نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
المادة الثالثة: وجعلناكم بعضكم فوق بعض درجات

صحيح، ونعترف أن هناك إشكالية ومعضلة كبرى سواء في فرض، أو في تجاوز المادة الثالثة من الدستور السوري، وتجاوز إرث وتاريخ كامل بذلك، لكن الأصح أن سوريا بلداً استثنائياً وغير عادي، والأكثر حكمة أن يكون قد تمت معالجتها بطريقة ما، ومن قبل لجنة أكثر كفاءة وأهلية وسعة وإحاطة معرفية ودستورية وقانونية من هذه اللجنة التي ظهرت تماماً، ولا فرق، كلجنة هيئة كبار العلماء في السعودية من حيث نظرتها للمواطنة، ومن حيث ضيق الأفق الدستوري، وقلة الحيلة، وانعدام الخيارات والمخارج القانونية أمامها.

 فكل ما فعله جهابذة الدستور العنصري السوري الجديد المقترح، وعبر مادته، الثالثة، هو الانتقال بسورية من سلطة الفاشية القومية المتمثلة بحزب البعث إلى سلطة الفاشية الدينية المتمثلة بالمادة الثالثة، ونقول سلطة وليس دولة لأن شتان ما بين المفهومين، فهذه في وادٍ وتلك في واد. إذ يحق بموجب المادة الثالثة لأي مسلم(1) مهاجر، حتى لو كان من الصومال، وإندونيسيا، وبنغلادش، كان قد أقام في سوريا لمدة عشر سنوات، أن يترشح لرئاسة الجمهورية، فيما لا يحظى السوري غير المسلم، بهذا الشرف، حتى لو كان ابن أحد سكان سورياً الحضارة والتاريخ من آلاف السنين، أي من سكان وأصحاب سوريا الأصليين، ما قبل الغزو الصحراوي المسمى بالفتوحات، ما يجعل من رطانة أعضاء لجنة الصياغة عن الفتح الكبير في إنجازه، محض هراء وكلام فارغ وثرثرة وضحك على ذقون العباد، إذ تجب هذه المادة كل ما في الدستور من حسنات وإيجابيات، وبالتالي سيكون أي حديث عن تعددية سياسية، وانتخابات، وحريات ومساواة مجرد عملية نصب واحتيال ولف ودوران وتشاطر وتذاك وهرطقات وخزعبلات وألعاب خفة صبيانة سخيفة ومضحكة، فحين يجد الجد يكون الجميع محكومين بشرط المادة الثالثة المخجلة والمشينة التي تسلب البض حقوقاً وتجعلهم بذلك أدنى مرتبة مواطنية من آخرين، أي تقول بصراحة وجعلناكم بعضاً فوق بعض درجات.

وبكل صراحة، صرت أشعر بالخجل من نفسي، وبالحرج من كل إخوتي السوريين في المواطنة، من غير المسلمين، ولا أدري ماذا سأقول لهم في تبرير وتفسير هذه الفاحشة الدستورية والممارسة اللا أخلاقية وهذا الفعل العنصري المشين ضدهم، وسأبقى أناضل معهم حتى إزالة هذه المادة المروعة من على كاهلهم، وأقدم اعتذاري وأسفي الشديد من كل إخوتي الأعزاء في المواطنة السورية على هذه الزلة والسقطة والردة الحضارية والإنسانية والأخلاقية والإثم الكبير الذي ارتكبته اللجنة المصونة بحق غير المسلمين السوريين، إذ أثبتت تخلفها الحضاري وفقرها المدني وضيق أفقها الإنساني وتشبثها بذات الإرث الاستبدادي القسري الرث القديم. وحين يفرض دستور ما ديناً، أو عرقية، أو صفة ما، كشرط لتولي منصب عام، فإنه عملياً ينسف مبدأ المواطنة من جذوره، وهو، كما نعلم ولا يعلمون، الشرط الأساس في عملية بناء الدولة الحديثة التي نراها اليوم في غير مكان من العالم، والتي حققت قفزات نوعية سياسية، واقتصادية، واجتماعية، بفضل إعلاء شأن الفرد المواطن وقيم المواطنة على اعتبار انتمائه للأرض والوطن، وليس بناء على انتمائه لعرق ودين، أما هذا الدستور بمواده التمييزية والدينية فهو عودة إلى عصر ما قبل الدولة العصرية الحديثة، أي الدولة الثيوقراطية، والممالك الأبوية الهيراركية، وللتجمعات والتحزبات الفئوية والقبلية.

 وبت أرتاب وتنتابني مشاعر ألم وإحساس بالعار، والغضب والاشمئزاز من أولئك الذين نسفوا حلماً وطنياً عظيماً، أي أعضاء لجنة صياغة الدستور، بصفتهم الاعتبارية لا الشخصية، إذ فوّتوا، وقوضوا لحظة تاريخية سورية عظيمة للتخلص من كافة أشكال وآثام العصبويات والفاشيات وأنماط التسلط الماضوي الما قبل مدني والما قبل حداثي، وأعادوا سوريا إلى ذات القفص والقمقم القديم، وإن كان ذلك بثوب واسم جديد. وأدعو إلى قيام تحالف وطني تنويري لطلب استدعاء وجلب ومساءلة لجنة صياغة الدستور أمام البرلمان السوري الحر القادم المنتخب للكشف عن ملابسات ودوافع وخبايا إقحام هذا اللغم الفاشي والعنصري في دستور سوريا الجديد، كونهم يعملون ومنذ تلك اللحظة، على التمهيد لنشوب نزاعات أهلية وصراعات مجتمعية مستقبلية وصدام حتمي جراء فرض مادة عنصرية تمايز وتفاضل وتعاير بين المواطنين، فهل يعتقد "الأشاعرة الجدد" أن غير المسلمين، المستخف بهم دستورياً ومهضومي الحقوق شرعياً، سيقبلون بهذا الضيم، أو سيسكتون عن حق طبيعي سلبه إياهم "الأشاعرة" الجدد؟ حق كان سيمنح لهم فيما لو عاشوا في أي بلد آخر غير الوطن السوري.

 وكان الأجدر، والأعقل للجنة الصياغة، أن تغفل أي ذكر لتلك المادة، وأما فرضها من دون الرجوع والاحتكام إلى المزاج والرأي الشعبي فهو الاستبداد والظلم بعينه المفترض أن يكون قد أصبح من الماضي في سوريا الجديدة كما يرطنون ويعلكون ويجترون ويطحنون حين تقول لنا المادة الثالثة علناً وصراحة أن السوري المسلم هو أولاً، وهو المؤهل وحده لقيادة البلد والمجتمع، كما كانت تفعل المادة الفاشية الثامنة، سابقاً. وأن السوري غير المسلم هو ثانياً، وغير مؤهل، بحكم انتمائه الديني لقيادة البلد والمجتمع، ‘ذ يصبح الانتماء الديني ها هنا ميزة وامتيازاً للبعض، وسبة ولعنة وشؤماً للبعض الآخر، ومدعاة للحرمان من حق وطني. لاشك هناك تجاوز وانتهاك كبير وإثم فظيع في صياغة وتبني هذه المادة، وهذا يتطلب نفيراً وطنياً مدنياً عاماً، وهنا لا بد من التساؤل أين هي تلك الجماعات الحقوقية، والأصوات، والجمعيات، و"الإعلانات"، و"المجالس"، والشخصيات التي كانت عل الطالعة والنازلة، و"عمـّال على بطـّال"، تشهـّر بالمادة الثامنة، وتتحدث عن احتكار السلطة بالبعثيين، ولكنهم صمتوا عن هذه المادة التي تميز بين المواطنين؟ ولماذا كان تفضيل وتميز البعثيين رغم أنهم من كافة أطياف المجتمع(2)، أمراً حراماً ومنكراً ودكتاتورياً وشمولياً واستبدادياً، ولماذا تميز المسلم السوري، دستوريا عن نظرائه السوريين حلال زلال؟ لا ينطبق على لجنة وأعضاء صياغة الدستور الجهابذة الأفذاذ العباقرة والفلاسفة المتفذلكين الكبار سوى المثل القائل: " إجا ليكحلها فعماها"، وكل دستور فاشي وعنصري وأنتم بألف خير وجعلنا الله وإياكم، جميعاً، من الفرقة الناجية، من دساتير آخر الزمان.

 هوامش:

 (1)- كما أسلفنا سابقاً، هناك إشكالية حتى في تحديد من هو المسلم، ولا يوجد إجماع واتفاق عام على من هو المسلم، طالما أن التكفير جار على قدم وساق، فحتى مؤسسة الأزهر لا يوجد لديها تصور واضح حول الأمر، ولا عند مفتي الناتو الجليل، أو هيئة كبار العملاء في السعودية.

 (2)- يبدو البعث ومع التحفظ الكبير ورغم سلفيته الظاهرة، أكثر انفتاحاً وتطوراً وعصرنة في مادته الثامنة من المادة الثالثة حيث لم يغلق الباب أمام أي سوري لتبوء أي منصب في سوريا.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز