نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
سوريا: المسلم قائداً للدولة والمجتمع

باجتماعات لجنة صياغة الدستور كنا نتوقع أن يصدر دستور سوري عصري جديد علماني شامل وتوافقي، يتماشى مع الواقع السوري، ويـُرضي كل الأطياف السورية، ويلبي طموحاتها في العدالة والمساواة والإخاء، ويعكس، بنفس لوقت، حقيقة الثراء، والغنى، والتنوع، والتفرد المجتمعي السوري، وبحيث لا يتم تغليب فئة على فئة، ولا تنصيب فريق على آخر، ولا إعطاء أية امتيازات لمجموعة على مجموعة، أو منح صك حصري لهذا أو ذاك لقيادة الدولة والمجتمع في سورية.

غير أن كل التوقعات والتمنيات كانت مخيبة للآمال، ومحبطة ولا ترتقي لمستوى طموحات جميع السوريين، بدستور عادل وشامل يتساوون فيه جميعاً بالحقوق والواجبات، ويتمتعون بكامل امتيازات المواطنة غير المنقوصة، ولا يكون أحد وصياً على أحد، أو لدى أي أحد آخر "شعرة زائدة"، تميزه عن الآخرين من أبناء وطنه. لقد كان جل النقد الموجه للدستور السابق، دستور العام 1973، هو تنصيب البعث كقائد للبعث والدولة، عبر "تنصيب" وإشهار المادة الثامنة من الدستور في وجه الجميع، وما جرّ ذلك من ويلات وكوارث مجتمعية، وسياسية، واقتصادية، على ذات الدولة التي انفرد في حكمها، وكان قائداً لها، واحتكرها لأعضائه ومواليه من الباب للمحراب، وهمـّش، وأخرج باقي فطاعات وفئات وتيارات المجتمع السوري السياسية والفكرية من دائرة الفعل والشأن العام، وبلغ، في ممارسات "ألترا"-فاشية، Ultra-Fascist، درجة وصلت حد قطع أرزاق الناس، فمن لم يكن ذات يوم منضوياً تحت رايات الرسالة الخالدة، ومؤمناً بشعاراتها الشهيرة في التبعية المطلقة والعبودية للأعراب وتنصيبهم قدوة وأيقونة على رقبة كل سوري، كان يحرم من العمل والتمتع بأبسط الحقوق الوطنية.

 وأتت، اليوم، اللحظة التاريخية الضرورية والملـّحة للتخلص من تلك المادة البغيضة، ليس لمضمونها السياسي والإيديولوجي وحسب، بل لجهة بنيتها وتركيبها العرقي الفاشي الذي يسيـّد، ويفوض، ويميـّز العرق "العربي" على باقي الأعراق والمكونات المجتمعية السورية الأخرى، ما أخرج هو أيضاً، وعلى نحو جماعي، مكونات وأطياف، وألواناً سورية أخرى من دائرة الفعل والاهتمام والتفاعل بالشأن العام.

وإذ كان النقد موجهاً للبعث، بالدرجة الأولى، في الدستور "السابق" لجهة تأثيره وخطره السياسي والعرقي، سورياً، فإنني أعتقد أن ذات الخطأ سيتكرر هذه المرة، مع الدستور الجديد، لجهة تأثيره وخطره الديني مع وجود مكونات سورية شتى غير مسلمة واصطدام المادة الثالثة بتطلعاتهم وحقوقهم الوطنية المشروعة، وبهذا فهو يسلب، وعلى نحو غير شرعي، ولا قانوني، ولا إنساني مكونات سورية أصيلة في المجتمع السوري، من حق أساسي من حقوق الإنسان المنصوص عنها في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان. وقد يقول قائل: أن هذا حق من حقوق الأغلبية الديموغرافية السورية.

 وهذا، برأينا، حق مشروع، وصحيح بالمطلق، لكن الأصح هو أنه طالما هناك عملية ديمقراطية وطالما أن هذه الأكثرية هي التي ستنتخب الرئيس العتيد فلم الخوف من رأي الأكثرية وهل سيكون من خارج هذه الأكثرية؟ ولم لا يترك الأمر لصناديق الاقتراع التي ستنتخب الرئيس المسلم؟ وطالما أن العملية تحصيل حاصل طبيعي فلم تكريس ذلك على نحو دستوري واستفزاز المكونات الأخرى، كما كانت المادة الثامنة تستفز التيارات السياسية والفكرية غير البعثية؟ ولماذا هذا التركيز الاستفزازي على دين الرئيس، وتقديمه على مبدأ المواطنة؟ هل نحن في دولة دينية ثيوقراطية قروسطية، شرطها الرئيس دين الرعية، ودين الرئيس ولا تلتئم، ولا تقوم، ولا تستمر إلا ببعدها الديني؟ أم في دولة مواطنة مدنية عصرية وحديثة شرطها الرئيس الانتماء الوطني؟

 ألسنا بذلك نرجع للمربع القديم ونذعن للتيار المحافظ والسلفي، وننصاع لمزاجه، ونتجاهل تطلعات وأماني المكونات الأخرى، ونعطي ذاك التيار لوحده الحق في قيادة وتوجيه العملية السياسية والسلطوية وفرض شروطه الدستورية على الجميع، بدل الارتقاء حضارياً وإنسانياً وإغفال أي ذكر لأي دين، أو عرق، وطائفة، ولون أمام مبدأ المواطنة الإنساني العظيم والجديد، الذي توصلت له البشرية، والغرب الأوروبي تحديداً، في صلح وستفاليا، بعد صراع مرير بين الكهنوت الديني والقوى التنويرية الصاعدة في حينه، وحروب شرسة لم تبق ولم تذر، وحيث أطلق شعار الدين لله والوطن للجميع؟ نعم قد يكون إلغاء المادة الثامنة من الدستور السوري إنجازاً ونجاحاً ملحوظاً وتلبية لمطلب مجتمعي عام فليس هناك شعرة زائدة على رأس البعث والمناضل البعثي، لكن في ذات الوقت حصلت نكسة وخيبة كبيرة وزلة و"ردة" دستورية في الإبقاء على تلك المادة "النافرة"، والفاقعة والمرفوعة في وجه كل سوري غير مسلم، وحبذا لو أكملت لجنة صياغة الدستور، "معروفها"، وخيرها وأزالتها كما أزالت المادة الثامنة، لكانت اللجنة بدت أكثر عصرية، ومنطقية، وترجمة فعلية لمبدأ المواطنة العظيم، المفترض في الوضع السوري، وتلبية لتطلعات جميع السوريين.

 والسؤال هل هناك ثمة فرق كبير، دستورياً وقانونياً، ومن حيث النتيجة، بين المادة الثامنة التي تقول: " البعث قائداً للدولة والمجتمع"، والمادة الثالثة التي تقول صراحة: "المسلم قائداً للدولة والمجتمع"؟ وهل هناك "شعرة" زائدة على رأس المسلم السوري تميـّزه عن غير المسلم السوري؟ ختاماً، لا يوجد دستور عادل يميـّز ويفاضل بين مواطنيه بهذه العلنية والمباشرة والصراحة، ولا يوجد مواطن حقيقي بحقوق منقوصة، ولا يجوز حرمان أي مواطن من أي حق من حقوقه الممنوحة للآخرين تحت أية ذريعة، هذا خرق فاضح لذات الدستور، ويتناقض مع مواد فيه، وغير موجود أو جائز في الدساتير العصرية، أما في الدساتير والدول الدينية مكل شيء يجوز.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز