حميد آل جويبر
iraqhamid@gmail.com
Blog Contributor since:
30 April 2011



Arab Times Blogs
لماذا عدنان عدنان ؟ وأنا أنا؟

سيسارع قائلهم الى السؤال الاستنكاري التقليدي : ومن انت لتقرن نفسك بالدكتور عدنان ابراهيم ؟ واتمنى على اخي المتسارع في رشقي بهذا التساؤل ان يحملني على محمل واحد كحد ادنى وليس سبعين محملا كما هو المطلوب منه ، أي "طوّل بالك شواي" .

 بدءا ليس كل "أنا" هي مكروهة الاستخدام ودالة على الزهو المفرط الذي حذر منه علماء الاخلاق والتربية . وكثير من "الأنأنة" ، لو صح التعبير ، هو فضيلة ما بعدها فضيلة . فيكفي ان تعترف بالذنب امام نفسك او محكمة قائلا : "انا الفاعل" ليحصحص الحق وتأخذ العدالة مجراها الطبيعي . ومن سيتسع صدره للسطور المتواضعة التالية سيجد ان الـ "أنا" فيها واردة للتقليل وليس العكس ، وانها استخدمت بصيغة المفرد لكن المراد منها الجمع ، فمثلي الآلافُ ممن يجدر بهم طرح هذه السؤال الكبير . لماذا استطاع الشيخ عدنان ابراهيم احداث كل هذا الخرق الكبير الذي اعجزَ مناوئي افكاره عن مواجهة حججه عندما اتسع الرتق على الراتقِ ؟ ولماذا لا يتحقق لنا ما تحقق ويتحقق له في كل يوم او حتى كل ساعة وربما اقل من ذلك ؟ ها انا اعود لـ"أنا" مرة اخرى مُجبرا لا بطل ، ومن شاء منكم فليفعل الذي فعلتُ من محاسبة ذاتية .

 كيف ؟ بجردة حساب بسيطة لم استعن خلالها لا بحاسوبي الماكنتوش ولا بآلة حاسبة كاسيو ، توصلتُ الى ارقام مذهلة لزمن من ذهب حولتُ ساعاته الى صفيح "تنك" او ما هو دون ذلك . ولو اني احسنت استخدام تلك الساعات مبكرا كما استخدمها صاحبنا ابن غزة المنسية ، لكان لي شأن آخر الان . فمنذ اكثر من اربعين عاما - وما زلت - وانا اتابع لعبة كرة القدم ، نصف هذا العمر تسرب مني لاعبا ومتفرجا والنصف الاخر متفرجا ومتابعا فقط . وبجردة بسيطة ومتفائلة جدا وضح لي انني اهدرت نحو خمسمئة ساعة كمعدل سنوي في ملاحقة الكرة الساحرة . ووفقا لهذا الرقم فانني اتلفت اكثر من عامين بلياليهما ونهاراتهما لا يقطعهما حضور مادبة غداء كبرى ولا حفل عيد ميلاد ولا حتى الاستسلام لسلطان النوم الجائر . حولين كاملين خاليين من اي منغص، أي آلاف الساعات ، كم تستطيع ان تنجز بهما من اشياء !!!

 قلت جردة حساب متواضعة لاني اهدرت اضعاف ذلك الوقت امام الشاشات الفضية الكبيرة واضعاف ذلك امام اجهزة التلفاز واضعاف كل ذلك في الهروب من الفراغ الى جلسات سمر مع الاصدقاء الطيبين من امثالكم . فتسربت الايام من بين اناملي الواحد بعد الاخر ، وانا ارمقها باستسلام ويأس كاملين ، وغاية حصادي منها الان ذكريات اجترها بفكي بعير لا تغني من الحق شيئا. ولئن توقفت عن ممارسة بعض هذه الانشطة "الاِهدارية" اليوم ، فليس لحكمة اغرزها الله في راسي ، انما بسبب تقادم العمر اولا، والقيود التي يفرضها عليَّ الالتزام الاجتماعي ازاء أسرة بادرتُ الى تكوينها مختارا.

 تـُرى، هل يمكن تصور الرقم الذي نخرج به لو اجرينا حسبة آلمانية دقيقة لما اضعناه من اعمارنا وما زلنا نفعل في كل يوم . حتى اذا تنبهنا الى كارثية تلك الارقام، رحنا نلتمس المحامل المصطنعة والاعذار الواهية لانفسنا الامّارة . زد على ذلك ان الزمان الذي نحرنا الكثير من ساعاته ظلما وعدوانا كان زمنا بسيطا في مجمله، لا حاسوب ولا يوتيوب، لا آيباد ولا آيبود ولا بطيخ ، اما هذا الزمان الذي "اتيناه على هرم" كما يقول عبقري الكوفة فانه لن يسمح لك بان تقرر وقتك بنفسك خاصة اذا كان عمرك يتارجح بين سنوات المراهقة ونهاية العقد الثالث . فوسائل اللهو اختُزلت احجامها وبخست أسعارها وهي من خفة الوزن وتواضع السعر ما يجعلها معك حيثما تولي وجهك حتى في الحمّام. وفي مثل هذه الاجواء يصبح البحث عن او قراءة او تحقيق كتاب في تاريخنا المتآمَرِ عليه ضربا من الترف وتعبيرا صارخا عن فراغ . مع مرور الايام ، تولد لي فضول جامح لمتابعة التعليقات التي يردُّ بها متابعو الشيخ عدنان ابراهيم على خطبه او محاضراته او ما يخطه يمينه على جداره الفيسبوكي الموقر بغية الوقوف على المزاج العام لجمهوره الكريم. هذه الردود في الغالب ولا اقول جميعها تركز على نقطة واحدة هي في مجملها ان الشيخ عدنان يحظى بمواهب خاصة وملكات خاصة وقابليات خاصة وتستمر هذه "الخاصات" الى ما يتسع له صبر الكيبورد .

 ولعل البعض يضفي على الشيخ - عِلما وليس عُمْرا كي لا يزعل علينا - من الاوصاف ما اظن ان ابا محمد لا يرضاها لنفسه من التبجيل المبالغ به احيانا. سادتي الكرام اطمئنكم ان الشيخ عدنان لا يمتلك شيئا ضنَّ الله به عليكم ، فكلاكما صنيع قدرة واحدة لا تظلم احدا من العالمين ، فيومه ذو الساعات الاربعة والعشرين هو يومكم لا ينقص ولا يزيد . وعمره الان هو متوسط اعماركم وجسمه كاجسامكم ومشاغله هي مشاغلكم ان لم تكن تفوقها ، وكل ما يقال عدا ذلك فهو حديث خرافة لا يصمد امام العقل والمنطق . اذن لماذا عدنان عدنان ونحن نحن؟ نتسقط اخباره هنا وهناك ، ونترقب محاضراته عبر ما اتيح لنا من وسائل الاعلام بشغف !!!

 دعونا نستمع اليه وهو يتحدث عن نفسه في احدى محاضراته القيمة ، والمعروف انه لا يتحدث في موضوع كهذا الا عندما يُستفز او يُدفع الى زاوية النرجسية دفعا وليس اختيارا . يقول في احدى محاضراته المثرية ما مفاده ان رحلته مع الكتاب بدأت وهو دون العاشرة ، واذا لم اكن مخطئا فان هذه الرحلة انطلقت مع الوزن الثقيل من الكتب التي لم اسمع بعناوينها وانا اتجاوز الخمسين . لا اتوفر على دليل يجعلني اشكك في صدقية الرجل ، فهو بعد لم يُنهِ العقد الخامس من العمر ما يعني منطقيا ان غالبية اترابه هم احياء يرزقون ان شاء الله .

 فلم يحدث ان كذّب احدُهم مزاعمَ الشيخ في الحديث عن نفسه ، ثانيا انني افترض الصدق المطلق في هكذا احاديث لانه لم ينسب اكتشاف البنسلين لنفسه ، او زعم زرعَ العلم الفلسطيني على ظاهر القمر. يا اخوان صدقوني ان ما فعله ويفعله الشيخ عدنان ، جميعنا يقدر على فعله الا من وُلدَ وفيه عاهة تقعده عن ذلك . فغاية ما فعل انه شك في وقت مبكر ، ثم قاده شكـُّه البنـّاءُ هذا الى البدء بمشروع "على أد الحال " للوصول الى ما يخرجه من دائرة الشك الى فضاء اليقين ، ثم بدأ مرحلة التمرد على الموروث الذي فُرضَ علينا هضمُه بكل مافيه شئنا ام ابينا . ثم بعد ذلك توصل الى قناعة مفادها ان ضريبة البوح بما توصل اليه من نتائج تتطلب شجاعة خاصة ، بل شجاعة فائقة يواجه بها طوابير من الحرس القديم المدججين بابشع الاسلحة فتكا. وكان شعاره في كل هذه الخطوات أن "اِعْقِلْ وتوكل" متمثلا بـ "اذا كنت ذا راي فكن ذا عزيمة … فان فساد الرأي ان تترددا" . وفيما راح الاخرون يعززون من قدراتهم التسليحية ، راح هو يتسلح بأنقى الاسلحة وأزكاها ، وهو سلاح العلم والمعرفة والبحث الدائب عن الحقيقة . ولانه على بينة من امره ، فقد كان حقا على الله ان يسدد خطاه ويفتح امامه مغاليق الآفاق .

هذه قصة عدنان ابراهيم باختصار ، فما هو المعجز فيها ؟ وتلك قصتنا "أنا" باختصار . للوقوف على جانب من قصة النجاح هذه ، انظروا الى حركة يده المرعوبة وهو يود لو يستطيع كبح جماح عقارب ساعة معصمه عساه يوقف او يبطىء الزمن قليلا عندما يرتقي اعواد خطبة الجمعة او يحاضر … ففي راسه الكثير والوقت يمر عليه سريعا دون ان يكترث هذا الوقت الجائر لهذا الكثير. وانا على يقين من امري بان يد الشيخ عدنان اليسرى تفعل ذات الحركة عندما يقرأ كتابا، وعندما ينام، وعندما يأكل ، وعندما يكون مع اولاده وزوجه، وعندما يستخدم الهاتف ، وعندما يرد على رسائل عشاق فنه الرفيع في شبكات التواصل الاجتماعي ، وعندما يحاضر ، وعندما … وعندما … وعندما . فانظر، كم مرة في اليوم تراقب حركة عقارب الساعة خشية ان يمر الوقت عليك قبل انجاز مشروعك !!! اعلاه وصفة ليست سحرية لتصبح عدنان ابراهيم آخر او ربما انفع من عدنان بكثير ، ولا ينقصك او ينقصني ما يمنعك او يمنعني من تطبيق هذه الوصفة بحذافيرها الا جرعة واحدة من عقار الهمّة نتناوله صباحا مشفوعا بكبسولة "تجرّد" تبث في العروق قدرة اسقاط المقدسات الفارغة التي تحولت او حولها العسس الليلي الى اصنام تعبد مع الله او حتى من دون الله







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز