باسم محمد حبيب
basim02@gmail.com
Blog Contributor since:
16 May 2010

كاتب عربي من العراق



Arab Times Blogs
معادلة السيد والعامي نموذج لثقافة العبودية

على الرغم من التطورات الحقوقية والاجتماعية ، مازالت معادلة السيد والعبد فاعلة ومؤثرة في المنظومة القيمية للمجتمع العراقي تحت تسمية مضللة هي تسمية السيد والعامي الشائعة في العراق وبالذات في القسم الجنوبي منه .

وعلى الرغم من أن هذه الإشكالية غير مبنية على أسس قانونية أو دينية فعلية ، إلا أنها وبفعل شيوعها وانتشارها  تعد عاملا من عوامل التأخر والتخلف ، بفعل ما تنطوي عليه من إشكالات نتيجة ما تفرزه من قيم بعيدة كل البعد عن المفاهيم الإنسانية . 

 فتقسيم المجتمع العراقي والجنوبي منه بشكل خاص إلى فئتي السادة والعوام هو تكريس وإحياء للمعادلة القديمة معادلة السيد والعبد البائدة ، بغض النظر عن ارتباط المفهوم الجديد بأسس ذات علاقة بالمنطق الديني لا الاجتماعي .

فالفعالية الاجتماعية في العراق عادة ما تكون مندمجة أو ذات صلة ما بالفعالية الدينية لعدم وجود فوارق واضحة بين القيم الدينية الممارسة والقيم الاجتماعية ، نتيجة الواقع المر الذي عاشه العراق في القرون الماضية وتعرض الإنسان العراقي لشتى أشكال الظلم والاستغلال بشتى أشكاله من قبل المنظومة الاجتماعية بشكل عام والمنظومة السياسية بشكل خاص .

إن أهم سبب دعم وجود هذه الظاهرة في الواقع العراقي نبع من غياب السلطة السياسية الفاعلة من المنطقة الحاضنة لهذه الظاهرة ، وغياب السلطة عادة ما يؤثر تأثيرا مباشرا في المنظومة القيمية ، لأنه  يدفع لخلق مؤسسات بديلة من اجل إشباع الحاجة الاجتماعية .

 ونظرا للطابع الاضطراري لهذه المؤسسات وعدم إرتكانها على أسس قويمة ، فأن معيار القوة سيكون هو الفاعل الأساس في تأسيس القيم الاجتماعية وتنميتها ، ما يخلق تباينا مجحفا في الحقوق وتناقضا واسعا في الواجبات يتم تأطيره دينيا ليغدو ملزما وفاعلا .

لقد أدى غياب السلطة السياسية إلى نشوء سلطتين بديلتين هي سلطة العشيرة وبعض السلطات المرتكزة على الدين ، بحيث أخذ كل منهما يعمل على ترسيخ وجوده بشتى السبل والوسائل ، وفي الغالب من خلال سلسلة غير منتهية من السنن والأعراف والتقاليد فضلا عن الفتاوى ذات الطابع الاجتماعي ، ما خلق تناغما ما بين فعالية السلطتين نحو الهيمنة على مصائر الناس وتحديد ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات .

أن ابرز ما ابتدعته هذه السلطات هو وضع درجات للنسب ، بحيث يتم تقسيم الناس على مجموعتين : أحدهما مجموعة النسب الرفيع أو الشريف وتشمل المنتمين للنسب العلوي بغض النظر عن صدقية هذا الانتماء ، فضلا عما يسمى بأبناء العلويات والشيوخ والسراكيل ، والأخرى هي مجموعة النسب غير الشريف وتشمل بقية أطياف الشعب من الفقراء والضعفاء .

لقد خلق هذا التباين الحاد بين المجموعتين جملة من التقاليد والسلوكيات المتخلفة المتناقضة مع القيم الإنسانية ، مثل تقديم السيد في المناسبات الاجتماعية ويسري ذلك حتى على صغار السن وتقبيل الأيدي وبذل الأموال تحت صيغ شتى ، ناهيك عن الكثير من مظاهر الخنوع والتذلل ومن ذلك مناداة السيد بلفظة مولاي التي تعود بأصولها إلى الإرث العبودي ، وفيما يحض السيد بالحماية الدينية العرفية والتقدير الاجتماعي يوضع العامي في درجة التابع أو الموالي بوصفه أدنى درجة من السيد الذي يتربع على رأس الهرم الاجتماعي  .

 إن أخطر ما تشكله هذه الظاهرة هو إنزياحها إلى القيم والممارسات الدينية ، ما يجعل من الصعوبة بمكان مواجهتها والتحرر منها ، لأن الدين يشكل بؤرة مركزية في الضمير الجماعي ، إذ عادة ما ينظر لأي محاولة لمواجهة هذه الظاهرة غير الإنسانية على انه نوع من التجديف يستدعي الرد المباشر وغير المباشر ، والأنكى أن تقنع فئة العوام بهذا التقسيم وتخضع له انطلاقا من هيمنة التخلف والجهل المضلل .

وإذا كان من الصعوبة بمكان اتخاذ إجراءات مباشرة للحد من هذا التمايز ومنع السلوكيات المرافقة له ، فمن الضروري العمل بوسائل أخرى ليكون العمل مجديا ومؤثرا ، ومن واجب النخب المتنورة بذل شتى الجهود لمواجهة هذه الظاهرة التي باتت تشكل عبئا ثقيلا على قيمنا وميراثنا الحضاري ، ناهيك عما تخلفه لدى الآخرين من نظرة سلبية تجاهنا ، لاننا في عصر ينبذ هذا النوع من التمايز البعيد عن مفهوم المساواة الانساني .

أن القضاء على معادلة السيد والعامي في العراق هو وحده الكفيل بخلق مجتمع حر ينظر الى الحياة بمنظار انساني صحيح ، وإلا سنبقى أسارى لتلك القيم البالية التي تحكمت بنا طويلا ، وأدت الى خلخلة نسيجنا الأجتماعي وأبتدعت التمايز وخلقت التفرقة التي وضعتنا في أسفل السلم الحضاري للبشرية .







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز