نمير سعد
numair67@yahoo.com
Blog Contributor since:
18 September 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
هل مقاطعة الدستور السوري الجديد أو التصويت ضده ...خيانة ؟؟

عن الدستور السوري الجديد واستحقاقه القادم لن أقول الكثير ولن أعيد ما سبق تكراره من قبل العشرات من الكتاب والآلاف من المواطنين السوريين ، قبولاً وإستحساناً ، أو نقداً وذماً وصلباً وتشريحاً ، أو صفعاً وطعناً وإعلاناً لنعوة من ولد فأراد له البعض أن يولد ميتاً ، هذا البعض الذي تشكل من فريق عمل متكامل وبتنسيقٍ وتخطيط وإدارة من خارج حدود الجنة السورية . لن أفعل كما فعل كثيرون وأناقش في الدستور حسناته أو سيئاته ، لن ابحث عن هفوةٍ هنا أو خطأٍ هناك ولن اشيد بالمقابل بالإيجابيات التي يجمع عليها الكثيرون ولا مجال لإنكارها .

 لكنني سأحاول الخوض في ظروف ولادته و صدوره على ما هو عليه . إن الدستور الجديد أيها الإخوة هو حسب بعض إستطلاعات الرأي لبعض المواقع الإلكترونية غير الحكومية موضع قبول وترحاب الغالبية " غير العظمى " من السوريين ، وهذا ما ستتكشف دقته عبر نتائج الإستفتاء ، هذا الدستور الذي إن نحن بدأنا من ظروف تكونه جنيناً في رحم الأزمة على الأرض السورية ، والذي إن نحن أردنا تشبيهه بالجنين وجب علينا الإشارة إلى أنه جاء ثمرة تزاوج واقع سياسي وإجتماعي فيه الكثير من السلبية والفساد والتخلف مع نهجٍ إصلاحي باشره الرئيس الأسد لدى استلامه سدة الحكم وحالت عوائق تمثلت بتهديدات إقليمية متلاحقة باتت معروفة للجميع دون المضي به بالسرعة المرجوة ، لكن ولادته بعد هذا المخاض العسير والذي ترافق مع الهجمة الغربية على سورية بأدواتٍ صهيوأعرابية و معارضاتٍ اختارت الاستزلام للأجندات الأجنبية والتبرؤ من الإنتماء للوطن وتفضيل المصلحة الشخصية على مصلحة الوطن ، هذه الولادة المتعثرة وما رافقها من نزفٍ للدم السوري من أجساد أبنائه الأبرياء وأبطال الجيش السوري ، ونزفٍ للدم السوري عبر استهداف الإقتصاد ومرافق الدولة ، ونزفٍ للدم السوري من خلال هذا الشرخ الذي حرص من خطط للمؤامرة ونفذها أن يصيب النسيج الإجتماعي المتفرد لهذا الوطن المتفرد ، لقد فرض على سورية أن تكون الولادة متعسرة وأن يكون المخاض جد أليم وأن تترافق عملية الولادة بشلالٍ من الدم وأن تغطي صيحات الألم ارجاء الكون ، وأن تطغى عليها صيحات التحدي تصدح بها حناجر السوريين في كل مكان ... .

 لا بد أيضاً من الإشارة إلى تزامن إعلان الدستور والإستفتاء عليه مع تأزم نوبات السعار التي اصابت معظم أعضاء الفريق اللاهث على الضفة الأخرى ، حتى أن بعض أجهزة الرصد قد سجلت إستغاثاتٍ أليمة مترافقة مع عواءٍ لم يتوقف ، فكان تصريح العاهل الجهبذ المعروف بأنه أحد أشهر من حصل على شهادة الدكتوراه وهو لا يجيد القراءة بعد، وانما هو كما وزيره الحربائي المحيا يهمهم ويغمغم ويمارس التأتأة على أصولها ، كان تصريحه خلال اتصال هاتفي مع الرئيس الروسي ديميتري مدفيديف بأن لا حوار مع القيادة في سورية بعد الآن ، في حين كان عليه أن يسمع من الزعيم الروسي أن لا تبدل ولا تبديل في الموقف الروسي الرافض لإستهداف سورية ، وكان إحتجاج وزير العاهل في لقاء المتآمرين في تونس ومغادرته المبكرة أمراً مضحكاً وهزلياً ، فقد سبقه رأسه أولاً وكما العادة ، وكان على باقي الجسد الآثم أن يلحق بالرأس الذي يبحث عن جهة يستقر عليها فلا يجد ، وكان تجمع أعداء سورية في تونس برعاية وتمويل قطريين ، والذي لن تساوي بياناته وقراراته قيمة الورق الذي كتبت عليه 

 لكن بعض أفراد هذا الفريق يشعرون أنهم قد حققوا نصراً مؤزراً بمجرد صدور تصريح لوزير الخارجية البريطاني هيغ أو زميله الفرنسي جوبيه أو حضور كلينتون شخصياً للمؤتمر، أو حضور بعض أطراف المعارضات من خارج مجلس إسطنبول العميل ولو بصفة مراقبين ، وكانت حالة الإستنفار الإعلامي عبر أدوات القتل والدمار في سورية لمواكبة الحدث التاريخي في تونس وعرض المشاهد اليومية المعتادة فيما خص الأحداث على الأرض في سورية ، بإستعراض نفس العبارات والمصطلحات والأسماء والضيوف والوجوه الكالحة من الممثلين والكومبارس ، وبعرض نفس الصور ومقاطع الفيديو التي يقول بعض السوريون أنهم قد تقيؤوها منذ زمن فيما يضيف البعض الآخر أنهم قد بالوا عليها بعد تقيؤها ... .

ما كان ملفتاً للإنتباه أيضاً أن المعارضات السورية ورغم ما شمله الدستور الجديد من تلبيةٍ للعديد من مطالبها ، إلا أنها حرصت على محاولة إسقاطه عبر التصريحات العدائية والمواقف المتشنجة الداعية لمقاطعته ورفضه ، لغايةٍ ليست في نفس يعقوب بكل تأكيد ... وانما في نفس كلينتون أو حمد وحمد الآخر وربما الوزير سعود ، وأنا هنا لا أتكلم عن المعارضة الخارجية المتمثلة بالمجلس الاستنبولي السعودي القطري الفرنسي الأميركي ولن ننسى الصهيوني... العميل ، وانما عن معارضات الداخل على إختلاف مشاربها وانتماءاتها وولاءاتها ، والتي أسقط في يدها بعد أن تلاقت بعض مواد الدستور مع رغباتها بالتعددية الحزبية والحريات السياسية وإلغاء المادة الثامنة و- ، وصولاً إلى ما يطمح له المواطن السوري من نظام سياسي ديمقراطي تعددي ، يتساءل البعض هنا ،، من من قوى المعارضات الداخلية كان ولا زال على إستعداد لصياغة دستور وفاقي لن يتم رفضه من قبل فئة أو شريحة من أفراد الشعب السوري ؟

 هل يستطيع احدهم تقديم رؤية أفضل؟ ، أشك كما غيري في ذلك . فهناك واقع على الأرض فرض نفسه على لجنة صياغة الدستور وعلى توجهات القيادة ، ولنأخذ مثلاً المادة الثالثة ، فأنا ورغم تسجيل رفضي المطلق لها لكنني أتفهم الأسباب التي دعت إلى إقرارها ، والتي تتعلق بالوضع الحساس على الأرض السورية ومحيطها الإقليمي والدولي وبكل تأكيد بالهجمة الإسلاموية الوهابية السلفية الشرسة ، إن إلغاء أو تعديل بعض مواد الدستور ومنها المادة الثالثة يجب أن يسبقه تغييرات جذرية في العقل والتفكير ، وتعديل الإنتماء الديني الطاغي لدى شريحة كبيره من المجتمع السوري ، وإحلال الإنتماء للوطن مكانه عندها سيكون من السهل أن يحظى تعديل هذه المادة بموافقة ومباركة أغلبية الشعب ، أما في المرحلة الحالية وبحكم وجود المهيجات الخارجية والداخلية للإنتماء للدين أولاً عند البعض ، والعودة به إلى الوراء وحجره في "قوقعة السلف الصالح " وحشره في زاوية إرثه السلبي المتخلف والمتحجر والإقصائي ،وهذا لا يعني أن ما سبق هو مبرر لبقاء المادة الثالثة جاثمة مع غيرها من المواد محل الخلاف على صدر هذا الدستور مستقبلاً ، فالدستور أولاً وأخيراً ليس بإنجيل ولا قرآن ، ولا بد هنا من أن نقف عند حقيقة أننا جميعاً نريد الكثير لكن الواقع على الأرض يفرض على الجميع دون إستثناء أن يقبل بمعظم ما أراد ، ويؤجل إلى أمدٍ قريب مطالباته بالباقي ، وكل ما هو مطلوب مراعاة الوضع الحساس الذي تمر به سوريا ، وللجميع بعد تجاوز الأزمة قولٌ آخر وكلامٌ آخر .... .

 إن الفرق كبير و البون شاسع بين أن نحتضن التجربة الديمقراطية ونمارسها بدءًا بالإستفتاء على الدستور ، وبين أن نقوم باجهاضه أو وأده بعد ولادته من خلال مقاطعته أو بالتشكيك المتوقع سلفاً من قبل البعض بنتائجه فور صدورها ، فلنترك خلافاتنا جانباً ولنلتفت لمرحلة البناء عبر الوسائل الديمقراطية التي يفترض أنها ستكون متاحة في المرحلة المقبلة ، وصولاً إلى خوض اللعبة السياسية لتحقيق أغلبية تنادي وتطالب بهذا أو ذاك التعديل ، الذي سوف يكون حينئذٍ واقعاً معاشاً ودونما أثمان إضافية تدفع من المال والدم السوريين ،وهذا بعد تجاوزنا لأزمتنا التي أراد لها الآخرون أن تنتشر كما النار في الهشيم ، أو كالمرض الخبيث الذي ينتقل داخل الجسد ويهاجم اعضاءه وكل ما يحمله آلامٌ وموتٌ بطيء وتلاشي . ولأننا في سوريا نمر في مرحلةٍ دقيقة للغاية ، إستوعبها حتى بعض الأطفال في حين بقيت عصية على عقول بعض الكبار ، يصبح الإصرار في ظلها على نيل كل المطالب من قبل البعض هو تعجيزٌ وحشرٌ للعصي في عجلة التطوير والتغيير والإصلاح والإنتقال بسورية نحو الولادة الجديدة المباركة من أهلها وآلهتها .

 اتمنى على كل من كان ينوي التصويت " بلا " على الدستور الجديد ، سواء أكان ذلك لأسبابٍ أو خلفياتٍ دينية أو منطلق القومية أو العلمانية أو من باب التحدي مع القيادة السورية وإعاقة مهمه الإصلاح .... ادعوهم جميعاً أن يتفكروا ملياً بالمصلحة العليا للوطن الغالي سوريا ، المهدد والجريح ، وأقول للفرد منهم : لا تتحول من حيث أردت أو لم ترد إلى خنجرٍ يضاف إلى الخناجر التي تطعن الجسد السوري ، أو إلى جرحٍ نازف ، يضاف إلى جراحات ذاك الجسد .... . هنالك من شعر بمشاعر تشبه الجلوس على الخازوق بسبب إتمام مشروع الدستور والإستحقاق القادم بالإستفتاء الذي سوف يتوج بنيله رضا وقبول وإستحسان غالبية الشعب ، وبالتالي الإنتقال إلى الخطوة اللاحقة من مسيرة الإصلاح التي تسير بها القيادة في سوريا والتي اعطت الأدلة المتعددة على صدق التزامها بها ، بعض من يعاني من تلك الحالة يتبع لبلدانٍ لها دساتيرها وقوانينها وتشريعاتها كما الأوروبيون وجماعة كلينتون ، وكذلك أحفاد أتاتورك ، وأولئك يعانون من هذه المشاعر لأن الدولة السورية في هذه الظروف الاسثنائية وفي هذا الزمن القياسي الإستثنائي تابعت سيرها في خطة الإصلاح وانجزت مشروع الدستور الجديد وهو ما لا يتفق مع خطتهم للمنطقة ولسورية تحديداً ، وأما الآخرون ...الآخرون حراس النفط والغاز و أقنان الغرب وأجراؤه ، الآخرون من سكان تلك الكيانات الصحراوية التي لا تعرف للدساتير معنًى ولم تصل بمجتمعاتها واداراتها إلى مستوى الدولة ومفهوم المواطنة ، فالعائلة في تلك المشيخات هي مصدر القوانين والتشريعات والقرارات الملكية هي أساس الملك ، وهي مصدر الفتاوى الدينية التي تقوم دور الإفتاء بإستصدارها حسب الطلب وعند الحاجة ، في هكذا كيانات ، وبالنسبة لهكذا مخلوقات ، تبدو مسألة إستجابة القيادة السورية لتغيير الدستور " الأقدم من نشأة بعض تلك الكيانات " والمضي قدماً بالإصلاحات محرجةً ومؤلمة ، ولهذا فهم اعلنوا في أكثر من مناسبة عزمهم السير في المؤامرة إلى نهايتها ، وهم قد أحرقوا كل سفن العودة كما أحرقوا شعرات معاوية جميعها ... .

 وأما عن السؤال الوارد في عنوان المقال ، فسأترك الإجابة عليه لكل منكم على طريقته وحسب الإنتماء والقناعة الشخصية ، لكنني أقول ببساطة انني سوف أتفهم الأمر إن قام أحدكم بإتهامي بما أراد لأنني سأقاطع الإستفتاء أو سأصوت ضده ، سيما إن اعترفت له مثلاً انني أقوم بهذا مدفوعاً بدوافع دينية أو طائفية أو من باب الكيدية والثأرية من القيادة السورية ، وسوف تسكنني حالة من الصمت المطبق إن قال أحدكم أنني فضلت مصلحتي الشخصية على مصلحة الوطن ، وإن قال آخر ..أن إنتمائي لتراب الوطن ضاع وتلاشى بسبب ضعفي أمام الإنتماء الديني ومن ثم الطائفي .

 أخيراً أقول :نحن لن نركب سفينةً ونبحر في هذه الأجواء العاصفة ونغامر بأنفسنا ومن معنا إن نحن دخلنا دوامة الإعصار ، ولن نعتلي صهوة الأشهب ونطلق له العنان في غابة إستوائية تقبع في كل جنباتها الوحوش والديناصورات ، ولن نتركه يعدو في صحراءٍ قاحلة تفور من بعض ثقوبها مواد نفطية آل سعودية ، وتفوح منها رائحة الغازات القطرية السامة ، ولن نحاول ركوب الثيران الناتوية الهائجة في محاولةٍ لترويضها ، سنترك كل ما ذكرنا جانباً أو سنتجاوزه حتى يصبح خلفنا ، وسنتمركز ونتمترس ونتحصن ونرابط في جنتنا السورية ونتفيأ ظلال اشجارها وننعم بسحرها رغم المرارة ، لكننا لن نغفل عن أسوارها ، وعن الجراثيم والفيروسات التي تسللت وتغلغلت في جنباتها في محاولةٍ للوصول إلى نواتها وقلبها ، الآخر يعرف تماماً أن ليس من مصلحته أن نلتقيه على أرضه أو في منتصف الطريق ، سنصاب وقتها دون شك وسنتألم ، لكنناً أيضاً ودون أدنى شك سنصيب ونوجع ، وسائل المقاومة والصمود موجودة بالفطرة ، وكرياتنا البيضاء دوماً على أهبة الإستعداد ، ولدينا ما يفتقر له الخصم ... لدينا تجربة الآباء والأجداد والإرث الذي لا ينتهي من انتصاراتهم وحكايا بطولاتهم ولدينا الإيمان بالقضية وصدق الإنتماء وعشق التراب والإستعداد للتضحية ، ويبقى ... الشموخ السوري الذي يداعب الغيوم... شوكةً في عيون من أدمن طأطأة الرؤوس .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز