حميد آل جويبر
IRAHAMID@GMAIL.COM
Blog Contributor since:
06 January 2012

 More articles 


Arab Times Blogs
العراق وربيع العرب في الاخبار

منذ عام الفين وثلاثة جمعتني محاسن الصدف بنخبة مميزة من الاعلاميين العرب تقاطروا على الولايات المتحدة بحثا عن الرزق واثبات الذات وشق عباب الحياة . بدءاً من المشرق العربي ، كان فيهم القطري واليمني والكويتي والبحريني واللبناني والاردني والسوري والمصري والتونسي والجزائري والمغربي والموريتاني وطبعا من "لهجتي" واضح انا عراقي !! هذا لا يعني ان كل بلد كان ممثلا بشخص واحد ، حيث ان احدى الجنسيات كانت طاغية لفترة من الفترات ثم غلبت عليها اخرى وهكذا ، وهذا لا يعني موضوع المقال في شيء .

 الكل يعلم ان عام الفين وثلاثة كان عام الحدث الاكبر في منطقة الشرق الاوسط حيث اجهزت القوات الاميركية على انفاس البعث الصامد جدا في العراق وازاحته من الخارطة رغم وجود بعض نفاياته حتى اليوم وهي في النزع الاخير . ذلك العام المفصلي ، وما تلته من اعوام عجفاوات بفضل مفخخات الامة العربية الجهادية الواحدة ، جعل الخبر العراقي يتصدر نشرات اخبارنا الحمراء والتي تبث بلا انقطاع كلما اشارت العقارب المُسالمة الى راس الساعة او نصفها . فالـ "الهيد لاين الاول " من النادر ان لا يكون مفخخا بتفجير في العراق ، والفارق فقط هو في عدد الضحايا من نساء واطفال وشيوخ . فاذا كان اكثر من انتحاري مدعوا على مأدبة عشاء فاخرة في الجنة ، فان الارض ستحترق تحت اقدام العراقيين ، اما اذا كانت الدعوة على كاسة شاي او كوب قهوة فان الامر لا يتطلب عملا جهاديا "فرست كلاس" .

 وكنا نبدأ الخبر بسقوط قتيلين وخمسة جرحى وينتهي الامر بنا مع نهاية الدوام الى وضع عدد من الاصفار امام الارقام المذكورة معتمدين الارقام الاكثر تفاؤلا في وكالات الانباء . واقولها لوجه الحق ان علامات الاستياء والاستنكار كانت تتبدى جلية على ملامح زملائنا الكرام من مُعد خبر الى بروديوسر الى كاميرا مان الى مذيع مع كل انفجار . وقد يبلغ الاستياء احيانا انْ نـُوخَزَ - نحن العراقيين - بين الحين والاخر بالخاصرة بعبارة مثل : "انظروا ثمن اسقاط صدام " أو " هل اكتشفتم الآن كيف كان الرئيس صمام امن العراق ".

وكنا في الكثير من الاحيان نغض النظر عن هذه الوخزات مبررين ذلك بان" قومي لا يعلمون" وندعو لهم بالمغفرة . ولان مجاهدي امس نزلاء جنتهم المستعرة اليوم ، كانوا يعشقون التنقل في مدن العراق لاقامة حفلات الشواء الآدمي على اراضيه ، فكنتُ لا يكاد يمر عليّ يوم الا واُسال من قِبل الزملاء عن تلفظ اسم المدينة الضحية او موقعها الجغرافي او تابعيتها الادارية . ثم كرّت السنوات على هذا المنوال كان العراقيون خلالها يدفعون ثمن غياب "بطل التحرير القومي" عن امرتهم وضمان امنهم . ومع بدء تراجع دراماتيكي طرأ على وتيرة العمليات الجهادية فسّرتُهُ شخصيا على انه امتلاء مطاعم الجنة باشقائنا الجهاديين ، انتبهت لنفسي وانا اسال زميل تونسي من مدينة "جربة" عن كيفية تلفظ اسم البطل الذي اوقد فتيل الثورة التونسية الكبرى .

 اقول بطل لانه لم يفجر مفخخة وسط سوق شعبية لاسقاط بن علي انما أحرق اعز ما لديه نفسه العزيزة ليضيء بنارها طريق القادمين، وطبعا الجود بالنفس اقصى غاية الجود . ارجو الا يفهم من السياق انني اشجع على الانتحار . ابدا لا شيء عندي يبرر الانتحار، ليس بدوافع دينية انما لموقف انساني يتواءم تماما مع العقل والشرع . وبسرعة وجدنا انفسنا نسأل زملاءنا المصريين - وما زلنا - عن اسماء مدن وقصبات واماكن في بلادهم سيقط فيها ضحايا. ولم نعانِ كثيرا من الاسماء المصرية لان "الاحتلال الغاشم" للمسلسلات والافلام المصرية لمخادعنا المنزلية ، هيأنا تماما لهذه اليوم وسهل علينا اداء المهمة الا ما ندر .

 خِفّة معاناتنا من الاسماء المصرية ، عوّض عنها اليمن الذي لم اره سعيدا منذ وعيت الا في الكتب والقصائد. وقد استعنّا بزميلنا اليمني الوحيد في فك رموز أسماء بعض الاشخاص والمناطق التي كانت تتساقط فيها الضحايا بالمجان ، الى ان غادرنا الزميل وعلي عبد الله صالح يمارس هوايته المفضلة في قتل شعبه ، ولا غرابة في ذلك فقد درس العلوم العسكرية في العراق اثناء حكم البعث . وفي غياب زميلنا الصنعائي المفاجيء ، استعنا بخبرة بعض الضيوف اليمنيين الذين كانت تستقبلهم المحطة مباشرة على الهواء كمحللين استراتيجيين .

 ثم انتقل التململ للمغرب فاستعنا بزملائنا المغاربة عليهم السلام ، والجزائر كانت حاضرة في هذا الخضم بشكل خفيف ، حينها كانت ليبيا تغلي على مرجل ، اسعفنا في تلفظ وكتابة اسماء مدنها الغريبة بعض الشيء الاخوة التوانسة أو من استجار برمضاء هذا البلد من نار العراق في زمن العوجة. وفيما كان الخناق يضيق على ملك ملوك افريقيا ابي سيف القذافي ، كان الاخوة السوريون يتبادلون نكتة تعكس بطش نظام البعث في بلدهم . فالبعثُ بعثٌ وان طوقته ذهبا، لا يغيره زمان او مكان . تقول النكتة باختصار مرير ان سوريين احتجوا في شوارع دمشق فاحرقوا تونسيا ، تأسيا ببو عزيزي !!! وطفقتِ الاسئلة تنهال مستفسرة عن المدن السورية وموقع غوغل شغال على داير الساعة كما يقال، ولم تخدمني اقامتي لسنتين في سورية الا بالقليل القليل . حيث اتذكر درعا والقابون وريف دمشق والقامشلي "وأبوك الله يرحمه" كما يقول العراقيون .

 في غضون ذلك كانت اسئلة تثار بين الحين والاخر عن مناطق في البحرين . وكان دوار اللؤلؤة يتصدر الاخبار الى ان ازاحته سلطات المنامة بارادة القوات السعودية التي كانت تقود بشجاعة فائقة ابطال درع الجزيرة الميامين جدا، فتمكنتْ بحنكتها الامنية المعهودة من تشتيت الاحتجاجات الشعبية وامتصاص زخمها الى حد كبير، بعد ان كانت متمركزة وسط العاصمة تضغط عن كثب على رأس الشيخ ابن الشيخ حفيد الشيخ كما يقول النواب امد الله في عمره.

 لم اتطرق لموضوع السودان لان انفصال جنوبه تم بطريقة حضارية جدا ساعد على ذلك اختباء الرئيس عمر حسن البشير في العاصمة الخرطوم لانه كان ومازال مطلوبا للمحكمة الجنائية الدولية ، ولم يكن هو في وارد المخاطرة براسه من اجل المحافظة على وحدة بلده الغني الذي سامه الخسف و الاذلال . واستثنيت الكويت ايضا رغم ملفها الساخن لانه ليس من الانصاف مقارنة ما يجري في هذا البلد بدول عربية اخرى غارقة في البؤس . فالصحافة الكويتية تتمتع بهامش كبير من الحريات قد يرقى الى ما هو في لبنان احيانا، كما ان البرلمان الكويتي "مجلس الامة" يعد واحدا من اهم مؤسسات الديموقراطية في البلدان العربية وربما اعرقها . وكلا البلدين واعني السودان والكويت لم تنزلق فيهما الاوضاع الامنية ما يستدعي الاستعانة بمن يفك لنا رموز اسماء المناطق ، فضلا عن ذلك فان الكويت بسبب صغر حجمها وقربها من العراق لم تكن اسماء مدنها او مسؤوليها غريبة عنا .

 بقيت مملكة النفط المغلقة حد اللعنة ، فقد اسدى لنا "طويل العمر" العاهل السعودي الكثير من الفضل ووفر علينا المزيد من المعاناة عندما فتح في ذروة اشتعالات "الربيع العربي" ثقبا في خزائن الأسرة الحاكمة فتسرب منه - بين ليلة وضحاها - اكثر من سبعين مليار دولار عدا ونقدا ، دولار ينطح دولار ، فامتلأت جيوب الشعب السعودي بسلف الزواج والقروض العقارية وقطع التراضي عفوا الاراضي وزيادة الرواتب والعلاوات وبدلات البطالة ، فاستطاع ان يبعدنا "طويل العمر" هذا ولو الى حين عن السؤال عن اسلوب التلفظ الصحيح للمدن والقرى السعودية خاصة النائية منها في المنطقة الشرقية ، التي يعشعش فيها "الرفض" والفقر والجوع والاستياء من الاسرة المالكة. هكذا دارت دوائر ودالت دول وتاخر العراق عن الـ "هيد لاين" بعيدا بعد ان كان في الصدارة ، وقد تاتي ايام لا يذكر اسمه في خبر ، واشعر بـِقرّةٍ في عيني عندما تمر ايام متتالية دون ان يسالني احد الزملاء : دخلك ، شو هيه المنطئة يلي حدس فيها تفجير كربله اليوم ؟ حينها تتقافز امام عيني اسماء ابالسة الجهاد الزرقاويين الذين اكتشفوا - بعد لأي - ان موائدهم الموعودة تزخر بالحميم والغساق بدلا من كؤوس الخمر واللبن ، يعني باعوهم "تبر واعطوهم تبن" … ذق انك انت العزيز الكريم







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز