د.محمد فلحي
mfalhy2002@yahoo.com
Blog Contributor since:
12 October 2009



Arab Times Blogs
هيكل .,.. لغة الخطاب واشكالية التواصل السياسي

 يقدم الكاتب محمد حسنين هيكل في كتابه الجديد(مبارك وزمانه..من المنصة إلى الميدان) الذي تنشر فصوله صحيفة الشروق المصرية،تحليلاً لشخصية الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك،ووصفاً دقيقاً لأسلوبه في الحكم وسياساته وعلاقاته الداخلية والخارجية، وقد أدهشني من بين ذلك العرض الرائع الذي يرسمه هيكل- كعادته- قوله في معرض الكشف عن مستوى ثقافة مبارك وفكره:هناك أحد الأدباء البارزين الذين اهتموا بحضور مؤتمراته وواظبوا عليها، وحاولوا تقييمه من وجهة نظر ثقافية:«أنه ــ ذلك الأديب ــ حضر عشرات المؤتمرات لـمبارك، ولم يشعر على طول ما سمع أن مبارك قرأ كتاباً، أو تذوَّق فناً، أو استشهد ببيت شعر، أو أشار إلى قول مأثور شعراً أو نثرا!!».

 وفي جانب آخر،يقول هيكل حول غموض شخصية الرئيس المصري السابق وطريقته في الحكم:"إن بطل القصة (أي مبارك) سواء ــ للأحسن أو للأسوأ ــ لم ينس أثراً حيث ذهب، ولم يترك بصمة حيث تصرف، ولم يوقع على ورقة إلا إذا كانت مرسوما بقانون سوف يُعلن للناس، ولم يسمح بتسجيل محضر لأهم اجتماعاته، بل أجراها جميعاً على انفراد، وفى الغالب الأعم فإن تصرفاته الرئاسية كانت شفوية يصعب الحصول عليها، وتجميعها، ومضاهاتها، ودراستها!..وهنا يصدق التعبير بأن من يتصورون أنهم يعرفون كل شىء عنه ــ بظاهر ما رأوا كله ــ هم في الواقع لا يعرفون شيئا عنه!!"

    هذه الصور الفاضحة والأوصاف الصادمة، التي يسردها هيكل عن رئيس حكم مصر لمدة ثلاثين عاماً، وهي أطول مدة يمضيها زعيم في سدة الحكم في مصر، خلال القرن الأخير، على الأقل،تفصح عن إشكالية في الممارسة السياسية،ليست مقتصرة على مبارك وزمانه وحده،أو في مصر فحسب،بل تكاد تشمل طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم في العالم العربي برمته،ومن بين تلك العلاقة محتوى الخطاب السياسي وأسلوبه وصيغته وتوقيته،ولا شك أن ذلك الخطاب يمثل المفتاح الأهم لتحليل شخصية الزعيم أو الحاكم،الذي يستطيع من خلال صيغة التخاطب مع الجمهور أن يرسم لنفسه ولحزبه ولبلده صورة نمطية ظاهرة في أذهان الناس، ويمكن أن يستخدم تلك الصورة وسيلة في تحريك الرأي العام أو توجيه المشاعر العامة أو شرح المشكلات و تفسير القرارات وتوضيح السياسات وكشف التوجهات وبيان النظريات!

الظاهرة الصوتية

      من المعروف أن أغلب الزعامات العربية في العصر الحديث لا تنقصها الفصاحة والبلاغة والحماسة في مخاطبة الجمهور،وهي تستند في ذلك إلى خزين لغوي وتراثي عربي  هائل،ولكنها،مع الأسف،وفي الأغلب، تفتقد إلى الصراحة والمصداقية،وتتسم بعدم التطابق بين القول والعمل،إلى جانب عناية فائقة بالمظهر والشكل دون الاهتمام بالمعنى والمقصد، حتى بات يصدق على بعضهم وصفهم بالظاهرة الصوتية،أو التلفزيونية، وبخاصة في ظل توفر تقنيات الاتصال الإعلامي،المقروءة والمسموعة والمرئية،ولعل خطابات عبد الناصر التحريضية ضد الاستعمار عبر إذاعة(صوت العرب) في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، والخطابات المرتجلة للزعيم عبد الكريم قاسم في العراق،وهو يتغنى بالجمهورية الخالدة،خلال فترة حكمه القصيرة،وخطابات صدام الشفهية الصاخبة أو بياناته الحربية المكتوبة من بعض مساعديه،وخطابات القذافي الفكاهية لمدة أربعين عاماً حتى سقوطه قبل أشهر،ومن أشهرها خطاب(زنقة زنقة) الهستيري،تمثل نماذج واضحة من عينة واسعة من الحكام الذين تخرجوا من المؤسسة العسكرية أو الحزبية، وتربعوا على كرسي القيادة،وأوجدوا لأنفسهم منابر لمخاطبة الجماهير،وفرضوا على الآخرين الاستماع لطروحاتهم وأفكارهم ومواقفهم العلنية،عبر استخدام الآلة الإعلامية الرسمية،مع الاختلاف في تجربة كل منهم، وتباين نسبة المصداقية في كلماتهم،في حين ظلت المواقف الحقيقية مغطاة برداء سميك من السرية والتمويه والخداع،ولعل عصر الانترنيت والفضائيات قد أسهم في خلع ذلك القناع،وكشف المستور وفضح المغمور، كما فعل موقع(ويكيليكس) مثلاً،ثم جاء سقوط الكثير من أولئك الحكام،ليكشف عن أرشيف ضخم من الوثائق التي تظهر الجانب المخفي من الصورة،وربما يكون ذلك المشهد السري أكثر دلالة وصدقاً من كل الخطابات والأحاديث العلنية،وعند كتابة تاريخ عهود الحكم، قد تكون الوثيقة السرية أكثر قيمة، لدى المؤرخ المحايد، من قراءة الخطاب الإعلامي!

أزمة التواصل السياسي

    إن عصر الإقناع والتأثير الإعلامي الذي يشهده العالم اليوم،قد مهّد لهزات عنيفة في مؤسسات الحكم والسلطة،بسبب تغير طبيعة التواصل بين القيادة والقاعدة، فقد أصبح ذلك التواصل يمثل الشريان الأبهر في جسد النظام السياسي، وقد فرضت وسائل الاتصال الحديثة على الزعماء مواجهة الجمهور الواسع،عبر الصورة والصوت والإيماءة والحركة،والتلميح والتصريح،ولم يعد قادراً على مواصلة التحكم في السلطة من يفقد القدرة على الخطاب المؤثر ولا يجيد التفاهم بلغة العصر وأدواته وأساليبه،وذلك بطبيعة الحال،يفرض تحديات جديدة على موقع الزعامة،ومن أهمها إتقان لغة التخاطب الشفهي والمسطور،إلى جانب الموهبة(الكارزمية) والكفاءة في استخدام الأدوات والتقنيات الجديدة،ولا يمكن الجزم بوصفة ناجحة لكل زعيم،ولكن لكل مقام مقال- كما يقال- وإن من أفضل ما يقال هو الحديث إلى الناس بلغتهم المفهومة المبسّطة، وبلهجتهم قدر الإمكان،وإذا ما اضطر الزعيم إلى إلقاء خطاب مكتوب باللغة الفصحى،بسب مقتضيات البروتوكول،فمن الضروري الانتباه لطريقة الإلقاء وتجنب الوقوع في الكثير من الأخطاء النحوية والأسلوبية، التي قد تجعل من الخطاب والخطيب نكتة مضحكة، في ظل مجتمع أصبح يتميز بزيادة نسبة المتعلمين،من الصعب أن تمر عليهم تلك الأخطاء،دون شعور بالرفض والاشمئزاز،ويمكن أن يلاحظ المرء بوضوح المستوي الثقافي والفكري والحضور الذهني للزعماء خلال المؤتمرات والأحاديث الرسمية والمقابلات والحوارات الإعلامية،ومن المؤسف القول إن بعض الزعامات التي وصلت إلى موقع القيادة صدفة أو عنوة،في دول عربية عدة، تعاني من مشاكل في التواصل والاتصال،لدرجة أن بعضهم يواجه صعوبة في النطق السليم ونقص في القدرة على التفكير يرثى لها، ومهما فعلت الماكنة الإعلامية الحكومية لتغطية العيوب العقلية والفكرية للحاكم،وتجميل صورته العامة،فإن الجمهور لا بد أن يصدر حكمه الدقيق، ويقول كلمته الصادقة في النهاية!

·       نشرت في صحيفة الصباح البغدادية بتاريخ25/2/2012







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز