مضر زهران
mudar_zahran@yahoo.com
Blog Contributor since:
24 May 2010

خبير اقتصادي وكاتب -باحث في درجة الدكتوراة مقيم في لندن

 More articles 


Arab Times Blogs
الشعب السوري ترك وحيدا، ولذلك سينتصر

 لم يصدم أحد بالفيتو الروسي والصيني الذي صدر في مجلس الامن والذي عارض مبادرة ظاهرها عربي وباطنها أمريكي لتنحي بشار الاسد سلميا. فالصبن وروسيا كلتاهما أعلنتا موقفهما مسبقا، كما وان الفيتو الصيني كان في الغالب كإعلان موقف أكثر من ضرورة دبوماسية، حيث أن روسيا كان موقفها كافيا لمنع اي تحرك أممي ضد بشار الاسد. 

الصين وروسيا كلتاهما لهما مصالح إقتصادية وسياسية مرتبطة بالنظام السوري، ليس اقلها عدم رغبتهما في إفراغ الساحة كليا للامريكين في أن يسودوا ويلعبوا دور المخلصين المنقذين في دول الربيع العربي كما كان الحال في ليبيا. فما حصل لم يكن بالمفاجأة. أيضا فإن النظام السوري، وقبل التصويت في مجلس الامن بيوم، كثف ضرباته على المتظاهرين السلمين وعلى المقاومة السورية المسلحة، أو ما بات يعرف بالجيش السوري الحر، بحيث حصدت دبابات الأسد أرواح 260 مواطن في حمص قبل أقل من اربع وعشرين ساعة من إجتماع مجلس الأمن.

بإختصار، النظام السوري ليس خائفا من أي قرار قد يصدره مجلس الأمن لأن حلفائه، وتحديدا الروس، قد طمأنوه أنهم لن يسمحوا باي قرار ضده، وقد اكد النظام السوري عدم إكتراثه برسالة مخضبة بدماء الابرياء في حمص ارسلها للعالم أجمع.

إلا أن ما يثير الغرابة هو فحوى القرار الذي أرادت الجامعة العربية  تمريره في مجلس الامن، فالقرار لم ينص على أي إجراء عسكري ضد النظام السوري، بل تحدث عن إجراء مفاوضات تهدف لإخراج الرئيس السوري بشار الأسد بشكل دبلوماسي كما كان حال الرئيس اليمني علي عبدالله صالح--والذي لم يقتصد في القتل عن بشار، وحتى هذا القرار الهزيل ضمنا عارضتاه روسيا والصين. إذا، فما حصل لم يكن إجراءا فاعلا، بل على العكس، لربما اعطى فسحة للنظام السوري أن يمارس مزيدا من القتل تحت مظله هذا القرار تماما كما إستغل علي عبدالله صالح المبادرة الخليجية للمصالحة كي يبقى فترة أطول في الحكم ويمارس هواية الطغاة المزمنة في ذبح الابرياء.

إن الشعب السوري ببساطة قد انقطعت به السبل، وما عاد له من قوة ولا ناصر، فكثير من الدول العربية التي ساندت القرار في مجلس الامن—وللانصاف ليس جميعها—كانت ولا زالات مرعوبة من رؤيتها للنظام السوري القوي يسقط، حيث أن سقوطه سيعني تقريب دور سقوطها، خاصة وأن نظام بشار الأسد هو نظام ملكي بامتياز، فبن علي التونسي لم يرث الحكم عن أبيه، ومبارك لم يكن واثقا أنه سيتمكن من تسليم الحكم لأولاده بعد وفاته أو تنحيه، كما أن القذافي كان قائدا ديكاتوريا ولكن لم يكن يمثل سلالة متمكنة في الحكم كال الأسد في سوريا، مما يعني ان سقوط نظام الأسد قد يفتح ابواب الربيع العربي على المرحلة التالية، وهي مرحلة سقوط الملكيات. على سبيل المثال لا الحصر، فإن موقع ديبكا الإسرائيلي سرب محاضر مزعومة للقاء ملك الاردن مع الأمريكين في العام المنصرم، هذه المحاضر زعمت أن الامريكين ابلغوا الملك رسميا بأنهم يتوقعون سقوطه بعد سقوط النظام السوري. (1)، والحالة كذلك، هل يعقل لاي نظام عربي مشابه لنظام بشار الأسد ان يسعى إلى سقوطه حتى يليه في القائمة؟

أما الغرب، فلم يبد مستعدا لإنقاذ الشعب السوري كما فعل مع الليبين مثلا،  رغم أن للغرب له مصالح مباشرة في سقوط بشار الاسد أولا: كون سوريا إمتدادا للنفوذ الإيراني والروسي، وثانيهما كون سوريا متحالفة مع حركات مسلحة تشكل خطرا على حليف الغرب الاهم: إسرائيل، وثالثها: كون الغرب يرى في الربيع العربي فرصة للتجديد وخلق صورة جديدة في المنطقة تدعم مصالحه. على الرغم من ذلك فإن المخاطر هي أيضا اكبر بكثير أولها كون النظام السوري قادر على تسبيب إرباك متقدم في المنطقة وفي عدة دولة مجاورة له.

لذلك،وبعد الفيتو الروسي-الصيني، لم تخف وزير الخارجية الامريكية هيلاري كلنتون سياسة الولايات المتحدة تجاه المسألة السورية، وهي دعوة "اصدقاء سوريا الديمقراطية للتوحد"   لدعم الشعب السوري حسب وصفها، ولعلها تعني بذلك دعم الثورة السورية ضد النظام ولكن اي دعم؟  حين أعلنت هيلاري كلنتون ذلك، ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية أن لديها معلومات عن كون دولة قطر تدعم المقاومة السورية المسلحة بالسلاح والمال وبمباركة المملكة العربية السعودية.(1) كذلك فإن قناة الجزيرة نفسها لم تنف ذلك حيث نقلت نص تحليل الغارديان على موقعها  بالقول: (وتشير الصحيفة إلى تكهنات بشأن إمكانية تقديم دول خليجية مساعدات عسكرية للمعارضة المسلحة على أراضي سوريا التي قد تصبح في هذه الحالة ساحة مواجهة خليجية مع إيران، الحليف الأكبر والأبرز لنظام الأسد.) (3)

إذا فإستراتيجية الولايات المتحدة الواضحة هي تقويض النظام بمحاصرته إقتصاديا وسياسيا، وتقوية المعارضة واركان الثورة السورية.  ايضا، فإن الولايات المتحدة وغيرها إن لم تتمكن من العمل ضد النظام السوري عسكريا، فإنها بلا ريب تستطيع التدخل إستخباريا، خاصة وان المؤسسة السياسية والعسكرية السورية معروفة بفسادها المتفشي، حيث ان منظمة الشفافية العالمية صنفت الدولة السورية بدرجة 2.5 وهي درجة مرتفعة جدا في الفساد (4) ولذلك فإن شراء قادة الجيش واركان النظام السوري لن يكون امرا مستحيلا كما كان الحال في ليبيا، فمقاتلوا القذافي كانوا يؤمنون بها عقائديا كقائد وهو عمل على ذلك عبر تنشأة قبلية عقائدية لنخبة مغسولة دماغيا تابعة له، أما أنصار الأسد فتجمعهم المصلحة أو الانتماء الطائفي للرئيس السوري المنتمي للطائفة العلوية، ومثل هذا الإنتماء الهش يسهل كسره وإختراقه، فلا نستبعد أبدا أن نرى إنقلابا من الجيش السوري نفسه على  النظام وقد يقوده علوين أيضا. هذه الفكرة ليست جديدة، فهي تماما ما نفذته وكالة المخابرات الأمريكية، السي اي ايه في العراق ضد نظام صدام حيث تبين في السنوات اللاحقة لسقوط صدام أن قوات الصفوة لصدام --والمشكلة من اقرابه وابناء طائفته ومنطقته-- الحرس الجمهوري، كانت متورطة برشوات كبرى ولكبار الضباط لأجل العمل على هزيمة وإسقاط صدام. (5)

ما عدا بعض الدعم الذي يلقاه الشعب السوري من عدد محدود من الدول العربية، إلا أن الحقيقة الاهم والاكبر، هو أن الشعب السوري قد تركه العالم حتى الأن على الأقل ليواجه مصيره،  فالمذابح لا تتوقف، وستستمر بل وستتطور، والسبب هو أن النظام يلعب لعبة المقامر الذي كلما تورط اكثر في الامر كلما اسرف فيه أكثر على أمل أن يربح، وبنفس النهج لعب النظام لعبة خطيرة جدا، وهو أن هناك الأن في سوريا ما يكاد يكون حربا طائفية معلنة من طرف واحد، وهو النظام الحاكم  الذي شوه صورة طائفته التي ينتمي اليها معظم قادة النظام وهي الطائفة العلوية.  بحيث وضع النظام الطائفة في مواجهة الأغلبية السنية في البلاد، بحيث جز بالطائفة العلوية ظلما إلى الواجهة في الصراع، بحيث أن الأغلبية العلوية التي لا علاقة لها بالذبح والقتل اصبحت ضمنا وصورة مسؤولة عنه رغما عنها، وبالتالي تحول الصراع إلى صراع بقاء مطلق، بحيث أن النظام السوري وظف هذه الجزئية بذكاء شديد لأجل الإستماتة في قمع وذبح الثوار.

مرة أخرى، تبقى الحقيقة الأهم وهي أن الشعب السوري قد ترك لوحده ليواجه مصيره، فقد تخلى عنه العالم إما تواطؤا، أو جبنا، وهنا نرى سنة من سنن الله في الكون، فحين تنقطع اسباب العبد، تاتي أسباب السماء.

فهل حال الشعب السوري بأشد سؤا من حال سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام وهو يفر عبر الصحراء مع قومه من بني إسرائيل وعلى أعقابهم أحد اقوى جيوش العالم في ذلك الوقت، فرعون وجنوده؟ ولكن الله كان غالبا على أمره، وتماما كما صرخ فرعون بعد فوات الأوان "أمنت برب موسى"، لعل بشار الأسد سيصرخ بعد فوات الأوان: اريد ان اتنحى...

وهل حال السورين بأسوا من حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه في غزوة الخندق حين إجتمعت عليهم قبائل العرب لتبيدهم؟ فأتى النصر من عند الله وعاد الغزاة أعقابهم؟

إن الشعب السوري اليوم يدرك أن ما من احد سينقذه ويحرره سوى الله،  لا الناتو، ولا الامريكين، ولا الأتراك، ولا العرب، ولذلك فإن الشعب السوري بلا ريب سيضع ثقته في الطرف الصحيح هنا، وهو الله القادر على كل شيء، والمسيطر، الذي هو مالك الملوك ونازع الملك ممن يشاء. فالله عز وجل هو أسمع بدعوة المظلوم، وارحم بأطفال سوريا من مجلس الأمن وبقية العالم. فالنصر من عند الله فقط (وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) آل عمران126

ايضا، فإن مثل هذه المسألة تتطلب اليقين بنصر الله وقدرته، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : (يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي).

والأن وقد ادرك السوريون أن ليس لهم إلا الله، فليبشروا بالنصر، وما يدريهم، لعلهم يحتفلون بحريتهم في الربيع القادم؟

 

(1) http://prophecybeyond.ning.com/forum/topics/us-warns-jordan-s-king-arab

(2) http://www.guardian.co.uk/world/2012/feb/05/hillary-clinton-syria-assad-un

(3) http://www.aljazeera.net/NR/exeres/D37CF7DB-F058-40A9-96C8-EF776535C607.htm

(4) http://www.transparency.org/policy_research/surveys_indices/cpi/2010/results

(5) http://www.rense.com/general37/hej.htm







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز