نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
المادة الثالثة .. خلافة اسلامية .. أم ملكة تملك ولاتحكم؟


ظهر أخيرا مشروع الدستور السوري الجديد ..الدستور القديم حزم أمتعته ورحل ..وقد حمل معه جثمان المادة الثامنة التي تسببت بالكثير من اللغط والانقسام .. ولكن الدستور الجديد أتى ويحمل معه عائلته الجديدة من مواد كثيرة جديدة بعضها اشكالي حتى أننا قد نترحّم على المادة الثامنة يوما ما والتي كانت تلعب دور الشرطي الذي يمنع ديكتاتورية مواد أخرى مثل المادة الثالثة التي بقيت حرة الآن من أي منافس أو ضابط ايقاع..

كل نقطة في الدستور تحتاج الى مناقشة مستفيضة .. ولعل أكثر المواد التي تبدو ضيفا قبيح المظهر هي المادة الثالثة .. ففي بلد مثل سوريا تتلاقح فيه كل ثقافات الشرق القديم وكل الديانات يبدو غريبا أن يخص الرئيس بوجوب الانتماء الى دين محدد (الدين الاسلامي) .. ويبدو ان المادة الثامنة التي كانت تكبح جماح أشباه المادة الثالثة قد تركت المسرح لبطل مشاكس لايقاسمه دور البطولة أحد ..وتخلت عن مهمة الحراسة على العلمانية ..لصالح تعريف لمنصب يبدو أنه تعريف لمنصب "خليفة المسلمين"..

ان من الخطر لكاتب مسلم يميل الى العلمانية التطرق الى قضايا دستورية ..فالدستور هو المخلوق الذي لايمكنه أن يكون صديق الجميع ..لكنني في هذه المقالة سأترك الطريقة التي اعتدت على الكتابة بها وسآخذ اجازة قصيرة من الأدب والسياسة والفلسفة والتاريخ لأقول رأيي وقراءتي لجانب واحد من الدستور السوري كمواطن سوري قد يخطئ وقد يصيب لكنه سيقول رأيه لأن عدم الكلام في شأن كهذا سيؤمن للدخلاء على الحياة السياسية السورية منصة للتشويش والثرثرة ..

والسؤال الذي يتكرر: هل نحن مع التصويت للدستور بنعم أم لا...؟؟

لو كانت المادة الثامنة رحلت ورّحلت معها المادة الثالثة لكان الدستور الجديد ثورة على الثورة .. لكن اعلان وفاة المادة الثامنة دون المادة الثالثة هو انعكاس لواقع جديد وهو أن العلمانية في مأزق وأن الشرق الذي قادت علمانيته الأجيال السورية المتلاحقة عبر تيارات البعث والقومية السورية والشيوعيين وغيرهم تلقت ضربة موجعة واضطرت للاعتراف أنها لم تنجح في قيادة الموجة التنويرية والعلمانية في الشرق بل أنها استسلمت لقدرها ..وآن لها ان تراجع تجربتها وفرصتها التاريخية التي هدرتها وضيعت نصف قرن كان يجب أن تقود الى مجتمع ينتمي الجميع فيه الى الجميع ولا ينتمي رئيس البلاد فيه الى أحد الا الى الوطن السوري ..وهذا بالطبع ليس انصافا كاملا لأن الحقيقة هي أن المعسكرات العلمانية الكبرى قد دحرت أمام هجوم "الله" عبر الكنيسة والفاتيكان وعبر مجاهدي أميريكا في كابول التي أثخنت في الشيوعية الجراح ..

وبعد الهزيمة الواضحة للعلمانية في المنطقة والتي تجلت برحيل حزب البعث العراقي واجتثاثه لتحل محله قوى دينية اسلامية .. وبعد ايصال أردوغان وجماعته الاسلاميين في تركيا الى السلطة ... بل وبعد تولي الحركات الدينية الاسلامية لدفة قيادة المقاومة في الشرق (حماس وحزب الله وايران والمقاومة العراقية) ..كان من الواضح أن العلمانيين دخلوا في غيبوبة وأصيب صوتهم بالبحة .. فلا صوت يعلو فوق صوت "المكبرين" على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم .. في كل هذا الشرق

انني أعرف ماهي المعضلة التي تواجه القيادة السورية والقانونيين الذين ناقشوا مواد الدستور وبالذات هذه المادة .. فهم مع علمانية الدولة .. والرئيس الأسد شخصيا ينتمي الى الجميع بحكم تجربته الرئاسية التي أثبتت أنه رئيس جميع السوريين دون تمييز .. ولايستطيع أحد توجيه تهمة الانحياز لطرف أو طائفة او تيار ..أو مدينة أو اقليم ..ولكن في نفس الوقت فان الدستور يجب أن يعكس ميل المزاج العام وخصوصية المجتمع فمثلا بريطانيا دولة علمانية وليس فيها دستور لكن ملكة بريطانيا بالتعريف القانوني وبالعرف هي حامية الكنيسة الانغليكانية وهي مسؤولة عن هذا اللقب وهذا التعهد بحماية الكنيسة

لماذا يفضل الدستوريون عدم رفع السوط في وجه المادة الثالثة وملحقاتها التي تعد بمثابة تعيين خليفة للمسلمين؟

لاشك أن التيار الاسلامي عموما مصاب بحساسية مفرطة تجاه كل مايوجه له من انتقادات وكل محاولة لتجريده من دور سياسي ...ولايمكن انكار أن هناك تيارا اسلاميا في سوريا والمنطقة، يتصيد كل مايعتبره هنات بحق الدين الاسلامي والتي تصدر في بلدان المنطقة .. وذلك لتعويض الانهيار والرقابة الصارمة التي تحاصر القيم الاسلامية في الغرب والعالم .. وكنوع من ميكانيزما الدفاع أمام الهزيمة في الدفاع عن القيم الاسلامية الملاحقة في الغرب يقوم الاسلاميون بتضخيم ردود أفعالهم على أي جدال يتعرضون له في الوطن حتى وان كان منطقيا ..

ان الاسلاميين أحسوا بعجزهم أمام الغرب الذي صفعهم عدة مرات في السنوات الأخيرة ولم يعتذر ..لا البابا اعتذر كما طالب الاسلاميون ولا راسموسن اعتذر عن رسوم مهينة للرسول ولاسلمان رشدي اعتذر ..والاسلاميون لم يعد بامكانهم اثبات وجودهم الا أمام خصومهم في الوطن ...العيب في اسلاميي هذا الزمن انهم أثبتوا أنهم أضعف من أن يواجهوا الاهانات التي واجهها الدين الاسلامي وعجزوا عن مواجهة اذلال جميع المسلمين .. فهم يرون الأقصى كل يوم يبشر به الاسرائيليون من غير قبته بل بصور للهيكل ويتجول فيه الاسرائيليون على راحتهم ويصورون الرسول الكريم بهيئة خنزير .. بل قضم المستوطنون الحرم الابراهيمي بشكل كلي تقريبا ... ولم يكترث الغرب بالاحتجاجات الاسلامية على اهانة المواطنين والجاليات والمسافرين المسلمين بسبب تفتيشهم بطريقة مهينة في المطارات الغربية ...ولم يكترث هذا الغرب بالصخب حول التدخل في معتقداتهم وأسلوب حياتهم وطقوسهم .. بل ان بعض الدول الغربية صارت تفرض سؤالا على المسلم قبل قبوله في المجتمع الغربي بالخضوع لامتحان فيه أسئلة صعبة مثل ان كان يقبل بالحرية الجنسية المثلية وبحق البنت في ممارسة الجنس دون اعتبار لقواعد الشرف الاسلامي (حتى أردوغان نفسه غير الدستور التركي بشأن عقوبة الزنا لارضاء الغرب)..والاجابة بالاعتراض على هذه الأسئلة التي تتدخل في المعتقد والثقافة والتقاليد قد تعني سقوط حق الجنسية أو اللجوء بحجة عدم القدرة على الاندماج في الثقافة الغربية .. وفي بعض الحالات قامت السلطات في دول غربية باجراء فحص العذرية على النساء اللواتي سيلتحقن بأزواجهن بحجة ان الزواج صوري وليس حقيقيا وغايته ادخال لاجئين جدد ...الى جانب كل الاهانات لاننسى أقفاص غوانتانامو وتصوير صدام حسين الرئيس المسلم بثيابه الداخلية ثم تسليمه لميليشيات هوجاء والأمر باعدامه يوم العيد المقدس لدى المسلمين .. فلولا رغبة وأوامر الأمريكيين لانتظر العراقيون الثورجيون 3 أيام لتنفيذ الاعدام بعد العيد ..

باختصار ..أمام هذا الكم الهائل من الهزائم النفسية والاخلاقية وهذا العجز من الناحية النفسية فان الاسلاميين بحاجة ماسة لأي خاصرة ضعيفة يعلنون فيها جهادهم ..وليست هناك أطرى من خاصرة الوطن الذي يعيشون فيه .. هذه هي الخاصرة التي اقترحتها معاهد الأبحاث الغربية التي وجدت أن الاحباطات الاسلامية تحتاج الى امتصاصها أو حرفها لتنفيس رغبة الاسلاميين بأي نصر ..وكان الخوف من جاذبية انتصارات حزب الله والاسلام الذي رعاه السوريون والممانعون...لابعاد الاسلاميين عن هذا النوع من الجهاد ..فكان الربيع العربي ...والغباء والفوضى ..."خذوا السلطة وانتصروا على بعضكم ..لامكان للنصر على الغرب" ...

ولذلك نلاحظ أن الاسلاميين يقفزون على الفور لتأثيم وتكفير من لايوافقهم حتى في بعض الاجتهادات ويجهزون مدافع الاتهامات لقصف كل من يحاول قول الحقيقة أو من يحاول اصلاح خلل دستوري لن يقدم ولن يؤخر في قوة الدين .. فهناك اسلاميون يحاولون على الدوام الصاق تهمة التآمر على الاسلام والمسلمين وخاصة من منطق الطوائف الأخرى أذا ارادوا الانتصار لقضيتهم ومشروعهم..

اليوم هناك نشوة في المنطقة بالمشروع الاسلامي الذي انفلت بلا ضوابط من تونس الى مصر ..وهناك سكارى بالمذاق الاسلامي التركي ... وهناك اسلام امريكي "مابعد لادني" تتولاه قطر والسعودية وامتص اليه القاعدة التي بدورها امتصت أيمن الظواهري من الحرب على الغرب وامريكا الى الحرب على سوريا ..لأن الظواهري (الذي ابتلع الطعم) مع أتباعه اكتشفوا أنهم بحاجة الى نصر بعد أن فشل تنظيمهم حتى في خدش المواقف الغربية الذي لم يبال بتهديداتهم التي تبين انها هراء ... وليس خفيا اليوم أن من يقاتل في أفغانستان ليس طالبان الظواهري بل طالبان أخرى تماما لها قواعدها في ايران وتضرب على ايقاع التهديدات المتبادلة بين ايران والغرب .. فلا بد لأتباع الظواهري من محاولة الانتصار في الخواصر الرخوة للمجتمع الاسلامي خاصة اذا ما غضت أميريكا الطرف عن تنظيمهم .. فهناك من القاعدة من يعتقد أن هزيمة أميريكا غير ممكنة اطلاقا الا بالركوب على ظهر المشروع الامريكي .. والظواهري بانضمامه للمشروع الغربي ضد سوريا يعلن صراحة عن هزيمة مشروعه الجهادي الذي دأب بن لادن على ابقاء خطابه موجها نحو المشروع الصهيو صليبي (كما كان يردد) ...وما ان تولى الظواهري القيادة حتى تبين أن الظواهري قد انحرف عن اتجاه قاعدة بن لادن ..ولكن هذه الهزيمة لم تعد تقرأ على أنها هزيمة بل انكشاف أغطية القاعدة التي بدأت بالعمل مع السي آي ايه ضد السوفييت وانتهت توجه للعمل مع السي آي ايه ضد الروس وحلفائهم .. وتعززت القناعة لدى كثيرين أن القاعدة ليست الا نتاجا عبقريا استخباراتيا يشبه حيوانا ضاريا يتحكم به مدرب متمرس يمسك السوط ويوجهه حيث يريد..

مما سبق ..هناك توازن صعب للغاية ومعادلة شديدة الدقة كما هي علاقة الالكترونات بالنواة الذرية عندما يتعلق الأمر بقضايا الشأن الاسلامي ..والتجربة تثبت ذلك ..فعندما وقف السوريون ضد هزيمة المسيحيين عبر حزب الكتائب في لبنان لدى اجتياح قوات ياسر عرفات وكمال جنبلاط لمواقع الكتائب فانهم اتهموا أنهم يحاربون حقوق الطوائف الاسلامية المظلومة في لبنان ..وعندما وقفوا ضد الاسلاميين في سوريا في الثمانينات قيل انهم ضد التيار الاسلامي السني لصالح الأقليات السورية .. وعندما وقفوا مع حزب الله اتهموا بسهولة بأنهم متورطون في مشروع تشييع المنطقة ...القضية الدينية كانت دائما أزمة في الشرق ..أزمة ولّادة للأزمات ..وليس هناك أسهل من اطلاقها ..ولكن ربما كان من المفيد النظر الى التفاصيل التي تحيط بالمشرّع السوري وكل من ناقش الدستور ..

هناك ادراك لدى القيادة السورية أن المد الديني في الشرق قد وصل الى المجتمع السوري وخاصة الريفي الذي لم تمانع فيه هذه القيادة واعتقدت أنه معطف اضافي يضاف الى معاطف الوقاية ضد عواصف المحافظين الجدد التي ضربت المنطقة .. فالمنطق الذي يثبت اسرائيل في المنطقة هو منطق ديني لاهوتي وايمان بوعد من الله ..ولاينسف الايمان الا ايمان مثله أو أقوى منه ..واعتقدت القيادة السورية أن حضانتها لجزء من الاسلاميين المعادين للغرب واسرائيل يحصنها من كل شهوة الاسلاميين للسلطة .. فشعارات الاسلاميين للوصول الى السلطة كانت هي أنهم محرومون من فريضة الجهاد التي كانوا يتحرقون اليها .. وكانت القيادة السورية تحس أنها ترضي وتروي غليل الاسلاميين بانفرادها بدعم هذا الجهاد ضد اسرايل والغرب حسب امكاناتها المتاحة التي كانت تصطدم (وبشهادة الاسلاميين) بقوى الاعتدال العربي العميلة التي تآمرت على المشروع الاسلامي والجهادي علنا ..

المد الديني الذي وصل الى المجتمع السوري كان تحت عين السلطة وتجنبت الاصطدام به لاطمئنانها أنه يشاركها بعض منطلقاتها "المقاومية" وربما لأنها أيضا كانت قد نسجت حبال ود مع الاسلاميين السوريين الوطنيين وكان من الحرج بمكان ومصدرا للتناقض أن تطلب السلطة من علامة كالبوطي دعم خطابها الممانع ضد الغرب واسرائيل في خطب الجمعة ثم تحرجه بممارستها التوجس من الاسلاميين والضغط على التيار الاسلامي .. فقررت مبادلة تيار البوطي الود والمعروف والاستجابة لنداء اسلامي ذي اتجاه وطني .. بل يقال ان العلامة البوطي نفسه تدخل أكثر من مرة لاطلاق سراح مئات من معتقلي الحركة الاسلامية السابقين من مرحلة الثمانينات عبر مراسيم العفو، وليّن كثيرا من تشدد السلطة ضد الاخوان المسلمين حتى أن المرسوم رقم 49 القاضي باعدام كل من يثبت انتسابه لجماعة الاخوان المسلمين قد أفرغ من محتواه ووضع عمليا في الثلاجة وظهر أنه مرسوم محنط لم يعمل به منذ أكثر من عقدين ..وربما كان للاسلاميين الوطنيين من أمثال البوطي والمفتي حسون الفضل الكبير في تقريب اتجاه الاسلاميين من الخط الوطني واعادة دمجهم في الحياة السياسية السورية تحت نشاطات مختلفة ومسميات كثيرة ..

وكان كثير من المتابعين للشأن السوري يتنبأ بثقة أن في الأفق مشروعا سوريا لاعادة اظهار الاسلاميين (الاخوان المسلمين) كتيار وطني سيدخل الحياة السياسية رسميا خلال 5 سنوات وبجاذبية كبيرة لاسم (العدالة والتنمية السوري) تيمنا بتجربة أردوغان الذي ظهر بطلا بعد مسرحياته الدولية على شواطئ غزة ومنصة مسرح ديفوس ..وكان البعض يشيرون الى تأثير البوطي تحديدا في هذا الميل الجديد .. البوطي الذي فتحت في عهده المعاهد الدينية الكثيرة وكان لايرد له طلب يتعلق بتوسيع التعليم والثقافة الاسلامية رغم اعتراضات البعض من القياديين وصقور علمانية الدولة السورية.. وكان لهذا التقارب من لم يتحمس له في دول الخليج والسعودية والغرب لأن توحيد التيارات الاسلامية الشيعية والسنية هو المقتل الذي سيصيب المشروع الديني اليهودي في اسرائيل .. ولأن اضعاف حركات المقاومة لايتم الا بضربها بنفس السلاح .. اي اعادة انتاج الجهاد ليكون جهادا ضد الاسلام نفسه ..الاسلام ضد الاسلام

هل الدستور في مادته الثالثة واعتبار الفقه الاسلامي "مصدرا رئيسا - وليس الوحيد - للتشريع" يلبي مطالنا وتطلعاتنا؟

قبل البدء بالاجابة .. من الناحية النظرية ان الغاء المادة الثالثة رمزي كما أن ابقاءها رمزي ..والأهم منها هو من يمسك الشارع والمستقبل ..فلم ينفع حزب البعث تمسكه مثلا بوجود المادة الثامنة في الدستور وبقيادته للدولة والمجتمع طوال نصف قرن لأنه فقد الشارع ...فما الفائدة من كسب الدستور والمواد وفقدان الشارع؟ .. وبنفس الطريقة ماالفائدة من الغاء المادة الثالثة اذا كان الشارع متدينا؟ ..وماالفائدة من تثبيتها والشارع علماني؟ .. أعتقد أن هذا هو الجدل البيزنطي ..وأنا أرى أن ابقاءها يفيد في تحييد من لم ينضم للتمرد الاسلامي ..لأن هناك فئة واسعة لاترى في الثورة مايلبي قناعاتها .. وسيكون الغاء المادة الثالثة منصة وهدية ثمينة للمعارضة الاسلامية التي ستخاطب المحايدين ذوي الميول الاسلامية وحتى رجال الدين الذين نأوا بانفسهم عن الثورة والتزموا الخط الوطني لتقول لهم: أراأيتم أنتم تدافعون عن نظام يريد الغاء كل رمزية اسلامية؟ ..

ولمن ينتظر الجواب على السؤال المطروح أعلاه اقول: ان بقاء المادة الثالثة لا يلبي طموحاتنا في بناء مجتمع خلاق متناغم بعيد عن التنافر ..ولكن هل نرفض الدستور؟ الجواب هو بالتأكيد لا ..للأسباب التي شرحتها أعلاه ولكن لسبب بسيط آخر شديد الأهمية وهو أن الدستور لم ينص صراحة على أن التعليم الرئيسي في العملية التربوية ديني أو ينهل بشكل رئيسي من "الشريعة الاسلامية" ..ليس لأنني ضد الشريعة الاسلامية بل لأن التعليم قضية حيوية للمجتمع ويجب ابقاؤه بعيدا عن سلطة الدين وابقاء التوازن مع انتشار المد الديني ..وهذا الابقاء على العملية التعليمية والتربوية بمنأى عن الدين يوفر فرصة علمنة المجتمع على أساس سليم متوازن .. بل لامانع ان يبقى التعليم الديني طليقا في المساجد والكنائس (المكان الرسمي والحقيقي) لمن أراد الادعاء ان الدولة تغرق في علمانيتها ..فمن اراد تخفيف تركيز العلمانية عليه بالمساجد والكنائس..ومن هنا يففهم لماذا تصر التيارات الاسلامية العربية الحديثة على تولي حقيبة التعليم ..انها للسيطرة على الجيل القادم وتقييده بفكر السلفية ليبقى غارقا في قاع الدين وليس طافيا فوق بحيرة السماء..

وعلى العكس يجب علينا الآن ان تطالب الاستانبوليين بقول كلمتهم في هذا الشأن ..لأنهم سيكونون في ورطة ..فهم لايستطيعون الموافقة على الغاء المادة الثالثة لأنهم في قلبهم حركة اسلامية .. وذلك يعني انشقاقا عن مبادئ الحركة الرئيسية للتمرد..وهم لايستطيعون الدعوة لتثبيت المادة الثالثة لأنها تعني أنهم حركة دينية تكشف نفسها ..ولذلك نرى أن المعارضة بكافة أطيافها اختارت رفض الدستور بشكل عام دون التجرؤ على الخوض في التفاصيل المحرجة ..وربما القاتلة للموقف الموحد الظاهري .. وسيلتزم الغليون صمت القبور ازاء هذه المادة ..ولو نشروا لسانه بالمنشار فلن ينطق برأيه ..بالمادة الثالثة ..لكنه سيثرثر كعادته ودور حول كل المواد التي توفر له ثرثرة اعلامية ..

علاوة على ذلك فان عدم الغاء المادة الثالثة كليا سيجعل الدولة في غنى عن مواجهة اضافية والتي قد يلتقطها العراعرة ويبشرون بشكل سخيف وكاذب بأنها الخطوة التي تسبق مثلا اعلان حظر على الدين الاسلامي وشعائره ..

مما قلنا أعلاه لايبدو الغاء هذه المادة وفي هذا التوقيت حصيفا بل من الحصافة التعامل معها كملكة بريطانيا ...تملك ولاتحكم ..ومن الحكمة الامساك من جديد بالنهج العلماني للدولة على الأرض وفي الاعلام واطلاق عملية تنوير وسياسة تعليمية كثيفة تهزم ثقافة مساجد الأحياء وثقافة الدعاة على الفضائيات خلال السنوات القليلة القادمة لتجتث الميول الدينية المريضة للمجتمع لابقائه بعيدا عن الامتطاء من قبل قوى غربية أو رجعية والعمل على تركيز نشاط الاسلام "الوطني" غير المستورد من جبال أفغانستان ومقرات السي آي ايه ومفاعلات الجزيرة وآل سعود الذرية ...الاسلام الذي يتحرر من الفوضى ومن الفتاوى الهائمة على وجهها ..ومن مزاجية الدعاة زسذاجة المدعوين

لذلك .. لاضرورة لاحراج الدولة في هذه الظروف بهذا الجدل .. والدستور هو دستور انتقالي ومنصة للانتقال بالبلاد الى مرحلة أخرى بعيدا عن الجمود السياسي والقانوني .. ولو اردنا الحصول على دستور للبلاد لاحتجنا الى 23 مليون نسخة لتناسب الجميع ..والباحثون عن التفاصيل وعن دستور نهائي يتفق عليه الجميع خلال هذه الأزمة هم الباحثون عن تشتيت لجهود المجتمع بالاندماج والالتحام واستدراجه الى مزيد من السفسطة والجدال وادخال عناصر تقسيم جديدة على الرأي العام السوري ..ولايوجد هناك مبرر لاشهار السلاح القانوني ومعايير المواطنة ضد الدستور ..فالأمم الحية تكون عينها على الحياة وعلى المستقبل ..والشعوب التي تريد خوض مغامرات تفتعل أزمات التفسيرات وتتشبث بالقشور في زمن خاطئ ..

وقد قال افلاطون: لاتثبط عزيمة أحد يحقق تقدما متواصلا ..وان كان بطيئا ..والرجل الصالح هو الذي يحتمل الأذي ولكن لايرتكبه

هل ستصوت على الدستور بنعم أم لا ...الجواب ...نعم







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز