نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
رسالة إلى معارض سوري

بداية وقبل كل شيء كل إنسان يتصرف بأصله وأخلاقه وتربيته ومنشئه، وكنت أردد دائماً ما علي من الآخرين إن أخطؤوا أو أساؤوا، المهم ألا أخطئ أو أسيء أنا، وكما نعلم جميعاً فإن أي اختلاف بالرأي مع الآخر لا يجب أن يكون مدعاة للحقد والكراهية والتشنج والعدائية والتعصب والعصابية والاستنفار ورفع المصاحف فوق أسنة الأنترنت والفيسبوك كما هو حالنا اليوم، جميعاً وبكل أسف، وكما هو تاريخنا المشين والوضيع والمهين الذي يسمونه بالتاريخ العربي والإسلامي الحافل بهذه السير التي أورثتنا هذا الركام الهائل من الدم والحقد والتشرذم والتذرر الأفقي والشاقولي المجتمعي والسياسي

 والمصيبة أنّ البعض، وعلى رأسهم نظام البعث السلفي، والذي ساهم جداً في هذه المآلات الكارثية من خلال تبنيه للثقافة إياها، يتفاخر بهذا التاريخ غير المشرف ويدرّسه للتلاميذ الصغار ويحشو رؤوسهم الغضة فيه، ويمجد ثقافة الذبح ويفخـّم ويعظـّم كل القتلة والطواغيت في التاريخ المجيد إياه(1)، بحيث صار حب الاستبداد وممارسته تحصيل حاصل، وكنت قبلاً، قد كتبت هذا في مقالات كثيرة، وموقفي معلن من هذا ولن أغيره حتى لو صار العرعور إمبراطور عثماني جديد ووصل حتى عتبة بيتي.

 المهم من المؤسف أن يذهب الخطاب العام "الثوري" العرعوري باتجاهات طائفية، وتصبح "العرعرة" ثقافة مجتمعية وثورية لا نرومها قط، ولا نريدها وأعتقد أن سبب فشل أي تغيير في سوريا حتى الآن هو تطييف أي حراك وأية قضية فالطائفية خط أحمر لدى كل السوريين الوطنيين الشرفاء الذين أجهضوا، بوعيهم، محاولة عرعرة سوريا حتى الآن. الأمر الأول، من غير اللائق أو الجائز، والجهل المطبق، أيضاً، أن يضع بعض ممن يسمون بنشطاء وكتاب و"ثوار" علم الانتداب الفرنسي الذي رفعه المندوب السامي الفرنسي في العام 1932 (2) وهو علم احتلال وليس علم استقلال، وهو، بهذا، قبول ورضوخ وإذعان للاحتلال وتوق لإعادة للتاريخ الاستعماري الفرنسي، والفرنسيون يتبوؤن الحملة العدوانية اليوم ضد سوريا، وينطوي هذا على ترحيب ضمني بتدخل فرنسا بالشأن السوري وهذا ليس من الوطنية بشيء بل يشي بعكس ذلك، وإن كنت أيضاً في نفس الوقت ضد العلم الحالي لأنه علم البعث، علم "الأمة الخالدة"، ما غيرها

 وقد كتبت مقالاً بهذا الخصوص(3)، ولكني أتبناه بتصميم وعناد، لأن هناك إجماعاً وطنياً عليه ولا يجوز تغييره أو تبني غيره من دون اللجوء للوسائل الدستورية والقانونية والشرعية لا الفوضوية والعنفية واللا مسؤولة. ومع اتفاقنا ببعض العموميات والعناوين العريضة حول ما يجري اليوم ومسبباته العامة، فإننا لا نوافق على شخصنة الوضع السوري، وحصره في نطاق أضيق ما يكون، والذي هو ليس لب المشكلة، أو على تحميل شخص أو عائلة أو مجموعة بشرية ما، كما يفعل العرعور ورهطه اليوم، وزر وآثام وويلات كل ما يحصل في سورية، فما هو حاصل هو ثقافة بالدرجة الأولى، وأولاً وأخيراً، لأنه إن كان هناك استبداد وديكتاتورية وعنف من قبل النظام كما يقال، فهناك ما هو أزيد من هذا على ضفة المعارضة من عنف وقتل واستبداد وتشبث بالرأي وديكتاتورية، وبزت النظام في الكثير من الممارسات، كما رأينا حتى الآن، وهو ما يؤكد أنه غير مربوط بفئة، بل نتيجة موروثات تاريخية متراكمة لا يستطيع أحد أن يغيرها وبات من الإعجاز فعل أي شيء حيالها والدليل تشابه الأوضاع المعيشية والحياتية في عموم المنظومة المسماة عربية وإسلامية في كل شيء في السلوك اليومي للجماعات والأفراد والنخب وانحدار الحياة إلى مستويات دونية نتيجة سيادة هذه الثقافة وهذه الموروثات

 ففي مصر كان هناك آل مبارك، في ليبيا القذافي، في السعودية آل سعود إلخ، اليمن آل صالح، الكويت آل الصباح، وكلها متشابهة في إنتاج الأنظمة السياسية الحاكمة، وتستعدي كل قيم العصر السلطوية، والسؤال ليس لماذا هناك فساد واستبداد وديكتاتورية في كل هذه المنظومة، بل السؤال الأهم لماذا يجب أن تكون سوريا استثناء طالما أنها نهلت من ذات النبع الثقافي، وعاشت وعانت ذات التاريخ الاستبدادي على مر قرون من الزمان، واستمرت في ظل هيمنة هذه الثقافة وتشابه هذه الطبائع البشرية والتفكير والمنتج العقلي وتماثل الأنماط البشرية التي ستولد حتماً، وفقاً لقوانين فيزياء وكيميائية صارمة، ذات السلوك وذات الأوضاع المزرية وذات المعادلات البشرية والأنظمة السياسية وهذا ليس دفاعاً عن أحد أو تبريراً لأي سلوك بقدر ما هو توصيف وتفكيك لظاهرة الاستبداد العربي والإسلامي المقيم ونمط الإنتاج السلطوي في هذه المنظومات.

والتغيير، كما نعلم، هو نوعي بالمقام الأول وليس كمياً، أو شخصياً، فأوروبا لم تتغير، بهذا الشكل النوعي الجذري، بتغيير عائلاتها وملوكها، فإلي اليوم هناك عائلات ملكية حاكمة في قلب أوربا، بل بتغيير تراكمي ثقافي جرى عبر قرون من الضخ الثقافي والفكري لرواد النهضة التنويرية الأوروبية. والخلاف حول ما يجري في سوريا، هو هل هذا العدوان الأطلسي البدوي الأردوغاني، وكل هذا القتل والذبح على الهوية والتنكيل بالبشر والإرهاب والدموية والخطاب الطائفي وتدخل القرضاوي وتحريض العرعور والخيانة والعمالة والارتزاق والتجارة السياسية من مجلس اسطنبول وهذه الأذناب المنكرة والوحوش البشرية السلفية الفالتة من عقالاتها المتعطشة للسلطة، والتحكم برقاب العباد، تعطش مجموعاتها وجيشها الحر لدم سوريا، وكل هذا الخراب والتدمير للمنشآت العامة وإغراق سوريا بالفوضى والظلام هل هي ثورة كما تسمونها؟

 وهل من الوطنية أن تدمـّر أملاك عامة هي لجميع السوريين أم هي رغبات وممارسات شيطانية وتدميرية رأيناها من الناتو اللعين في ليبيا والعراق سابقاً؟ وأي وطني سوري، وثوري نبيل حر حقيقي يهلل لكل هذا الخراب والدمار ولا يستنكره ولا يرفضه على رؤوس الأشهاد إلا إذا كان متورطاً ومنغمساً فيه حد العمالة والخيانة والتواطؤ والارتهان؟

 وأخيراً، مع تحميلنا للإعلام السوري، البائس المتهم حتى النخاع، المسؤولية الكبيرة في المجزرة الإعلامية الرهيبة التي حصلت في سوريا، عبر احتكار الإعلام السوري، والإطباق عليه، بيد مجموعة قليلة، صار فيه أعلامنا إعلام الصوت الواحد واللون الواحد والخطاب الواحد في ببلد سمته وغناه وتفرده هو بتنوعه وثراء حضاراته العظيمة التي تعاقبت عليه وكثرة مبدعيه وتعدد مكوناته في ما يشله عملية الإبادة والتطهير الثقافي والفكري عبر فرض ثقافة واحدة، وتناوبت هذه الثلة الإعلامية على اغتصابه وحلبه حوالي نصف قرن ولم تقدم لا لنا ولا له أي شيء وما زالت حتى اللحظة تمارس نفس تلك السياسة الطائشة الهوجاء، عبر المزاجية والشخصنة والكيدية والتحزب والمحسوبية والنفعية والمحاباة، وغياب المهنية والموهبة والإبداع والنجومية عنه، وكأننا في مزرعة وشركة خاصة يملكها أفراد بعينهم، وحدهم لا شريك لهم، وأستغفر الله لي ولهم على أية حال، وليس في حقل إبداع وطني عام مفتوح أمام الجميع بكل مساواة، وأدى تهميش(4) وإقصاء ومعاداة ومخاصمة وازدراء مجموعات كبيرة وأطياف عديدة من المثقفين والكتاب السوريين والتشهير ببعضهم وتخوينهم(5)، الذين وجدوا في قنوات التضليل والفتنة (هذه من الإعلام السوري إي وأيم الله وليس من عندنا)، ملاذاً وحضناً لهم بعد أن لفظهم الإعلام السوري وتعمد بغباء، وعنجهية وغطرسة واستكبار، عدم احتوائهم، وتهجيرهم(6) إلى تلك القنوات والمنابر، فإن التشهير بالوطن عبر ذاك الإعلام التحريضي الفضائي الخارجي مستهجن ومذموم ومكروه وممقوت من قبل كل سوري، مع الإقرار بالمسؤولية الكبرى للإعلام السوري ولوزراء الإعلام المتعاقبين عليه، فيما يحصل بهذا الصدد، ومع الإيمان بحق أي كان التعبير عن آرائه وإيصال صوته عبر إعلامه الوطني، لكن التحول لسلوك مغاير ومتطرف ومنحاز وغير موضوعي وتشهيري وشخصاني مناف للطبيعة الوطنية، عبر هذا التجييش والترصد والشخصنة، هو أمر عليه الكثير من الملاحظات وكثير من إشارات الاستفهام، ولا يشرّف أحداً، وهو آني وليس للتاريخ، وليس من البطولة والرجولة والعنترية الإقامة في الخارج وممارسة هواية السب والتشهير بالبلد عبر قنوات، وجهات مشبوهة، وأدوات معروفة، وقوى عالمية شيطانية وشريرة اشتهرت بتاريخها الاستعماري القذر الإجرامي الإمبريالي، لا تريد خيراً لا بسوريا ولا بالسوريين.

 وآخر دعوانا، أن عاشت سوريا بلداً حراً وعظيماً ومستقلاً ومزدهراً، وحضناً دافئاً، لكل أبنائها من السوريين.

 (1)- جنّ جنوني، وطالبت بوقفه فوراً، حين رأيت مشاهد لمسلسل القعقاع بن عمرو التميمي، الذي أنتجه قطر، وقام بدور البطولة فيه، ويا لمحاسن الصدف، سلوم حداد، وكان يقول للمشاهدين شيئاً واحداً أن لا قيمة للدم، ولا للحياة البشرية أمام الإيديولوجيا وعمليات التطهير الثقافي التي حصلت في التاريخ المجيد، وهذه قمة الفاشية، مع إضافة أن من يقوم بالقتل وسفك الدم هو مقدس وبطل. وأما العراعير الصغار الذي رأيناهم في شوارع البؤر الطالبانية، التي يسمونها بالثورة السورية، فما هم سوى نسخ صغيرة ومشوهة من العرعور الأكبر القعقاع وأمثاله، والفرق الوحيد بين هؤلاء وذاك، فقط، أن لا أحد يصورهم درامياً للتلفزيون ويعرض أعمالهم كمسلسلات ويصبحون نجوم سينمائية كسلوم حداد.

 (2)- وهو العلم الثالث في ظل الاحتلال الفرنسي. ودام استخدامه لأطول فترة في تاريخ سورية، من 1 كانون الثاني 1932 و حتى تاريخ وحدة سورية و مصر و اندماجهما في الجمهورية العربية المتحدة (1958 - 1961). تم اعتماده مرة أخرى عند الانفصال بتاريخ 28 أيلول 1961 ثم استبدله حزب البعث يوم وصوله الى السلطة في 8 آذار 1963. وبقي هذا العلم علماً رسمياً حتى في الفترات التي حصلت بها الانقلابات في الأربعينيات و الخمسينيات و لمدة 27 عاماً. و هو يسمى "علم الاستقلال" لأنه كان العلم الرسمي عند تحقيق الاستقلال يوم الأربعاء في 17 نيسان 1946 ولكنه في الحقيقة علم احتلال.

 (3)- تجدون المقال، والله يعينكم، ودام ظلكم، على هذا الرابط:

 http://www.arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=24053

  4مقابل تهميش كتاب ومثقفي سوريا على نحو غريب وغير مفهوم أو مبرر استمر حتى اللحظة، فتح الإعلام السوري أبوابه وشرّعها، سداحاً مداحاً، للغرباء، والمرتزقة الذين أثروا من ورائه، وخاصة من لبنان "الشقيق"، ووجد الكتـّاب والمثقفين في سوريا أنفسهم فقراء منبوذين في أوطانهم، وكالأيتام على باب اللئام، وممنوعين في مسقط رأسهم وتراب أجدادهم من ممارسة حقهم وأدوارهم الطبيعية في الحياة.

 (5)-عمدت صحيفة مافيوزية سورية شهيرة، قبل نحو سنتين، على تخوين مجموعة من الكتاب السوريين واتهامهم بالعمالة لإسرائيل وتواطأ القضاء السوري "العادل" معها بشكل ملحوظ وفاقع.

 (6)- اتصلت أكثر من قناة فضائية "مغرضة" في عز الأزمة للتحدث والظهور بها، فاعتذرنا، مع عدم إعفاء وزير الإعلام من المسؤولية في تجاهل والاستخفاف بأصوات وطنية سورية معينة ومعروفة وعالية المهنية والكيد والترصد لها والتعتيم عليها، وشخصنة الإعلام، عماد فوزي الشعيبي مثالاً، وكأن الإعلام السوري ملكية خاصة، وهذا سلوك مريب وغريب وغير مبرر ومدعاة للمساءلة الوطنية والمهنية والقانونية في المستقبل.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز