نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
أبعد من الفيتو الروسي الصيني

برغم كل تلك الغوغائية الفجة المنفـّرة، والصخب المتناثر على الشاشات، ودرجات التلوث الفضائي التحريضي العالي، والدعائية الحرفية والمهنية الهائجة، والتسعير والتسخين المحموم والهادر الذي سبق الحدث، فكما كان متوقعاً، لقد كان الفيتو الروسي الصيني المزدوج بالمرصاد لمشروع القرار الفرنسي المغربي ضد سوريا، وأحبطه، وأعاد كل تلك الجهود الدبلوماسية والسعي الغربي-العربي لاختراق سوريا إلى نقطة الصفر، وأطاح بأحلام كثيرين للنيل من سوريا، والرقص على جثث وآلام السوريين.

 وفي الحقيقة، لا ندري سر هذا الإصرار الغربي-العربي على عقد الجلسة رغم سيل التصريحات الروسية السابقة والتي تصب جميعها في اتجاه استخدام الفيتو، اللهم إلا تلك النزعات المعروفة المحكومة بنرجسية وغطرسة القوة والحماقات وركب الرأس والطيش الأعمى الموتور لتكرار السيناريوهات الدموية العراقية - الليبية في الوطن السوري الغالي العزيز. وبعيداً عن الفشل الغربي المريع الواضح، وعن أية احتفالية، وحتى شماتة، ولا سمح الله، فرمزية الحدث الأولى تتجلى في انحسار هيمنة الغرب المترنح والمنكسر مع حلفائه التقليديين على مجلس الأمن، وعدم قدرتهم الظاهرة على فرض القرارات فيه، أو توجيه المجلس وفق رغباتهم كما جرت العادة طوال العقدين الماضيين، حين ذهب الغربيون بعيداً جداً في إظهار حقيقة نواياهم وتصوراتهم للعالم الذي لا يريدونه ولا ينظرون إليه إلا كمجرد مزرعة ومناطق نفوذ وشرايين طاقة تمد وتغذي وتـُنمـّي اقتصادياتهم.

 وهم لن يتورعوا عن فعل أي شيء يخدم تلك السياسات حتى لو ذهبت الملايين ضحايا رخيصة وبائسة لا قيمة لها في سبيل ذلك. وبهذا، فالفيتو المزدوج الأخير، هو بداية لترسيخ إستراتيجية ثابتة جديدة وليس، كما يلوح للبعض، رهناً لحدث آني، أو منوط فقط بالحدث السوري، وله دلالات أبعد من مجرد هذا الحدث، مع عدم إنكار أهميته وحيويته. فتشكل وصعود قوى جديدة فرضت ذاتها على المسرح الدولي ولها مصالحها التي يجب الاعتراف بها، وكلمتها، ووزنها وثقلها الاستراتيجي والنوعي، ورأيها، والتي تحاول القوى التقليدية التي هيمنت على العالم لمدة عقدين، أي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي تحديداً، تجاوزها وتجاهل مصالحها الحيوية والتنكر لوجودها وازدراءها في أحايين كثيرة، ينبغي أن ينعكس ذلك سياسات ونهجاً جديداً يتجاوز النمطية والتبعية والإذعان والتسليم بالعجز، منتقلاً نحو ضفاف الندية والعين بالعين.

 فلقد بات بإمكان دول في هذا العالم، اليوم، قول "لا" كبيرة وبالفم الملآن، والوقوف، جهاراً، في وجه السياسات، ولجم هذا الاندفاع الغربي الشرس والمحموم، والحد من هذه الرغبة الشريرة والشيطانية وغريزة العدوان والتدمير المتأصلة لدى الغربيين في افتعال الأزمات والحروب وفبركتها والتي ترجمت دماراً وخراباً في كل مكان تطأها الأقدام الغربية الهمجية. والتقدم، أو لنقل التمدد، الروسي- الصيني، من زاوية أخرى، ما هو إلا نتيجة حتمية وفيزيائية، لملء وسد الفراغ الاستراتيجي الناجم عن التقهقر الأمريكي الغربي، وتعبير عن واقع لوجستي ضاغط بدأ بالتبلور مؤخراً على الأرض في ظل الانكفاء والتراجع الغربي الواضح، بشكل عام، على عدة صعد ولاسيما العسكري عبر ترنح الناتو والهزائم بالجملة للولايات المتحدة، أو الاقتصادي عبر انهيار اقتصادات الغرب وغرق اليورو والدولار، ومحاولة ترميم كل ذلك عبر شن الحروب على الدول والشعوب الأخرى وسرقة خيراتها ومقدرات تحت أزعومات التغيير والربيع والثورات المخملية والبنفسجية والأرجوانية والقرمزية والبرتقالية....إلخ ورايات الديمقراطية وحقوق الإنسان الخفاقة والمحمولة، في هذه الأيام، ويا للمفارقات، على البعير والهجن العربية ودشاديش الطالبان وعقالات الوهابية.

 لم يعد، بعد اليوم، وكما بدا من جلسة الأمس لمجلس الأمن على الأقل، بإمكان القوى التقليدية الاستفراد بالقرار العالمي ومصادرة مصائر الشعوب، والاتجار بتطلعاتها، وفرض الوصايات عليها من قبل أحد، أو اللعب بأقدار الأمم وإزاحة أنظمة وفرض أخرى تأتي على مزاجها، وتصنيع "الكرازيات" والدمى المتحركة، أو تشكيل الخرائط السياسية، وفق هوى تروستات المال الاحتكاريالعسكريتاري الغربي وأذنابه وعملائه المحليين والإقليميين. ولم يعد الغرب المنهار صاحب الكلمة والقرار العالمي. ومن هنا تقتضي الحكمة مراجعة الذات والإقرار، ولو على مضض، بوجود ونهوض لاعبين جدد أنداد في الميدان، وبناء السياسات وإعادة التموضعات والتحالفات في ظل هذا الواقع الجديد والمتغيرات التي لا يمكن القفز من فوقها.

 وأما الإصرار على السياسات، أو لنقل الحماقات القديمة، فما هو في الحقيقة، سوى محض عبث وجهل بضرورات تلبية استحقاقات هذا الواقع الجديد، والدوران في نفس حلبات السيرك القديم.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز