نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
سوريا: هزيمة المشروع المدني والحضاري

كما توقعنا سابقاً، تتبدى اليوم، وعلى الأرض، ملامح عودة للاستقرار وانتصار مؤزر حاسم للقوى الوطنية الحداثية والعلمانية السورية على قوى الظلام والرعاع والغوغاء وتتار العصر المحلية والإقليمية والدولية المدججة بالشبق الهمجي، وعشق الدم، والتي حاولت اللعب بالكيان السوري وتفتيته وشرذمته، ويتجلى ذلك النصر بالقضاء على فلول العصابات الإجرامية المسلحة التي استباحت الدم السوري في بعض بؤر التسلح والإجرام، وتفكيك كل ذلك لصالح وحدة وسلامة وأمن سوريا. وقد كانت غاية هذا المشروع إلحاق سوريا بالمنظومة البدوية الظلامية الأبوية الاستبدادية البدائية المتخلفة، وإعلان الإمارات الإسلامية في سوريا، وسيطرة لوردات الحروب وأمراء الجماعات الإسلامية، وعلى النمط الصومالي والليبي والأفغاني والعراقي. يبدو الآن.

 أن هذا الكابوس قد أصبح، واقعاً، في حكم الماضي وفي ذمة التاريخ مع سحق أدوات وبيادق وشراذم وزنادقة ذلك المشروع الشيطاني الجهنمي الرجيم. ويـُعزى هذا الانتصار الحضاري والمدني المبين أولاً، وقب كل شيء لتضحيات وبسالة وقوة وبطولات وتماسك جيشنا السوري الوطني النظامي الباسل، وثانياً، إلى شعبنا السوري الأبي المدني الحضاري العظيم، بكل مكوماته وقئاته وطوائفه ومذاهبه وأعراقه القوسقزحية الجميلة التي لم تنجر وراء خطاب الفتنة والتحريض والدعوات اليومية الصادرة من عواصم الردة للحرب الأهلية والاقتتال والاحتراب الداخلي، وعبـّرشعبنا عن استيعاب وفهم كامل لما كان مخططاً ومراداً ومطلوباً من سوريا. وهب بكل قوته وعنفوانه الحضاري وإرثه المدني لإحباط وإفشال المخطط وكان له ما أراد.

 ومن المفارقات المريرة والمحبطة، أن المشروع المتوقع لإعلان سوريا التاريخ والحضارة كإمارات إسلامية، لم يأت عن طريق الإرهابي المدعو "الضبع"، ولا عن طريق الطيفور والشقفة، أو برهان غليون، نفسه، ومجلسه الاسطنبولي الظلامي، بل عن طريق ما تسمى بلجنة صياغة الدستور التي قدّمت دستوراً متواضعاً هزيلاً ركيكاً لا يذكرك إلا بدساتير الصومال، والسودان، وبني عربان، متنكرة اللجنة بذلك لكل تضحيات ودماء السوريين، ولذاك الإنجاز الحضاري والمدني العظيم الذي قدّمه السوريون طوال شهور الأزمة التي تودعنا رويداُ رويداً اليوم، وحين أظهر هذا الشعب تماسكاً وتلاحماً ووحدة وطنية عزّ نظيرها، راهن الآثمون والمعتدون على ضربها ونسفها في الشهور الأولى للأزمة.

 هذه هي سوريا وهذا هو شعبها العظيم. ومن المفارقات المرّة والمخيبة، أيضاً، أنه، وربما، وفي تاريخ الصراعات والحروب في العالم، لم يحدث أن قام المهزوم يفرض خطابه ورؤاه وجهة نظره وشروطه على المنتصر وهو الشعب السوري إلا في هذه الحالة. كم كان الشعب السوري تواقاً كي تعكس اللجنة حضارته وتسامحه وإرثه السوري العظيم لا اختزاله بمادة هزيلة تسيء له ولا تعلي من شأنه عكس ما توقع جهابذة الدسترة ولي عنق التاريخ. وبدت المادة الثالثة، وفي وجه منها، انصياعاً وخضوعاً لرموز الفتنة والضلال ودعاة التشرذم، ومسايرة لهم، أكثر مما هي تعبير عن واقع مدني سوري حضاري عصري علماني وحداثي جسده السوريون عبر وقفتهم الرائعة، أو عن طبيعة القوى التي حسمت الصراع.

وبدت المادة الثالثة وكأنها تغازل السعوديين، والقطرييين، والأتراك والوهابيين وجماعة التنظيم الدولية المعروفة، وأمراء الجماعات الإسلامية وكل تلك القوى مجتمعة، وترسل الرسائل لهم جميعاً قائلة: "أن لا تخافوا فسوريا ما زالت في نفس القطيع، ولم يتغير أي شيء".

 القضية في النهاية رمزية ومعنوية، ونحن نعلم علم اليقين، أن رئيس سوريا المقبل، سيكون مسلماً، بحكم قانون الأغلبية، وإن كنا نتوقع غير ذلك من هذا الشعب العظيم في حال وجود أي تحد حضاري لإثبات تفرد وتميز السوري وقد فعل ذلك بالأمس القريب(!).

ولكن هل جربنا أن نغامر باختبار مدى حضارة ومدنية هذا السوري النبيل بدل أن ننصب من أنفسنا أوصياء على ذوقه وإرثه وتاريخه الحضاري(2)؟ وما الخوف في أن يكون الرئيس غير مسلم؟ هل سينكل بالمسلمين ولا سمح الله؟ ولماذا هذه التخوين وعدم الثقة بغير المسلم السوري لقيادة الدولة والمجتمع؟ لماذا هذه القسرية في الصياغة والفرض بدل ترك ذلك لمزاج ومشاعر وتوجه الشارع الذي هو من سيقول كلمته وليس كلمة لجنة الصياغة الجائرة والباغية والظالمة والمنحازة والتي تستفز كل سوري مدني حضاري أصيل؟ كان من المفترض والواجب أن يعكس الدستور الجديد طبيعة القوى السورية الحضارية والمدنية المتسامحة والطيبة المتواجدة على عموم الأرض السورية، لا فريقاً بعينه وليس نوايا وتوجهات الفئة العرعورية الباغية والتي هزمت شر هزيمة نكراء من السوريين جميعاً، والتي أرادت أن تعطي سوريا لوناً، ووجهاً، وهوية واحدة، دون غيرها، قام الدستور الباطل العتيد، مشكوراً، بإعطائها إياها.

 في ثمانينات القرن الماضي، وبعد أن خاض السوريون معركة ناجحة كانت فاصلة هي الأخرى في الصراع مع قوى الظلام ومع الجماعة الخارجة عن القانون والحضارة والتاريخ، التي حاولت مصادرة القرار الحضاري والوجه المدني والحداثي العلماني للسوريين، قامت سوريا الرسمية، ومغازلة للتيار إياه، وربما خوفاً منه، بتغليب التيار المحافظ على ما عداه من تيارات سورية وطنية وعلمانية وتنويرية وحداثية وتغييب وتهميش وعزل هذه الأخيرة عنوة وقصداً وعن سابق قصد وتصميم ومحاولة إظهار لون واحد ووحيد ويتيم لسوريا(3)، وأخشى ما نخشاه أن يعيد التاريخ نفسه هذه المرة عير هذا الدستور الهزيل الركيك الباطل وغير المتوازن والذي تبدو فيه الغلبة والميلان لذات التيار الذي يعلن انتصاره المعنوي والرمزي علينا جميعاً كسوريين. كلنا أمل وثقة بعظمة وقوة وحضارة شعبنا.

 والشعب الذي قال لا للفتنة، ولا للخطاب الطائفي، ولا للحرب والأهلية، ولا للاحتراب المذهبي، سيقول ولا شك لا كبيرة ومدوية للمادة الثالثة الطائفية والغريبة عن تكوين وتركيب شعبنا السوري العظيم وسيعلن بذلك الهزيمة المعنوية والدستورية لأصحاب المشروع الظلامي بعد أن أعلن هزيمتهم العسكرية على الأرض. فالسوريون ، وبكل بساطة، يستحقون دستوراً أفضل بكثير، من هذا الدستور المتواضع الركيك والهزيل.

هوامش

 (1)- فارس الخوري المسيحي السوري الذي طغى على المشهد السياسي السوري ما قبل حقبة البعث. (2)- أعتقد جازماً لو ترك الأمر لذوق ورأي السوري الأصيل لانتخب غير المسلم مسلماً، والمسلم المدني السوري غير المسلم السوري، وهذا أمر طبيعي في صلب ثقافة وحياة السوريين لكن هذا الفرض والقسر والتطويع، يخلق نفوراً عاماً عند الجميع، وليس فقط عند غير المسلمين. (3)- من يتابع الإعلام السوري السخيف والمهزوز والهزيل والمغلق يعتقد، أحياناً، أنه يتابع محطة صفا، والوصال، ما غيرهما، والهدى، والفرقان وتوابعها، الدعوية ولا حول ولا قوة إلا بالله.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز