مولاي عبد الرحمان الفقيه
moulayabderrahmanelfaq@hotmail.com
Blog Contributor since:
10 February 2012



Arab Times Blogs
يا فقيه إذا لم يأذن لك أبوك في هذا الليل نظل وقوفا حتى الصباح؟

حكى الجاحظ قال "مررت على خربة فإذا بها معلم و هو ينبح نبيح الكلاب فوقفت انظر إليه و إذا بصبي قد خرج من دار فقبض عليه المعلم و جعل يلطمه و يسبه فقلت عرفني خبره. فقال هذا صبي لئيم يكره التعليم و يهرب و يدخل الدار ولا يخرج و له كلب يلعب به فإذا سمع صوتي ظن انه صوت الكلب فيخرج فامسكه"

 

    كم نحتاج من الوقت حتى نكتشف أن هذه القصة ليست مضحكة؟

 

    لقد دون الجاحظ هذه الواقع منذ مئات السنين. ووصلتنا ربما في أواخر القرن المنصرم . وفيما بين لحظ التدوين و لحظة التلقي يوجد التقصير و الإهمال. فالقصة في واقع الأمر تكشف عن صنف من المربين درجوا على استحسان مالا يرتاح له المنصف. وفي ما بين الخربة التي يتخفى فيها المعلم و الدار التي يدخلها الصبي يختلط البناء والهدم و تنقاد التربية للأمزجة التي تصفو مرة و تضطرب مرات. فإذا كان هذا هو المسلك فإلى أين المسير؟

    الجاحظ يحكي أن طفلا ينفر من المدرسة و المعلم يلجا كل مرة إلى خليط من الحيلة و اللطم و السب إزاء هذا السلوك. و هذه الممارسات لم تندرس قط بذهاب زمن الجاحظ و لعلها اليوم أكثر انتشارا مما كانت عليه.

    و قد لا يكون من الإنصاف في بعض الأحيان أن نحكم على وقائع مضت عليها قرون بمقاييس اليوم. و لكننا أوردنا هذا المثال لأنه يميط اللثام عن نوع من الممارسات لم تنقطع أبدا برغم اختلاف الزمان و المكان و الظروف و العقليات . و عليه ينبغي اخذ العبرة من هذه القصة. فالمسالة ليست ما سرده فلان أو علان و لكن المسالة هي تحكيم ما وقع على ميزان العقل لتفادي تكرار الأخطاء و الوقوف على أكثر السبل الناجعة إزاء ظروف مماثلة.

    هناك مجموعة من الأمور تدخل اليوم ضمن مباحث علم النفس التربوي. لماذا ينفر هذا الطفل من المدرسة؟ اغلب الظن انه ينفر من المدرس و ليس من المدرسة. ما الذي يجده في ذلك الكلب الصغير و لا يجده في المدرسة ؟ كيف يمكن أن نحول هروبه من المدرسة إلى إقبال على التعلم ؟ لماذا نجح المعلم في إخراجه من الدار بالحيلة عبر تقليد صوت الكلب ولم يفكر في حيلة أخرى تجعله يقبل على التعلم من تلقاء نفسه؟ - هنا بالضبط انتظرنا طويلا حتى جاء بافلوف و أجرى التجارب على الكلاب ليكتشف المهيجات و أنواع  الانعكاس- بأي حق يوصف طفل صغير باللؤم؟ كيف ستكون استجابة الطفل إزاء كل ذلك؟

    مثل هذه الأساليب و غيرها كثير إذا ما تم التطرق إليها في الأحاديث اليومية يكون ذلك من باب الطرفة و الفكاهة لا غير. و بواسطتها ننتج آلافا من معطوبي و جرحى التربية . و إن خفت هذه الاعطاب و لم تبد للعيان فان خراب البواطن أقسى من خراب الظواهر . و عندما تبلغ هذه الاعطاب ذروتها نسمي الأطفال الذين ألمت بهم فأعيتهم منحرفين . و الصحيح أننا نحن المنحرفون فالجذع الأعوج لا يستقيم ظله. و لا داعي لإلقاء اللوم كثيرا على الشارع فالشارع ما هو إلا تلك البيوت التي تصطف على جانبيه. لقد كان الفيلسوف نيتشه يقول بان الحقيقة أوهام نسينا أنها أوهام وفي هذه صدق. فإذا استوعبنا هذه النقطة أمكننا أن ندرك مكامن الخلل.

    لقد انطلق كثير من الناس في تنظيم العلاقات بين أفراد المجتمع و أفراد الأسرة الواحدة من أقوال غامضة تجردت من سياقها و أحيانا خاطئة و هذا ما ينتج أساليب يختلط فيها الإفساد بالإصلاح.

    تصفحت كتابا قديما فوجدت فيه كلاما لا يساوي الحبر الذي كتب به. يقول مؤلف ذلك الكتاب "...قال حكيم النساء شر كلهن و شر ما فيهن قلة الاستغناء عنهن. و قالت الحكماء لا تثق بامرأة و لا تغتر بمال وان كثر. و قال النساء حبائل الشيطان...المرأة العاقلة تعمر بيت زوجها و المرأة السفيهة تهدمه..." انتهى كلامه . و هل يوثق بالرجال ياصاح؟ و هل الرجال خير كلهم؟ و الرجل العاقل كذلك يعمر بيت زوجه و الرجل السفيه يهدمه.

    حكى لي صديق انه كان احد المعلمين في ما مضى يفتتح العام بقوله "من أراد أن يتعلم فليتعلم ومن لم يرد أن يتعلم فهذا ليس شأني" و أحيانا كان يتميز من الغيظ و يقول" انتم أبناء اليوم كسالى. عندما كنا نحن في مثل سنكم كنا نوابغ" .هكذا إذن أيها العلامة الفهامة يا فريد عصره و وحيد دهره تبرمجهم منذ هذه السن المبكرة على أنهم كسالى و تقنعهم بأنهم فاشلين. أنا اشك إذن في نباهتك و نجابتك المبكرة التي تحدثهم عنها.

    بهذه الطريقة يغطي الناس على فشلهم . قليل هم من يتحملون المسؤولية . إذا استيقظ احدهم متأخرا يلقي باللوم على النوم و إذا اخلف موعدا يتحجج بضيق الوقت. كثرة الشكوى و قلة العمل .

    استمعت ذات يوم إلى أحاديث غريبة جدا . كان هناك راكبان في سيارة الأجرة يتحسران على افتقاد أيام العصا في المدرسة و يشكوان من غيابها الآن. قلت في نفسي " أدمنتما العصا؟ أم هي في الواقع رغبة في العودة إلى الماضي ؟ ربما هي طفولة متأخرة أو بالأحرى طفولة مستدامة.كأن النمو الجسمي لم يواكبه نمو فكري . ما سر هذا التسبيح بحمد العصا؟ لدى بعض الناس قدرة عجيبة على قلب الحقائق . إذا كنتما تريدان العصا فلا بأس. أفكر في فتح محلات للتدليك و العلاج البديل بالعصا و سوف تكون تجربة رائدة و سوف أسجل الاختراع باسمي و يسعدني أن تكونا أول زبائني. بأي حق تعممون جهلكم على الآخرين؟"

    انه بدون العودة إلى الفطرة الصحيحة و الاستفادة من علوم التربية لوضع المربي في المسلك الصحيح لن نقدر على معالجة هذه الاختلالات .فالعلم الصحيح هو وحده المتمسك به و لنا في المنهج النبوي في التربية قدوة .و أما ما سوى ذلك فهو رهين بمسبباته و  دواعيه الزمنية و المكانية. وهنا يتجلى خطا من يقتفي كل ما قاله فلان أو علان و يضفي عليه العصمة و القداسة دون تمحيص . فالتوافق على الخطاء لا يجعله صوابا .

    إن الأسر بحاجة ماسة إلى التخطيط التربوي السليم فالإلمام الصحيح بمبادئ التربية هدف أساسي من شان تحققه أن يعصم من التفكك الأسري و كثير من الظواهر التي نستنكر وجودها في المجتمع.

   فالأطفال يتعلمون من خلال التجارب اليومية و غالبا ما يفشل فيها من لم يكتسبوا القدرات الصحيحة من وسط النشأة. و على الذين يضطلعون بمسؤولية التربية ألا يتقيدوا بالنظر من زاوية واحدة او يكتفوا بنظرية تعليمية واحدة دون النظريات الأخرى. لان حال كل طفل مختلفة و احتياجاته مختلفة عن احتياجات أقرانه. وهذه التعددية جزء مهم من التعلم . و يجب تشجيع الطفل على الوصول إلى أفكاره الخاصة و نسخته الخاصة من الحقيقة في إطار احتكاكه اليومي مع غيره من أفراد المجتمع. فنحن بحاجة إلى نوع من المتعلمين ينظرون في الأمور بعقولهم و ليس بعقول غيرهم. لقد تبدلت الأدوار و لم يعد المعلم هو المصدر الوحيد للمعلومة . و اختفى الحكيم الذي كان يعرف كل شيء او ربما لا شيء.

    و المربي الذي لا يضع نصب عينيه الاختلافات الفردية و اختلاف أوساط النشأة هو كمثل ذلك الإمام الذي قرأ" فلن ابرح الأرض حتى يأذن لي أبي" و وقف وجعل يرددها . فقال له أعرابي كان يصلي خلفه " يا فقيه إذا لم يأذن لك أبوك في هذا الليل نظل وقوفا حتى الصباح؟ ثم تركه و انصرف.






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز