د. محمود لطيف البطل
Mahmoud@list.ru
Blog Contributor since:
05 November 2011

 More articles 


Arab Times Blogs
عندما يملا الرعاع الفراغ

"الثورات" التي قامت في بعض الدول العربيٌة والتي حقٌقت ظهوراً لافتاً للتيٌارات "الإسلاميٌة" المختلفة، التي فازت في الإنتخابات في مصر وتونس على حساب القوى العلمانيٌة في هذه البلدان، أكدت فيما لايقبل الشك "عقم" أوضاع العالم العربي وارتداد شعوبه إلى الوراء بدل التقدم الحضاري، المواكب لما يدور في عالمنا اليوم من سباق علمي وحضاري على جميع المستويات. إن "التفرد" بالرجوع إلى الوراء بعد السنوات الطوال من ا.ذل والقمع ومصادرة الحقوق، يترك المحللين في الشأن العربي في حيرة من امرهم. إذ كيف يقوم الشعب ضد الظلم، وضد التخلف، ليرمي نفسه في أحضان "القرون الوسطى"، بذقونها المتدلية واثقالها المتعفنة وعلاقاتها المشبوهة؟. كيف يصير أن يخرج الشعب من مطب كبير ليقع في آخر أكبر منه وأشد ضررا؟، وكيف يكون بأن نطرد الأصنام من حياتنا ونفتح الباب في بيوتنا لتدخل الذئاب؟.

 ومن يكون السبب حينما نخرج للتو من ضياع لندخل من جديد في ضياع أشد ظلمة ؟. عندما خرجت الناس إلى الشوارع تنادي بإسقاط الظلم، ظن الكثيرون بأن ذلك لن يقود إلا إلى التحرر والتطور والكرامة، التي أهدرتها منذ زمن بعيد أنظمة الإستبداد والتبعية للغرب الإستعماري، والذي يعني بالضرورة أخذ زمام المبادرة في مواجهة هذه الشاريع والمخططات التي تفوح منها رائحة التآمر والغزو والغدر، التي تنتجها مطابخ الغرب خصيصاً لمنطقتنا العربية، ولكن ما نراه اليوم أن الشعوب العربية مرة أخرى قد سلمت المفاتيح، ليس إكراها، وإنما بالخديعة الماكرة، التي جند لحبكها مليارات الدولارات السوداء القادمة من براميل نفط"العرب"، وجندت لها أقنية إعلامية مجهزة بوسائل تقنية من آخر طراز للتزوير والفبركة والحرب الإعلامية على مدار الساعة.

 حينما كانت الأنظمة القمعية لاتزال تشعر بالقوة التي تؤهلها لملئ الفراغ بالكبت والكذب، كانت تظن بأنها خلدت لاعتقادها بأنها استطاعت أن تملأ الفراغ بقهرها وسجونها، وقمعها، وأن الشعب، الذي جعلوه يفكر فقط في لقمة العيش، لن يكون لديه الوقت ل الكافي للتفكير بالكرامة المباحة والمستباحة من أعداء الأمة. ولكن غرور الحكام العرب وضيق أفقهم، وجهلهم، كل ذلك صنع الفراغ المليء بخيبة الأمل وبالذل وبفقدان الكرامة. وكان الغرب الإستعماري خلف الباب، عيونه التي تجول وتصول وآذانه التي تسترق السمع على الأرض وفي الفضاء، كانت تنقل الأخبار وتهرب الأسرار للذين يحللون ويخططون ويطبخون بمخابرهم.

واقتنع الغرب بأن "الأحذية" التي ينتعلها منذ زمن بعيد قد اهترأت، أو فاحت رائحتها إلى الحد الذي يكون فيه من غير المنطق التمسك بانتعالها، ولذا، من الضرورة بمكان، البحث عن غيرها. واقتنع الغرب أيضا بأن الفراغ الذي بدأ ينتصب ويتضخم في بعض البلدان العربية المؤثرة، سيؤدي لامحالة إلى انفجار لاتحمد عقباه، يكون وبالا على الغرب ومصالحه و"إسرائيله"، لأن الثورة على "أحذية" الغرب هي ثورة على الغرب نفسه. إذا، وصل الغرب إلى قناعة بضرورة ملئ الفراغ . لم يبحث الغرب كثيرا لأن الذي سيملأ الفراغ كان قد أعلن عن نفسه وبسرعة- "الرعاع"، "سمهم ماشئت!" ولكنهم قد أثبتوا بأنهم كذلك من اليوم الأول لتسلقهم على السلطة، فهم قالوها بصريح العبارة من دون أي خجل أو حياء أو وجل، قالوا بأنهم أتوا إلى السلطة من اجل أن يظل الغرب الإستعماري يمتهن الكرامة العربية، ومن أجل أن يظل كيانه الدخيل يفكر بالفرات وينظر إلى النيل. وأما القدس والأقصى فقد قالوها بأشد من صراحة "مالنا ومالهم"، أي بعبارة أخرى: أيها الصهاينة هوٌدوا ماشئتم واحفروا أساسات "معبدكم" ماشئتم، فقد تجدوه!!، واحنا مالنا!. من حق "إسرائيل" أن لاتقلق على نفسها من"ثورات" أو فورات العرب، فكأنها كرة من الصابون، كبرت..كبرت وانفجرت، دون أن تحدث أي ضرر.

ومن حقها أن تفرح أكثر لأن الرعاع قد غيرو اتجاه البوصلة عنها فلم تعد هي العدو، ولكي يثبتوا حسن النية اتجاهها سافروا إلى امريكا وأقسموا على التلمود بأنهم أحباء "لإسرائيل"، وأولاد عم، الأب للأب، مع الصهاينة أينما كانوا وأينما وجدوا. وطبعا لأن "إيباك" تعرفهم جيدا فقد صدقوهم فورا، وأغدقوا عليهم الوعود بالدعم والمساعدة، وبالحماية إن لزمت. عدو الرعاع اليوم العروبة أينما كانت بفكرها ووجودها، ولذلك تجدهم اليوم وقد أوصلوا للسلطة، يستخدمون ماوصلوا إليه لتحقيق ماأوصلوا لأجله، الحرب والمؤامرات لبسط النفوذ على الأماكن التي ماتزال عصية عليهم، كسوريا التي تمثل اليوم الخندق الأخير، الذي مازال يستنشق العروبة، وفي سوريا سيهزمون بشعب سوريا الصامد، بعروبة البلد وشجاعة ورجولة أبنائه الأبطال. والغريب، والعجيب، أنه حتى كتابة هذه السطور يفقد الفرسان الحقيقيون من بلادنا العربية(فسوريا وحدها، ولبنان بمقاومته وحده، وفلسطين الجريحة وحدها) ، وكأن أمتنا العربية أضحت عاصية عن ولادة الأبطال في زمن الشدائد، تاركة الساح لنباح الكلاب ورعاع الطرقات وخريجي مدارس الغرب وعملائهم، في زمن الأقزام ومشيخات الخليج الغربي، والنفط المخلوط بالجنس والرذيلة، والحقد والتآمر، في زمن انتهازية"علماء" المسلمين الذين قبلوا بأن يكونوا جرثومة الخراب في جسم الدين الحنيف، فحرفوا وأفتوا للقتل والجريمة، وللفتنة وللمهانة والإستسلام، "باسم الإسلام وتعاليم الإسلام".

ولكن الأمة التي أنجبت القادة العظام وهم كثر، ستنجب أمثالهم من أجل ملئ الفراغ الذي بدأ يتشكل بقوة وبنفس الرائحة واللون والسمات، التي كان الفراغ الذي قبله يضخها صبح مساء. تحطمت الأصنام حطمها الشعب بيديه بتضحياته العظام، وبشهدائه الكثر، ولم يكن يعلم هذا الشعب الذي أرهقه الكبت والرحيل عبر الدموع والآلام، بأنه يسلم رقبته من جديد لجزار آخر، يختلف عن الجزار السابق فقط بالقياس، لأن الأول كان "حذاء" والذي أتى بعده قد قبل بأن يكون "حذاء". فاشهدي ياأرض واشهدي ياسماء!!!.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز