احمد قرداغي
sherdlmk@gmail.com
Blog Contributor since:
01 June 2011

 More articles 


Arab Times Blogs
دور الهجرة في رسم لوحة التأريخ البشري

ان (الهجرات) لها دورهام جدا في رسم تأريخ البشرية وفي صنع التغييرات الكبرى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وان اهمية ذلك الدور قد لا تقل عن اهمية دور العامل الرئيسي الآخر المسؤول عن حدوث التغييرات التأريخية العظمى واعني بها (الحروب) . واورد هنا امثلة من الهجرات الجماعية المؤثرة في تاريخ البشرية ومنها هجرة اليهود من مصر الى فلسطين مع النبي موسى (عليه السلام) وهي المعروفة توراتيا وتأريخيا بالخروج (Exodus). وتلك الهجرة لا تزال تأثيراتها مستمرة الى يومنا هذا، وذلك من خلال الدور الكبير لليهود واسرائيل على مسرح الأحداث العالمية (سياسيا واقتصاديا واعلاميا). ومن تلك الهجرات التأريخية المؤثرة اذكر هجرة (الآريين) من القارة الأوروبية الى آسيا (افغانستان والهند وايران )، وتلك هجرة تمت على شكل موجات متتابعة امتدت لمئات السنين. وهناك هجرة العرب من شبه الجزيرة العربية وانتشارهم في منطقة الهلال الخصيب (العراق والشام ) ومصر والسودان وشمال افريقيا، وقد ادت تلك الهجرة الى حدوث تغييرات ثيولوجية وديموغرافية كبيرة جدا في تلك المناطق الشاسعة التي استوطنها المهاجرون.

 ومن الهجرات التأريخية المهمة هجرة الأتراك من موطنهم الأصلي في آسيا الوسطى وانتشارهم في مناطق الاناضول وبلاد بيزنطة وتأسيسهم للامبراطورية العثمانية التي حكمت لزمن طويل اجزاءا شاسعة من آسيا واوروبا وافريقيا. وفي التأريخ غير البعيد هنالك هجرة الأوروبيين (الأنكليز والفرنسيين بصورة خاصة) الى القارة الأمريكية الشمالية وقد ادت تلك الهجرة التي امتدت على مدى سنوات كثيرة الى تأسيس دولة الولايات المتحدة الامريكية (والتي هي الآن اعظم قوة سياسية واقتصادية وعلمية في العالم كله)، وكذلك ادت الى تأسيس دولة اخرى على مساحة شاسعة من شمال القارة هي التي تسمى (كندا). واما القارة الامريكية الجنوبية وكذلك ما يسمى الآن بامريكا الوسطى والمكسيك (وهي مناطق تتبع القارة الشمالية جغرافيا)، فقد كانت محط رحال المهاجرين من اسبانيا ومن البرتغال وقد استحدثت هناك دول عديدة تعرف الآن بدول امريكا اللاتينة واللغة السائدة فيها جميعاهي الاسبانية (ماعدا البرازيل حيث تسود هناك اللغة البرتغالية). تلك بعض من الهجرات الجماعية التأريخية الأكثر اهمية من غيرها.....

والآن لأتحدث قليلا عن بعض الهجرات الفردية المميزة والتي تركت علامات واضحة على صفحات التأريخ لا يمكن ان تنمحي، واهم تلك الهجرات الفردية وبشكل محدد هي (هجرات الأنبياء). ولأبدأ من هجرة نوح (عليه السلام) عند حدوث الطوفان، وهي من اعظم الهجرات التي انقذت البشرية من الفناء وحافظت على تواصل الحياة واستمراريتها على وجه الأرض. وبعد ذلك تأتي هجرة ابراهيم (عليه السلام) الى فلسطين لتشكل علامة فارقة في تأريخ تدرج الأديان السماوية حيث تبلورت فيما بعد تباعا في اليهودية والمسيحية والاسلام (وهي الديانات السماوية الرئيسية السائدة في العالم الى يومنا هذا).

 وهناك هجرة يعقوب (عليه السلام) وابنائه الى مصر، وقد تسببت تلك الهجرة وبمرور الزمن في ايجاد ما يمكن ان نعتبره جالية (اثنية- دينية) تدعى (بني اسرائيل) وهي جالية كانت تتعرض الى الاستعباد والاضطهاد من فراعنة مصر. وقد انقذ موسى (عليه السلام) ابناء تلك الجالية (وبعد ان شهدوا سنوات مديدة ومريرة من العذاب والذل) وأعادهم الى فلسطين، وكما ذكرت في البداية. وضمن هذه الهجرات المتتالية للأنبياء تأتي الهجرة الخاتمة والتي هي لخاتم الأنبياء محمد (عليه الصلاة والسلام) كحدث من اعظم احداث تأريخ الانسانية.

 ان هجرته من مكة الى المدينة (وما تبعها من نتائج متلاحقة وسريعة) لا تزال آثارها مستمرة بقوة وفاعلية الى يومنا هذا. فلقد تحول الاسلام الى دين مهيمن على رقعة جغرافية واسعة جدا من العالم بحيث يزيد عدد اتباعها حاليا عن مليار وربع المليار من البشر، (وهي ان لم تكن حاليا الديانة الأولى في العالم من حيث عدد الأتباع، فانها وعما قريب ستصبح الديانة الأولى وذلك بسبب نسبة الزيادة السكانية المرتفعة في المجتمعات الاسلامية). وفي العصر الحديث ورغم ان الظروف المادية للهجرة والتنقل اصبحت اسهل بكثير عما كانت عليه في الماضي وذلك بسبب التطور الهائل والمستمر لوسائط النقل والسفر، الا انه مع ذلك اصبحت الهجرة اصعب بكثير لأن الحدود السياسية الفاصلة بين الدول المختلفة مراقبة بدقة ومحصنة بحيث اصبحت تلك الحدود الآن (وكذلك منافذ السفر كالموانيء والمطارات) حواجز منيعة وعصية يصعب اختراقها (وبالأخص فيما يتعلق بحالات الهجرة الجماعية). وبالاضافة الى ذلك فان القيود والضوابط المتعلقة بالاقامة والتجنس وممارسة العمل في الدول التي يقصدها المهاجرون هي موانع قوية ورادعة بوجه المهاجرين، وفي ظل وجود تلك القيود والضوابط التي تشتد يوما بعد يوم تصبح الهجرة حلما عسير التحقق ومغامرة محفوفة بالمخاطر.

 ومع ذلك فقد هاجر أناس كثيرون (افرادا وجماعات) من بلدان الشرق الأوسط وافريقيا الى اوروبا وامريكا الشمالية (وبنسبة قليلة الى استراليا) وذلك في النصف الثاني من القرن الماضي وفي العقد الأول من القرن الحالي، ولينضموا الى مهاجرين سابقين كانوا موجودين في تلك البلدان منذ اوائل القرن الماضي. وقد بلغت تلك الهجرة الحديثة اوج زخمها في العقدين الأخيرين من القرن الماضي. وهذه الهجرة الأخيرة قد احدثت وبكل تأكيد تأثيرات في مجتمعات الدول التي قصدها المهاجرون بأعداد غفيرة (وبصورة خاصة الدول الغربية الاوروبية). وستكون لهذه الهجرة الحديثة (والتي لا تزال مستمرة وان تكن بوتيرة ابطأ) تـأثيرات تراكمية وبعيدة المدى، ولكن مع ذلك كله لا يمكن التكهن بأبعاد تلك التأثيرات وطبيعتها بشكل تفصيلي ودقيق (على الأقل في الوقت الراهن).







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز