريكي في قواعده في ألمانيا واليابان تحت حجج وذرائع كثيرة رغم نهاية الحرب منذ 60 سنة؟ وكيف نفكك هذه العقيدة الشرقية العربية القديمة بحيث تتوقف عن انتاج أحلام النصر؟ ...فمن يملك الحلم سيبحث عن مشروع لتحقيق الحلم

 ويبدو الآن جليا أن الجواب حمله لنا الربيع العربي الذي هو مغامرة أخرى ليدمر العقل العربي نفسه بالديناميت وأحزمة الثورات العربية الناسفة بدل اقناعه بالهزيمة .. فارتدّ العقل العربي والوعي الجمعي عن آلام الكعبة المشرفة (التي تتأوه من حكم فاسد متورط بهدر ثروة هائلة لن تعود ومن تواطؤ مخجل مع الغرب .. ومحكومة بعقلية وأد البنات والروح والجسد) ..ارتد هذا العقل الى آلام الزبداني .. وتحول العقل العربي عن أنين المسجد الأقصى من ضربات المعاول التي تنهشه ومن تمدده فوق الأنفاق الاسرائيلية التي ترسم قبره لاحتضان جثمانه قريبا..ارتد الى آلام بابا عمرو..

الربيع العربي الذي بشرونا به لم يعقد اجتماعا واحدا حتى لشرب القهوة على شرف فلسطين .. بل أورق هذا الربيع اجتماعات ومجالس وفتاوى ومبادرات بالعشرات من أجل انقاذ الشعب السوري ..ويشرب الجميع الأنخاب في حفلات البكاء ورقص السامبا على الجثث .. وتصطدم الكؤوس العربية الثورية بالكؤوس النفطية والكؤوس الغربية في "صحة ثورة سورية" ...

مايحدث الآن هو اطلاق العقل العربي نحو مغامرة من مغامراته وفيها يتم تفكيك "العدو القديم" في الدماغ العربي وتغيير الهدف والرحلة .. أقلام وأفلام يوتيوبية يتم استعمالها كمفكات البراغي في تفكيك العقل العربي الى قطع خردة كما لو كانت العملية هي تركيب قطع غيار لمحرك سيارة .. الاعلام العربي والغربي يقوم بعملية العد التنازلي لانطلاق الرحلة الخطيرة المحفوفة بالمخاطر .. واذا كانت الديكتاتوريات تذيب المعارضين بأحواض الأسيد كما قيل، فان العقل العربي يرمى اليوم بكامله الى ممرات مغامرة اجبارية تنتهي به في بحيرات الأسيد الثوري ليذوب كقطعة أيس كريم ويتلاشى ..

 الجميع منفعلون ولايفكرون .. تعطلت الحواس والآذان وملكة التحليل .. والجميع مشحونون بأحلام النصر والمغامرة.. والجميع مندفعون لدعم الثورات .. والجميع ينتقل بسرعة من رصيف العداء للغرب الى صف العرفان بجميل الغرب !! والصلوات التي كانت تتلى لتحرير فلسطين صارت تتلى لتحرير سورية .. ومن نكب العراق يراد له أن ينهض سورية .. وتحرير فلسطين يبدأ من اسقاط ايران وحزب الله وسوريا !! والثورات العربية تنحني لحضور هيلاري كلينتون ..كل اللحى المؤمنة ذهبت الى تونس لتنحني لفستانها ولشعرها الأشقر !!

 ومن رأى بالأمس السيد اسماعيل هنية خطيبا منفعلا في الازهر الشريف يعرف تماما ما أعني .. لأن العقل المغامر المنفعل الباحث عن الله الذي أطلق في الربيع العربي هو الذي كان يتحدث بالأمس وليس العقل الذي بناه الشيخ عز الدين القسام وعبد الناصر والثورة الجزائرية والفدائيون الفلسطينيون في الأغوار وليس مابناه زكي الأرسوزي ولاميشيل عفلق ولا أنطون سعادة .. هنية الذي كان يخطب من الأزهر ليحرر الأقصى كان وللمفارقة المفجعة في مهرجان آخر ..مهرجان لتحرير سوريا .. وكانت النداءات حوله تضع اسرائيل وحزب الله وايران وسوريا معا في سلة واحدة على مسمع منه بطريقة تدعو للرثاء على ماأصاب هذا العقل من خلط وفوضى وفقدان ذاكرة وفقدان البندقية وضياع جعبة الرصاص .. وبالطبع كان لاسرائيل النصيب الأقل من النداءات..انها انطلاقة مغامرة العقل الأخيرة .. الخطيرة ..

 العقل العربي في غمرة انشغاله بانطلاق مغامرته الأخيرة لم يفهم ولم يسأل عن سبب غياب اسرائيل فجأة كعدو عن نشاطات الجامعة العربية التي تحولت الى محكمة لمحاكمة أعداء اسرائيل جميعا .. والشعوب لم تتساءل علام كانت الجامعة العربية تتثاءب لأسابيع بعد كل مجزرة اسرائيلية ثم صارت هذه الجامعة في الربيع العربي كأنها شربت اكسير الحياة أو حبوب الفياغرا فهي مستثارة ومتهيجة ومنتصبة كل بضعة ساعات .. بل نشطت العجوز المحنطة بشبق للجماع الثوري كنشاط الشباب أكثر من اندفاع "الاتحاد الأوروبي" نحو السرير .. وكما تقول أغنية وديع الصافي (أكلت الجامعة في سهرة واحدة 3 صحون ورقصت 3 ساعات)..ولم تتعب ولم تسعل ولم تلهث ..!!

والعقل العربي الذي بدأ مغامرته الخطيرة فجأة بدأ يحوّل حسن نصرالله من محارب يعلق النياشين على صدره الى قاتل دون أي دليل على تورطه في أحداث سورية بل بناء على فبركات عجزت عن اثبات ادعاء واحد .. وصلوات العرب والمسلمين تحولت لصب جام غضب السماء على الرئيس السوري .. وبعد أن كان طلب العون من الغرب خيانة تحول الى عمل مبارك تجاهر به الدول والحكومات والمعارضات والجماهير أيضا .. وصار فرض عين على كل ثائر وثائرة .. بل وتباهي به الثورات وتلتقط الصور التذكارية مع الصهيوي برنار هنري ليفي .. فيما نسي الشرق نتنياهو وأولمرت وعمير بيريتس وجورج بوش وتوني بلير الذين يحتسون قهوتهم المخلوطة بدمائنا بهدوء واسترخاء في مستوطناتهم ومقاهيهم ومزارعهم .. حتى شارون يستريح في سريره في مشفى هاداسا راضيا مرتاح الضمير .. فالعقل العربي الذي انطلقت مغامرته يقوم ثورجيوه في اعلام الخليج وملثموه والسدنة المخلصون بكنس شوارع الذاكرة من كل دماء صبرا وشاتيلا وقانا والعراق ولبنان ودير ياسين وغزة .. وهؤلاء السدنة المخلصون يمسحون الحيطان بمقاطع مناديل "اليوتيوب" المزور والمفبرك من آثار الدماء التي انبجست أثناء تنفيذ المجازر في كفر قاسم وبحر البقر .. وتنزل عن جدران الذاكرة صور دلال المغربي وعلي عفانة ومحمد الدرة ليحل محلها قطع زينب الحصني وحمزة الخطيب وصور الفارين من الجندية والقانون الذين صاروا شهداء الثورة العربية .. وتلقى كتب غسان كنفاني والصادق النيهوم وقصائد محمود درويش وابداعات ادوارد سعيد في المجارير الثورية وتنتصب على رفوف مكتبات الذاكرة بيانات غبية لفدوى سليمان ومي سكاف ورنا قباني وعدنان العرعور وبسمة قضماني !! .. وتقوم جرافات الثورات العربية بكنس جثامين آلاف الشهداء العرب في معاركنا مع الغرب واسرائيل ورميهم في مقابر الذاكرة الجماعية لأن العقل العربي يريد فرش الذاكرة بأثاث جديد من الجثامين .. وهي جثامين المدنيين العرب الذين سقطوا في صراعات داخلية من أجل الحرية وقوانين الطوارئ ومن أجل عيون معاوية وعلي وعيون الجمل وأعمدة سقيفة بني ساعدة .. العرب منشغلون باطلاق مركبة فضائية عليها عقولهم في "مغامرة العقل الأخيرة" نحو المجهول ...والنهاية البائسة..نحو الثقب الأسود

انهيار مايسمى "الثورة" السورية قد تكون بداية تشكل وعي جمعي جديد وبداية نهاية مغامرة العقل الثورجي  !!

على غير توقع من أحد فان سورية التي انطلقت منها مغامرة العقل الأولى منذ آلاف السنين ..قد تكون فيها نهاية مغامرات العقول الثورجية وانطلاقة مغامرة عقلية حقيقية مضيئة .. وهذا هو السبب:

 صحيح أن الأزمة السورية قد طالت على غير ماتوقعه الكثيرون لكن أيضا فقد طال انتظار الواقفين على شاطئ الثورات العربية لاستقبال السفينة السورية التي كان خاطفوها (بعربهم وعجمهم) وثورجيوها قد بعثوا اشارات الوصول منذ الشهر السادس من العام الماضي وفيها طلبوا تحضير الأعلام والزينات والمعادلات الجديدة .. لكن السفينة السورية لم تصل الى مرافئ الربيع العربي ولم تنزل المرساة ولم تطو الأشرعة بعد ..لأن اليابسة التي يقصدها "الثورجية" لم تظهر في الأفق ولم يصل القراصنة الى " جزيرة الكنز" .. وبالطبع لم توصلهم "الجزيرة" القطرية الى الكنز الثوري ..فالخارطة التي بحوزتهم مزورة والبوصلة التي تقودهم يشير مؤشرها نحو القطب الجنوبي حيث جماهير البطريق تنتظرهم ..   ..

اثر كل مرحلة من مراحل مايسمى بالثورة السورية يتوقف الجميع عن متابعة الحدث السوري لاستيعاب دروس كل مرحلة وتحليلها واجراء حساب الربح والخسارة وقراءة الطالع وتغيير الخطط ..واليوم وبعد قرابة العام على اطلاق هذا الربيع هناك نتيجة لابد من الاعتراف بها شئنا أم أبينا، ألا وهي ان النظام في سورية لم يسقط ..وتمكن بجدارة من تجاوز أصعب المراحل على الاطلاق متحديا تكتلا دوليا عملاقا جلده بكل ما معه من سياط مليئة بالمسامير التي نهشت جسده وسمعته وأمن شعبه .. وبالطبع لن تنقذ الثورة لفتات "نعومي كامبل" الخيرية ولا حفلات الجندلي وسميح شقير ولاحفلات "رقصني ياجدع" في مجلس الشعب المصري السلفي .. هذه الاستعراضية الرمزية بالحفلات تعني أن الثورة السورية صارت تمشي على عكازات وأنها تتسول العون كما المشردون لاجئوا القوارب في شوارع الغرب .. وآخر الحفلات الخيرية هي ما أقيم في تونس باجتماع أصدقاء سورية "المخلصين" ..في دكان مسترزق تونس المسكين .. المنصف المرزوقي..الذي لم يستحق مني يوما الا الشفقة..واليوم تنتقل شفقتي عليه الى شفقتي على عظمة شعب تونس الذي أنجب بيرم والشابي والذي تعاطف مع صرخة بائع الخضار محمد البوعزيزي .. ليحكمه بائع خضار مسترزق .. حوّل تونس كلها الى عربة خضار .. تبيع في قطر 

 ان من يقول ان المعادلة الناشئة هي: أن الثورة لم تنتصر وكذلك فان الدولة لم تتمكن من اخماد التمرد خلال عشرة أشهر الماضية.. يقول الحقيقة ..ولكن ليست كل الحقيقة .. لأن الحقيقة هي أن الدولة السورية تعاملت حتى الآن "بديبلوماسية" مع تمرد مسلح "باللاديبلوماسية" ومشحون بالوعود .. لأنها كانت تعرف أن فكرة الثورات العربية بنيت على تحرير عقل الجمهور العربي من ضوابط المنطق وربطه بالغرائز والانفعال واطلاقه في مغامرة لانهاية لها ..بحثا عن الحرية في الظلام الدامس حيث لايشم الورد بل رائحة الدم لتتحول الجماهير الى أسماك قرش مستثارة بالدم.. وكان استعجال البعض بالحسم بمثابة وصفة لاستعجال اطلاق العواطف والغرائز وانفلاتها بين جميع الأطراف .. ولذلك ضبطت الدولة نفسها الى أبعد الحدود، وكانت ترى العنف الذي يراد اطلاقه حتى أنها لم تظهر الا رأس الجبل الجليدي من مئات الصور التي تستفز جمهورها لمنعه من الانفعال والانتقام .. فيما قرر قادة التمرد معاملة الأزمة عسكريا والتحول بسرعة فائقة عن شعار السلمية المقدس الذي كان الثورجيون يلوكونه على كل القنوات الاعلامية والبيانات .. اذ أعلن "محمد رحال" فجأة ودون سابق انذار ودون مبررات كافية بعد أسابيع فقط من الأحداث السورية الانتقال لمرحلة تسليح الثورة ..وكان الهدف من ذلك تجريد الدولة السورية من حبال الضبط التي تمسك بواسطتها بلجام العواطف ..

والآن انقلبت الصورة .. فالثيران الهائجة التي اعتقدت أنها انفلتت من حبال المنطق وجدت أن السلطة في سوريا ظلت ممسكة بالحبال حتى أوصلت التمرد الى ممرات اجبارية قبل أن تطلقه في صحراء التيه ..نعم ان الثورة أدخلت في صحراء التيه .. وأتحدى أي ثورجي أن يتنبأ في المآل الذي آلت أو ستؤول اليه الثورة .. والقفز من مؤتمر الى آخر ومن عاصمة الى أخرى ومن مجلس الى آخر ومن حضن قطري الى سعودي الى ناتوي الى تونسي ومصري يدل على التيه .. واليأس الذي سكب في اجتماع تونس كان خير دليل ..ولم يخفف من جرعته حضور هيلاري كلينتون نظيرة رضوان زيادة !!! وبدأنا جميعا نسمع أصوات تشقق صادرة عن أبراج المجلس الوطني .. بل ونسمع تكات الساعة التي تؤقت لانفجار الديناميت في المجلس .. وخاصة بعد فضيحة بسمة قضماني وهي تلثغ بالفرنسية أشعارا بحب اسرائيل والتي رد عليها نتنياهو بقوله (تقبشي عضامي عضمة عضمة .. وتقضمي سورية قضمة قضمة) ..

أستطيع أن أتخيل حجم النقمة والغضب الذي تتسبب فيه سورية لدول الغرب ولبعض قصور الشرق .. الغضب الغربي لاحدود له بدليل هذه الحمّى وارتفاع حرارة الضمائر الأوروبية .. وهناك أيضا غضب لامتناه في قصور العرب فلم يستطع وزير خارجية السعودية سعود الفيصل أن يمر عليه دون اطلاق تهديدات "طوعا أو كرها" كما لو كان أحد أعضاء لجنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر المعروفين بالمطوعين والمشهورين بقسوتهم ولارحمتهم ولامنطقيتهم بل وشعوذتهم .. ومعرفتي بالسياسة السعودية تقول ان ماصدر عن الوزير السعودي غريب جدا .. فالسعودية في أقصى حالات العداء لأعدائها لم تستعمل هذه الالفاظ الخشنة طوال تسعين عاما بما فيها تصريحات الملك فيصل بشأن الصلاة في المسجد الأقصى والذي دفع حياته ثمنا لها .. فلغة النفاق الحريرية كانت دوما هي لغة الخطاب الرسمي السعودي طالما أنها تنال ماتريد وخاصة عندما تكون مطمئنة الى انتصارها .. وخلع الوزير السعودي لثياب النفاق ووقوفه عاريا في تونس يدل على أن السعودية قد خرجت الى الهجوم كالعقرب الذي تسكب الماء الساخن في وكره .. وكالذئب الذي ترمي باللهيب في وجاره ..واللهيب وصل الى أوجار الذئاب ..ذئاب محمد بن عبد الوهاب ..فتماسك سوريا بدأ يكشف للناس الأسرار التي لم تعلن ..وبدا الناس يبحثون عن عقولهم وبدأ في احتجاجات تونس على مؤتمر أصدقاء سورية ...السعوديون في سباق مع العقل العربي قبل أن يعود ويرتد عن مغامرته الثورية !!

فالبعض يقرأ غضب الوزير السعودي وانسحابه من مؤتمر تونس بأنه غضب من شركائه وتباطؤهم .. وأن صراع الشركاء انتقل من الكواليس الى حارات بابا عمرو حيث يقال في بعض المجالس الخاصة ان الصحفيين الغربيين القتيلين انما قتلا بشحنة ناسفة بتعليمات عليا من السعودية للضغط على زعماء الغرب وانتقاما من تردد الغرب ازاء سوريا .. وصور المكان الذي تم اظهاره تشير الى ضعف احتمال سقوط قذيفة أو صاروخ بل تشير الاستنتاجات الأولية الى انفجار داخلي .. والأكثر من ذلك أن الأقمار الصناعية الروسية كانت ترصد اتصالاتهم وتزود السوريين باماكنهم لاعتقالهم وليس لقتلهم .. كما أن هناك صحفيين جريحين يماطل الثورجيون في تسليمهما بتعليمات سعودية للثأر من الموقف المتردد الغربي وللضغط على الغرب وفرنسا التي ربما صار لها أسرى حرب بعد أن أشيع في الكواليس أن السعوديين سربوا خريطة المواقع والانفاق والممرات السرية التي كان الفرنسيون يتسللون منها الى حمص بعد أن رفض الفرنسيون التورط بدعم عمل عسكري على غرار ليبيا خوفا من عواقبه ومن استفزاز الروس .. وكانت تلك رسالة السعودية لفرنسا بعد ان يئست السعودية من تحرك فرنسا.. وهي: ان فرنسا لم ترفع مستوى الضغط كما يجب .. فليسقط ساركوزي قبل الأسد!! ساركوزي الذي هرول الى مؤتمر صحفي لرفع الضغط ويثرثر بأنه سيسقط الأسد ..     

عمليا لم تنجح ذئاب محمد بن عبد الوهاب وعقارب الغرب  في نهش جسد الشعب الذي بدأ مغامرة العقل الأولى نحو الله لان هذا العقل قد حدد مصدر العواء وعرف موقع أوجار الذئاب .. وبدأ في القاء الماء المغلي على أوكار العقارب في حمص وادلب والأرياف .. وهذا العقل سيوقف هذه المغامرة الربيعية المجنونة .. فالشعب الذي أطلق مغامرات العقل البشري الأولى لن يصعب عليه القاء المراسي حول العقول الهائجة والهائمة على وجهها وربط العقول التي تستعد لخوض الجحيم بالأوتاد .. ولن يصعب على هذا الشعب اطلاق المغامرات العقلية العظيمة المضيئة في الشرق العربي .. كمغامرات حسن نصرالله وبشار الأسد عام 2006... فمسؤوليته تاريخية في عقلنة هذا الربيع وايقاظه من أحلام السفر وأحلام اليقظة ..وايقاف مغامرات الرحيل في الظلام .. من الظلام الى الظلام ..        







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز