د. محمود لطيف البطل
Mahmoud@list.ru
Blog Contributor since:
05 November 2011

 More articles 


Arab Times Blogs
سيسدل الستار

يعج المسرح بالحضور ويتابع الجميع بشغف وانشداد ما يجري على خشبته من أحداث، حيث يواجه عدد كبير من الأقزام ماردا وسيما، بهدف إيقاعه في شباك أعدت خصيصاً لإهانته أول،اً ومن ثم لتقطيعه بسواطير يلوحون بها في وجهه. يهجم الأقزام جميعا على قدم المارد ويعملون بها بسواطيرهم، يطلق المارد صرخة عظيمة تهتز لها أركان المسرح، يتبعثر الأقزام راكضين متعثرين ببعضهم البعض محاولين جاهدين النجاة بأنفسهم من غضب المارد، بينما راحت الدماء تنزف من قدمه حمراء ناصعة يحلق انعكاسها في فضاء المسرح راسما صوراً لبراري وسهول وبحر وجداول وهامات ممشوقة تخط التاريخ ومدن أول الإنسان، وكتب أول الإنسان، وحضارة أول الإنسان.

 من بين الألوان والصور المعكوسة خرج السومريون حاملين أول الحروف للبشرية، وجاء حمورابي يحمل لها أول تشريع، وجاء آشور ليشق الأخاديد لجداول الكرامة في أرض أول نور "من يشرب من مياهك ياأرض حماه الرب، وعدوك ياأرض بأبناءك مهزوم" ، وجاءت زنوبيا، الملكة اليعربية لتشرب من الجداول، وتلبس الكرامة وتأمر الجيوش بفرسانها البواسل لصد المعتدين وحماية العرين "الوطن والعروبة- سورية والعروبة، على المدى توئمان" ....وتخرج حمص ببهائها الفسيح، بضريح فارس العرب والمسلمين جميعاً والقائد الذي لم تعرفه موقعة إلا وانتصر فيها رفعة للحق وإعلاء لكلمته، القائد الذي سماه الرسول-صلى الله عليه وسلم- سيف الله المسلول، لشجاعته وبسالته ورجولته وتفانيه في إعلاء كلمة الله، القائد الذي قال: والله ..مافي جسدي شبر إلا وفيه طعنة رمح أو ضربة سيف، وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء.... وتخرج حلب في أجمل فستان، مزدانة بسيف بني حمدان، ترد عن الأمة الخطر والعدوان...

وتخرج دمشق بجامعها الأموي الذي كان بآذانه يوحد كل أركان الخلافة الإسلامية من المحيط إلى الخليج، إلى الأناضول إلى إيران وآسيا الوسطى والصين...تخرج دمشق بضريح القائد صلاح الدين الأيوبي الذي حرر القدس من الصليبيين، والذي وحد العرب والمسلمين ضد الغازين القادمين من غياهب القرون....ينشده المتفرجون متابعين مايجري على خشبة المسرح وذلك الإنعكاس التاريخي لتسلسل الأحداث على جسد ذلك العملاق، الذي مازال منتصبا بشموخ رغم الآلام التي تركتها ضربات الأقزام.... وبينما يقف المارد ويختبئ الأقزام، خرجت من انحاء مختلفة لخشبة المسرح جرذان الليل بلونها الأسود وأسنانها الحادة، وشوهد الأقزام وهم يطلقونها من الأقفاص الكثيرة باتجاه المارد...

آلاف الجرذان بأحجام مختلفة، ولكنها كلها سوداء بلون الليل، تهجم على المارد من كل الإتجاهات، مشرعة قواطعها الحادة كالسكاكين....يضربها المارد بأقدامه، فيدعس بعضها ويتناثر آخر ويفر قسم ويتراجع آخر، يظهر الأقزام فزعين دافعين الجرذان للكر من جديد، مهددينهم بالكي والحديد، أو واعدينهم بالعيد بعد النصر، بعد قتل المارد أو إيقاعه بالأسر.

 ينقسم المشاهدون بين مؤيد للأقزام، بالدعم والجرذان، ومؤيد للمارد. يطلب الذين يؤيدون عملية الأقزام بتقطيع المارد إلى خمسة أجزاء، ويعترفون بأنهم هم الذين بادروا للنيل من عملاق يحجب الآفاق عن كيدهم ويعيق مد شرهم، وأنهم هم من سلح الجرذان بأنيابها القواطع، وأنهم في وارد زيادة الضغوط على المارد العربي الصامد الأبي لإسقاطه وقتله وتقسيمه وتهشيمه، ليصير بعد ذلك تنصيب الأقزام على المكان، مكانه "عمالقة"....أما مؤيدوا المارد فقد أيدوا شموخه وعاهدوه أنهم سيدعمون صموده في كل وقت كان...

يسارع الأقزام لعقد الإجتماع وبحث المستجدات لتعزيز الإمكانيات بزيادة القوارض والخونة والرعاع.....يفشل الأقزام ويفشل الذين ظنوا بأن المارد سيرفع الراية البيضاء،"الجراح كثيبرة والدماء غزيرة ولكنه يقف عملاق، كالعملاق"، فما جند لحربه يكفي لهدم بلاد وهزيمة الجيوش المجهزة أحسن منه بالروح والعتاد. لكنه قد فات الذين يحاولون قتله، بأن له من الهامات ما يصنع التاريخ والنصر بعد النصر.....

النصر بعد النصر.. ويسدل الستار، سيسدل الستار. العار للاقزام، فجرذانهم تناثرت وتساقطت وتراجعت، والمارد انتصر...نهاية العمل، نهاية العمل..... الأقزام يهربون يجرجرون عارهم وحقدهم ونفطهم يسيل من أذيالهم، يسيل مع لعابهم، يجرجرون عارهم وعار من أدارهم. وأما عن جرذانهم، فجرذانهم تطايروا كأوراق في هباب، وتبعثروا مع الرياح أو لم يبقى منهم حي، وأسيادهم"البيض"، من هولهم، تقوقعوا، فالعالم الذي ظنوه أنه ملكهم يعيثون فيه فساد، ينقلب ضدهم...

سينقلب ضدهم..ضدهم. والآن.. سيبدأ النهار بعد أن طال غيابه عن أمة الأحرار، وتعود القدس حرة، والأقصى وفلسطين، ويهب الشعب كله لاسترجاع الأرض السليبة، وحماية الأعراض...حينما ينتصر المارد ويلوذ الأقزام بالفرار، سيسدل الستار....سيسدل الستار على مسلسل رهيب لليل والظلام، ليبدأ النهار والفجر للأحرار.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز