صابر الغلبان
saber_alghalban@hotmail.co.uk
Blog Contributor since:
15 July 2008

 More articles 


Arab Times Blogs
لماذا يزور هنية طهران؟

 

وصل اسماعيل هنية رئيس وزراء حكومة حماس إلى طهران في ختام جولته الخارجية الثانية التي زار خلالها قطر والبحرين والكويت، ولقي استقبالاً حافلاً في تلك الدول. وكان هنية قد قام بجولة سابقة قبل فترة قليلة شملت السودان وتركيا وتونس مروراً بمصر التي لم تستقبله رسمياً.

وقد شملت جولته الأولى زيارة دول للتيارات الإسلامية مكانة بارزة في الحكم فيها مثل تونس وتركيا والسودان، الأمر الذي حقق أهدافاً عدة لصالح حركة حماس أهمها كسر العزلة السياسية المفروضة على حركة حماس بعد سقوط الأنظمة الديكتاتورية الفاسدة التي كانت تحكم تلك الدول حتى فترة قريبة، وخصوصاً النظام المصري الذي كان يكن أشد العداء لحركة حماس، والأمر الآخر هو إعطاء دعم معنوي على الأقل –إن لم يكن مادي- لحركة حماس التي واجهت صعوبات مالية في الفترة الأخيرة.

وإن كانت تلك الجولة مفهومة وناجحة بالنسبة لحركة حماس، فإن زيارة هنية الأخيرة لطهران تعتبر مثيرة للجدل من ناحية أهدافها وتوقيتها، وأعتقد أن أضرارها على صعيد الحركة والشعب الفلسطيني بشكل عام أكثر من نفعها، علماً أن هنية قام بزيارة طهران قبل سنوات في توقيت وظروف مغايرة تماماً لما هو عليه الوضع اليوم.

إن حركة حماس وبعد دخولها إلى سدة الحكم اتجهت ناحية إيران –العدو التقليدي للإخوان المسلمين – إضافة لسوريا التي احتضنت حركات المقاومة كأوراق يستخدمها النظام السوري لتحقيق مصالحه. حركة حماس كانت مضطرة للتقارب مع إيران وخصوصاً في ظل المقاطعة الرسمية العربية للحركة بدعم وتحريض غربي. بالنسبة لإيران فقد وضعت خلافاتها المعروفة مع الإخوان المسلمين جانباً في سبيل كسب حركة حماس لجانبها، بمعنى أن المال الإيراني لم يكن مجاني بأي حال من الأحوال، وهذا الأمر مفهوم في عالم السياسة حيث أن السياسي الناجح يحاول تحقيق أكبر المكاسب لشعبه مع الخروج بأقل الخسائر.

بعد بدء الثورات العربية ضد أنظمة الفساد بدء من تونس وليس انتهاءً بسورية اختلطت الأوراق وتضاربت المصالح، مما يتحتم إعادة النظر في العلاقات الخارجية وترتيب الأوراق. كان لتلك الثورات وخصوصاً في مصر وسورية على وجه التحديد عظيم الأثر على حركة حماس . من جهة فإن حركة حماس تخلصت من عدو لذوذ ألا وهو النظام المصري السابق، ولكن من جهة أخرى فإن الثورة السورية وضعت حركة حماس في مأزق. النظام السوري الحاضن لحركة حماس لمصالحه الخاصة بات عرضة للزوال مثل سابقيه من الأنظمة الشمولية الزائلة. وعلى عكس النظام المصري والتونسي البائدين فإن النظام السوري عمل تقتيلاً وذبحاً في شعبه من ما يقرب من عام لأنه يعرف أن نهايته اقتربت، فهو يقاتل وظهره للحائط. حماس حاولت أن تمسك العصا من المنتصف حيث أنها صمتت تجاه ما يجري في سوريا إضافة لمحاول خالد مشعل –رئيس المكتب السياسي لحركة حماس- التوسط بين الرئيس السوري وجامعة الدول العربية. مع مرور الوقت وفشل كافة الوساطات في وقف شلال الدم السوري على يد جلاوزة النظام أدركت حماس أن صمتها أفقدها مصداقيتها ليس فقط أمام عامة الشعب الفلسطيني وأنصار الحركة أنفسهم وإنما أيضاً أمام أبناء الشعب السوري الذي يقتل بالعشرات كل يوم.

إضافة لذلك فقد تعرضت حماس لضغوط من قبل نظام الملالي في إيران للوقوف بجانب النظام السوري ضد أبناء الشعب، ووصل الأمر لوقف الأموال الإيرانية عن حماس التي مرت بضائقة مالية كبيرة دفعتها لفرض المزيد من الضرائب في غزة، ووقف دفع رواتب موظفيها في غزة.

في تلك الفترة بدأ قادة الصف الأول للحركة في الهروب من دمشق مع عائلاتهم، منهم من ذهب لقطر ومنهم من ذهب للأردن والبعض عاد لقطاع غزة، ولم يتبق في مكتب حماس في دمشق سوى موظف صغير.

في تلك الأثناء دخلت قطر بقوة للتقارب مع حركة حماس وتعويض الحضن السوري المفقود مقابل وقوف الحركة في صف دول الخليج ضد النظام السوري. وقد تمخض هذا الأمر عن بعض المكاسب والتنازلات بالنسبة لحركة حماس. المكاسب شملت أن قطر أقنعت الأردن –عن طريق المال والعمالة الأردنية في قطر- باستضافة قادة حماس، مما عوضها عن خسارتها في دمشق، والأمر الآخر يتمثل بالوعود المالية الكبيرة لحماس وتعويضها عن المال الإيراني المقطوع، أما المخاسر فأهما موافقة حركة حماس – متمثلة في خالد مشعل- على المصالحة مع حركة فتح والقبول بأن يترأس محمود عباس الوزارة المقبلة، ومن الجدير بالذكر أن قادة حماس في غزة لم يحضروا مراسم التوقيع على هذا الإتفاق وإنما خالد مشعل فقط الذي كان حاضراً، كما أن هؤلاء معارضين تماماً للاتفاق مما يعني أنه لن تكتب له الحياة وسيكون مصيره كمصير إتفاق مكة، وهذا الأمر يعني أن عملية توقيع خالد مشعل كانت إرضاء لأمير قطر الذي ضغط بهذا الإتجاه وأن خالد مشعل وقع كارهاً وقادة حماس في غزة اعتبروا أنفسهم في حل من هذا الأمر.  على أية حال فقد اختتم هنية زيارته لدولة الكويت بالسفر لطهران، في الوقت الذي تقوم به طهران بتزويد حكام دمشق بالمال والسلاح وأفراد من الحرس الثوري – كما ذكر تليفزيون روسيا اليوم الذي أورد أن إيران بعثت خمسة عشر ألف مقاتل لقمع الثورة السورية-

إن زيارة رئيس وزراء حماس لإيران في هذا التوقيت بالذات يعني أن حماس ضربت بعرض الحائط ليس فقط معاناة الشعب السوري الذي يذبح في حمص وغيرها من المدن، بل أيضاً علاقاتها مع الدول الخليجية التي بدأت بالتحسن مؤخراً. وبعيداً عن الشأن السوري فإن المطامع الإيرانية في دول الخليج لا تخفى على أحد ولعل ما يحدث في العراق أكبر دليل على صورة ما يمكن أن يحدث في باقي الدول لو تمكنت إيران من الهيمنة وبسط نفوذها عليها. فكيف يعقل أن يقوم رئيس وزراء حماس بزيارة إيران في الوقت الذي تحاول فيه الحركة التقارب مع دول الخليج العربي ، العدو التقليدي لإيران؟

من المرجح أن هنية قام بتلك الزيارة مكرهاً من قبل خالد مشعل، المعروف بصلاته الوثيقة مع إيران على عكس قادة الحركة في غزة، وعلى ما يبدو أن خالد مشعل لا يريد أن يخسر تلك العلاقة مع إيران حتى في تلك الظروف الصعبة. ومن المعروف أن اسماعيل هنية هو مجرد واجهة لحركة حماس ولا يملك حق اتخاذ القرار وإنما هو خالد مشعل في الخارج الذي تتصادم قراراته في كثير من الأحيان مع قادة حماس في الداخل.

إن تداعيات تلك الزيارة ستكون وخيمة على المستقبل السياسي لحركة حماس وعلى مصداقيتها أمام أنصارها ومؤيديها وأمام شعوب الدول الخليجية التي استقبلته استقبالاً حاشداً.






تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز