نمير سعد
numair67@yahoo.com
Blog Contributor since:
18 September 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
لمن النصر في سوريا ..لإغتيال العقول أم للكنانة الإلهية ؟

إن حتمية التغيير في مجتمعٍ ما تنبع وتتأتى من تطور وإرتقاء النخب الثقافية وبعض القيادات السياسية ، هذه النخب التي تستوعب عادةً الحاجة للتطور و تقوم بإستقراء ضرورات التغيير الإيجابي ، أي التغيير نحو الأفضل فيما خص الأفراد والمجتمع ككل وكيان الدولة بكل مكوناتها ومقوماتها ، وليس التغيير نحو الأسوأ كما هو واقع الحال الآن في سوريا ، إذ يفترض بهذه النخب أن تقود في مراحل التغيير القواعد الشعبية التي تسير هي الأخرى على هديها لقناعتها وايمانها بأفكارها ومعتقداتها ورجاحة نظرتها وموقفها 

 وأما إن كانت النخب المنبثقة عن المعارضات السورية بأشكالها الثقافية والسياسية والدينية، والتي كان أهم أبطالها "رجالات المراكز القيادية الثورجية " من مجالس إستنبولية وهيئات تنسيقية وتنسيقيات ، إن كانت هذه الزمرة فاسدةً ينخر السوس عظامها ، وتأكل الجراثيم عقولها ، وتدب الحشرات السامة بين جنباتها التي باتت تربةً خصبة للعفن والتعفن، إن كانت تلك النخب مصابة في أدمغتها بحالة فريدة من سيطرة الأنا على أشخاصها ومن الكيدية والثأرية والتحجر والعناد ، وشخصنة التغيير ومراحله واهدافه وغاياته حتى أصبح التغيير والتطور في نظر أولئك يخضع لمعايير الربح الشخصي والخسارة الشخصية ، وتناسي مصلحة المجتمع والوطن ....

عندها تحل الكارثة التي تحل الآن بسوريا ، والتي هي في واقع الأمر ليست ناجمة عن تخلف بعض شرائح المجتمع السوري وافراده وحسب وانما قادت لها وغذتها وشجعتها وحقنتها بالمنشطات تلك النخب الثقافية والسياسية والدينية الفاسدة .. . إن كان من أهم قيادات تلك النخب برهان غليون صاحب كتاب "إغتيال العقل " المنهمك وصحبه هذه الأيام في عملية إغتيال العقول السورية عبر تحولهم إلى رصاصاتٍ وجهت لعقول السوريين ، و قد نجحوا مع البعض بشل إرادتهم وتسييرهم كالقطعان خلفهم لكن ربما من المفيد لهم أن يعلموا انهم فشلوا أمام عقول وإرادة الغالبية العظمى من ابناء سوريا الأبية 

 إن كانت تلك النخب تقاد برعاية عزمي بشارة الذي ما زال يمثل لهم رغم افتضاح أمر عمالته مفكراً فذاً وعبقرياً فريداً وما زال رموز المعارضات يتعاملون معه من منطلق المثل الأعلى والقدوة الحسنة والمنظر والمناظر والمفكر والمخطط والمحدد للأولويات والمنسق للقادم من الخطوات ، ولن ننسى بسمة قضماني بعد الفيديو الذي إنتشر لها مؤخراً وسط مجموعة من " المثقفين اليهود " كانت تبدو كمن هو ملزم بإيفاء دين أو رد معروف أو جميل قدم له على مر السنوات الماضية وكيف لا ..وقد تم احتضانها من قبل مؤسسات وهيئات معروفةٌ خلفياتها ويقال أنها صهيونية بإمتياز ، ولاحقاً عبر تسليمها منصب الناطقة بإسم المجلس الاسطنبولي اللاوطني بقرارٍ مشترك أعرابي غربي تركي ، ومشورةٍ كان لا بد لها أن تكون صهيونية ... . وما كان لافتاً في الأزمة التي تعاني منها سوريا الحضور القوي والأكثر تأثيراً وفاعلية للعامل الديني الفتنوي الذي كان معظم السوريون قد ظنوا أنهم قد تجاوزوه و أنه بات من الماضي 

 كان واضحاً أن هذا العامل الخطير و البالغ السمية والدمار والذي وصل حيث أراد له أصحابه أن يصل إلى حد القتل والذبح إستناداً إلى الحجة الدينية الفتنوية وإتباعاً للفتاوى الطائفية لمفتيي " الثورة السورية " كالقرضاوي والعرعور وغيرهما ، من الذين يسألهم السوريون اليوم : أليس الإسلام شريعة ومعتقدات وأخلاق وسلوك وآداب ، أين هو والحالة هذه إسلامكم من كل ما نراه ونسمعه من أتباع فتاويكم ؟ نعترف لكم انكم الجماعة التي كان لها الدور الأساس في إيقاظ مارد الطائفية من سباته وإشعال بركانه الخامد ، هذا المارد القبيح الذي يحاول الإنقضاض على السوريين وعلى المجتمع السوري ومن خلالهما على سوريا المكانة والدور والحضارة والسلم الأهلي والتعايش السلمي ، مدفوعاً ومتأثراً بالجرعات الهائلة من حبوب الهلوسة التي قدمتها له أكثر من مجموعة ، فكانت مجموعة الإعلام الديني والدين السياسي المتمثلة بالمفتنين من رجالات الدين القابعين فوق الرمال العائمة على بحيرات النفط والغاز ، وكانت الجزيرة والعربية أداتا الصهيونية وأكبر مثال للإعلام إن أراد أو أريد له أي يكون فاجراً ، وكانت أبواق هاتين الأداتين في حالة إستفنار قصوى و بات حضورهم اليومي من خلال شاشات الإعلام المأجور حدثاً مملاً للبعض ومقرفاً للبعض الآخر ، وقد واكبتهم مجموعة أصحاب الأقلام التي تستخدم الدم السوري حبراً ، وتتملق وتتذلف لكل من لبس العباءة و إنتعل في مؤتمرات جامعته الشحاطة أو الشاروخ أو في أحسن الأحوال ..الصندل ... .

 وبفعل هذه المؤثرات جميعها أصبح الرابط الأهم والأوحد "عند البعض" هو الإنتماء الديني حتى بات هذا الإنتماء بحالته المغرقة في السلبية يهدد بتهميش ومحو كل إنتماء إنساني وحضاري ومجتمعي بما يعنيه هذا من إنفضاض الفرد من أي إلتزام أخلاقي و عرفي وسلوكي وقانوني ، تلك كانت المصيبة التي حلت على مجتمعنا السوري ، لكن المصيبة الأكبر كانت أن النخب الإجتماعية والثقافية والسياسية والدينية تحديداً للمعارضات السورية ..ساهمت وعن قصد في معظم الأحيان في إذكاء هذا التسونامي من الأنا عند جمهورها باتخاذها المواقف المتعنتة الرافضة لكل الحلول السلمية ولأي حوار وذلك تنفيذاً للدور المرسوم لها و للأجندة المرسومة للمنطقة ولسورية ، حتى بات الأمر يهدد كيان ووجود الدولة السورية ، فكانت ظاهرة عدم الإكتراث بما يحل بالبلاد من خراب ودمار وما يتهدد سوريا من مخاطر "عند البعض" ، وكانت ظاهرة الإسهام في كل ما سبق عند البعض الآخر ، وطغت المصلحة الشخصية على مصلحة الوطن ، ... .

وهنا لابد من الحديث عن الخطر الأعتى في عمر الأزمة السورية الذي كان ولا يزال إختلال هيبة الدولة في غير منطقة ومدينة وبلدة وقريه ، هذه الهيبة التي تشكل الحجر الأساس لإستقرار أي بلد أو وطن على مساحة المعمورة ، وقد يحتج البعض هنا منتقداً ويقول أن الأوان قد آن كي نتخلص من هذه التهمة التي لطالما إعتقل على اساسها البعض ، سوف أقول لهذا المحتج بدوري أن الوقت الأن ليس وقت إستحضار مواقف أو ممارسات من قبل القيادات الأمنية في زمن سابق ومرحلة مضت ولسنا الآن في وارد إعطاء الشرعية أو عدم الشرعية لتلك المواقف ، لكننا ولأنناً في عين العاصفة وقلب الإعصار نجد أن أوان العتب على ما كان ...يمكن له أن يؤجل إلى ما بعد الوصول إلى حالة من التفاهم والإستقرار على الأرض السورية ، وأن ما يستهدف سوريا هو أخطر من أن يسمح لنا الآن الدخول في مماحكات ومهاترات لن تجني ولن تغير من وقع المأساة ..... .

فنحن إن أخذنا بعين الإعتبار أن شريحةً ما بغض النظر عن حجمها الذي يختلف بإختلاف البلدان والمجتمعات ،،، لديها الإستعداد الفطري والتربوي والأخلاقي لممارسة الأفعال التي تعتبر حسب كل الأعراف والدساتير والقوانين الوضعية أفعالاً تتراوح بين المخالفة الصريحة لتلك القوانين وبين الجنح والجرائم التي رسم وخطط لسوريا بكل مقوماتها الحضارية والمجتمعية والإقتصادية والعسكرية أن ترتكب على أرضها ، وكان غياب الدولة قانونياً وجزائياً عبر المراكز الأمنية ومخافر الشرطة في بعض المناطق قد ساهم في إيقاظ وتغذية وتفاقم ذلك الإستعداد الفطري لدى تلك الشريحة الجاهزة لإرتكاب الأخطاء بسبب إنتفاء الوازع الأخلاقي لديها من الأساس ، ولإختفاء الوازع المتمثل "بالعقاب " فلا خشية من الملاحقة الجزائية لما يقوم اصحابها به في كثيرٍ من الحالات ، وغني عن القول أن ممارسات هذه الفئة زلزلت في بعض الأماكن هيبة الدولة ، بدءًا بمن قام بإحتكار بعض السلع الضرورية أو رفع اسعارها ، ومن ضارب بالعملة ، وصولاً إلى من إمتنع عن الإيفاء بإلتزاماته تجاه خزينة الدولة عبر الإمتناع عن دفع فواتير الماء والكهرباء والهاتف ، أو الإمتناع عن تسديد الاقساط المترتبة إزاء قرضٍ مصرفي أو عملية شراء قام بها ، وإنتهاءً بمن أقدم على التخريب والقتل واستهداف ماهو عند السوريين قدس أقداسهم والخط الأحمر والحصن المنيع ألا وهو الجيش السوري ، مدفوعاً بحالة غريزية قطيعية ومتأثراً بجرعات الهلوسة الطائفية وبكذب شعاراتٍ ثورية لم ولن تخدم سوى من إختلقها وألفها من وراء الحدود السورية لغاياتٍ باتت معروفة للجميع.. .

 تلك الأعمال الجرمية مجتمعة أدت إلى إحداث هزة عميقة في كيان الدولة كمؤسسات خدمية وإقتصادية لن يصار إلى تجاوزها ما لم يصار أولاً إلى وضع حدٍ لمن قام ويقوم بتلك الممارسات ، وهي التي أدت في ذات الوقت إلى إحداث هزة أكبر وشرخ أعمق في التركيبة الأخلاقية لفئة من المجتمع السوري حين قام ذاك الإستعداد الفطري الغريزي القطيعي لدى هذه الفئة بصعق وصرع كل وازع أخلاقي ، وإن كنت ما زلت أؤمن أنه لم يردى قتيلاً بعد إلا عند القلة القليلة ممن ارتكبوا فظائع الخطف والإغتصاب والقتل والتمثيل بالجثث ، فتلك فئةٌ لا ولن ينفع معها إلا المثل القائل " آخر الدواء ..الكي " .. .

 إن الحرب الدائرة على سوريا بشقيها الخارجي والداخلي عبر الخارجي انما ترمي في المقام الأول إلى تقويض وحده سوريا كأرض ، ووحدة شعبها وتعايشه ، أكثر مما ترمي إلى إسقاط نظام أو قيادة ، هذه حقيقة باتت ترى في أحلك الليالي ظلمة ، وتقرأ حتى من الأميين و تستنشق مع الهواء ، وتتغلغل في خلايا الجسد ، وتشغل مساحات العقل ، باتت حقيقة لجرمٍ إعترف به كل من شارك فيه في السر و في العلن ، إعترافاً صريحاً أو ملتوياً ، بقي أن يعيه في سوريا هذا البعض الذي تحدثنا عنه و أن يعترف بوجوده .... .

 من الواجب ختاماً أن نذكر أن تلك الحالة من العته و التيه وفقدان البوصلة والتشتت انما تعني أقلية من المجتمع السوري ، وأن الأغلبية الساحقة هي لحسن الحظ بعيدة عن كل ما سبق من توصيفات ، ولولا هذه الأغلبية المنحازة لمصلحة الوطن السوري والمحافظة على الإرث السوري الأخلاقي والحضاري ، والتي رفضت الإنجرار وراء الدعوات المغرضة الآتية دوماً من خارج الحدود ، لكان الحال وصل إلى منزلقٍ أخطر ، هذه المجموعة البشرية المتفردة بأصالتها والفخورة بإنتمائها لهذه الأرض المباركة ، والتي قدمت الدم والروح للحفاظ عليها وصونها . أخيراً .. لأرواح شهدائنا أن تزهو وتحلق في فضاءات سوريا شموخاً ، ولرفات أبائنا وأجدادنا حتى آلاف السنين قدماً في عجلة الزمن أن ترقد بسلام ، سلامٌ تمنحه الحقيقة ويمنحه النصر القادم و يمنحه التاريخ وتمنحه الأقدار التي كان لها دوماً الكلمة الفصل في ماضي هذه الأمة والتي سيكون لها ذات الكلمة في حاضر ومستقبل هذه الأرض وهذا الشعب ، ولم يكن ذلك بمعزل عن رعاية خاصة يؤمن كثير من السوريين أنها إلهية ، أنها إلهية...لأنها أرض كنانة الله







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز