نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
الرسائل الأموية: ان هذا..يريد هذا..والا .. فهذا !!

أكثر مايحير الدارسين في التاريخ هي تلك الانعطافات اللامفهومة في أحداثه رغم عدم توفر مقدمات حدوثها ..البعض يرى أن سبب ذلك يعود الى أن من يغير التاريخ هم اما الشجعان الجسورون أوالحمقى المتهورون .. فكلاهما لايتنبأ التاريخ بما يفعلون ..ومايحدث الآن هو صراع بين الجسارة والحماقة .. حماقة يمثلها شيخ اسمه حمد وحالم اسمه أردوغان وصبيان لبنانيون وشيوخ نفط .. وجسارة يمثلها ملايين من الشبان السوريين الوطنيين قرروا ألا يسمحوا للحمقى أن يمسكوا بلجام التاريخ الى مالانهاية ..

والبعض يقول بل ان التاريخ يلوي المسارات بشكل مفاجئ كمن يلعب معنا الورق بمهارة ويفاجئنا بورقة يخفيها حتى نهاية كل لعبة..وقد تكون هذه الورقة شخصا أو بلدا أو حادثة بعينها .. سلوك التاريخ معنا يثبت أننا معشر البشر مقامرون ولسنا لاعبين وأننا لن نفهم حركة التاريخ ومزاجه ..لذلك يفاجأ الناس دائما بالورقة الأخيرة لكل حدث تاريخي كبير كانت فوق كل التوقعات رغم أن البشر اعتقدوا أنهم ملكوا كل الاوراق الرابحة ..

أكبر دليل على هذه اللعبة التي يحبها التاريخ هو طريقة انهيار الامبراطوريات الحاد عبر التاريخ وتعثر المشاريع الكبرى في بعض مفاصل الزمن ..انه ارتطام مفاجئ مدو من غير حساب أو توقع بحاجز القدر ..ومثال ذلك هو تعثر التمدد العربي الاسلامي نهائيا بعد آخر معركة للفتح في "بواتييه" بعد جبال البيرينيه في معركة بلاط الشهداء مع شارل مارتيل الفرنسي حيث لم تقم للفتح بعدها قائمة .. ومن بين الأمثلة سقوط التمدد العثماني في أوروبا نهائيا بعد معركة فيينا .. وكذلك انهيار التمدد المغولي بعد معركة عين جالوت بقيادة الظاهر بيبرس ..معركة واحدة ..وهزيمة واحدة  ..وانعطافة نهائية ..  

بالطبع سيهتاج خصومنا اذا قلنا ان ما يسمى الربيع العربي (الذي ليس فيه طيور سنونو بل طيور الناتو) كحدث تاريخي قد تعرض بالضبط لتلك الانعطافة والانحناءة القسرية عند النقطة السورية وان التاريخ ان لم يكن قد سها عن هذا الربيع العربي فانه لاشك قرر في لحظة ما أن يلقي بورقة النهاية .. وبالطبع سيحاول خصومنا الابتسام بسخرية .. لكن هذا لايهم طالما أننا نعرف أنها ابتسامة الأبله الذي لايعرف ماذا ينتظره .. فلقد تحول الحدث التاريخي الى غير رجعة عندما شردت اللحظة التاريخية للربيع العربي ولن تعود تلك اللحظة مهما فرشت لها المطارف والحشايا .. والقدر سيرمي ورقته الرابحة أمام اللاعبين الذين سيصابون بالذهول ..قريبا ..

في قراءة هذا الذي يسمى الربيع العربي لابد من مواجهة معحبيه والمتيمين به بالحقيقة وهي أن هذا الحدث المصيري التاريخي الذي رسمه المجانين بالتاريخ من الصهاينة ونفذه الحمقى بامتياز انطلاقا من قطر وتركيا (حيث الأولى أكبر احتياطي للغاز والخيانات .. والثانية أكبر احتياطي للصلف الفارغ والمرارة التاريخية) ..هذا المشروع تعثر بورقة ألقاها التاريخ في نهاية اللعبة ..وهذه الورقة اسمها سورية ..أما لماذا فاليكم التفاصيل..

لم يعد المراقبون يختلفون  من كل المشارب أن اللحظة التاريخية السورية أعيتهم وأتعبتهم وأصابتهم بالملل ..وبدأت الآن اعترافات أن التاريخ انحرف في لعبة الربيع العربي عن مساره .. وسيسلك دربا وعرة .. فليس الا من قبيل الوهم القبول الآن وبعد هذه الأشهر الطويلة أن الأحداث السورية ستنتهي في صالح الحمقى والمجانين .. مع أن حمقى وأشرارا آخرين يدفع بهم المجانين في هذه العجالة لانقاذ "تكويعة" التاريخ فيغادر جعجع الى أربيل ويتلوى أوغلو بين خطوط الجغرافيا والديبلوماسية .. ويزيد الشيطان برنار هنري ليفي من ظهوره العلني في عواصم المنطقة ..

في ملاحظة ذكية لتقرير تحليلي ألماني مطول نشر عن أحداث العالم عام 2011 يقول أحد كتاب التقرير بأن اللاعب السياسي السوري يمارس بهدوء أعصاب اللحظات الصعبة في كرة القدم عندما يدرك مدرب فريق ما أن فريق خصمه ارتفعت معنوياته وبدأ يظهر فنونه الكروية في هذا الجو وتحول الى تسجيل أهداف التعادل بعد الخسارة ..ودفعت النشوة بالانتصار والأهداف المتلاحقة وارتفاع مستوى الأدرينالين فريق الخصم الى الضغط والهجمات المتلاحقة التي قد تثمر عن هدف الفوز...فيلجأ المدرب الذكي على الجانب الآخر الى امتصاص هذه الفورة والاندفاعة بتمييعها عبر الطلب من لاعبيه بالقاء أنفسهم أرضا وتبريد اللعب وتقطيع أوصال الوقت بالارتماء على الأرض والمبالغة في التألم ..وفي لحظة ما يقوم بطلب التبديل ..وكل ذلك لاطفاء فوران الخصم والتهابه واستعادة زمام المبادرة ..والانقضاض عليه..

حمقى الربيع العربي في قطر وتركيا والمخططون الغربيون لاشك أصابتهم النشوة وازادت ثقتهم بالنصر بعد توالي النجاحات السهلة في شمال افريقيا .. فمن تنصيب أمير قطر زعيما ومشرفا على الثورات العربية واطلاق يد الاسلاميين الجدد في تونس الى نجاح منقطع النظير في مصر الى انجاز دموي فظيع في ليبيا .. ولم يبق الا هدف الفوز ..وأغلى الأهداف وأثمنها ..وهدف كأس البطولة ..أي الهدف في المرمى السوري ..لكن تبريد الأحداث هو مايخشاه الغرب .. وهذا ماصار يسبب أرق حمد بن جاسم الذي يريد تصعيد الموقف ودفعه نحو مجلس الأمن في وقت يطلب المدرب السوري اجراء تبديل للاعبيه ..!!!

يلاحظ التحليل الألماني أن السوري بارع في هذه الحيلة السياسية .. حيلة مدرب كرة القدم ..وقد لعبها منذ عام 2003 بعد غزو العراق أكثر من مرة ومايلفت النظر – حسب آ. هاكن شفايكرت أحد كتّاب التقرير - أن عملية تبريد اللعبة احتاجت دوما من السوري الى عام على الأقل قبل ان يقلب اتجاه اللعبة بهجمة مرتدة .. فتبريد الجو والركون الى لعبة التفاوض بعد غزو العراق مكنته من تثبيت وأطلاق المقاومة العراقية خلال عام واحد والتي لجمت الأمريكيين بعد عامين من الغزو ورسمت لمشروع تحرير العراق الذي رأيناه ناجزا منذ أيام .. وعندما اغتيل الحريري عام 2005 احتاج السوريون الى تبريد اللعب بالانسحاب من لبنان (في جو ارتفاع معنويات فريق 14 آذار) لكسب الوقت في التحضير الصامت الكثيف للمواجهة الكبرى المتوقعة بعد عام في سنة 2006 التي انتهت بهزيمة مدوية لاسرائيل وحلفائها اللبنانيين .. ثم عاد الهجوم عام 2008-2009 عبر محاولة تحطيم حليف السوريين في غزة للتخلص من مخلب سوري في ظهر اسرائيل لكن السوري قلب اللعبة في غزة وجعلها معركة ستالينغراد رغم حصار خانق على غزة عبر لعبة الأنفاق .. الى أن وصل عام 2011 والهجوم الاسرائيلي بأداة جديدة هي الربيع العربي .. فاحتاج السوريون كل عام 2011 لتبريد اللعبة وسيكون عام 2012 عام انقلاب اللعبة كما يجزم شفايكورت ..عام كامل كما في كل مرة قبل انطلاق الهجوم المعاكس ضد القوى الخارجية التي تورطت في اللعبة ..

وفي لعبة الأرقام والزمن يلاحظ شفايكرت ملاحظة طريفة لكنها تعني له كمحلل كثيرا وهي أنه منذ تسلم الرئيس بشار الأسد السلطة عام 2000 هناك احتكاك ومناوشة بينه وبين الغرب كل 2-3 سنوات وبشكل صار شبه منتظم ودوري وتنتهي المناوشة لصالح السوريين ..أي في 2003 - 2004 (العراق وتهديد كولن باول) ثم في عام 2005-2006 (اغتيال الحريري وحرب لبنان) ..وفي 2008-2009 (حرب غزة وحصارها)..ثم في 2011-2012 (حروب الربيع العربي) ..

ولذلك _حسب التقرير - فليس هناك شك أن عملية تبريد الهجوم عبرالازمة السورية الداخلية قد وصلت ذروتها وأن عام 2012 هو عام الهجوم السوري "وحلفائه" المعاكس ..ومن هنا اشتد الحديث الغربي عن طلب قوات عربية وتجدد التهديد بسيناريو التدخل الخارجي ..وخاصة بعد أن تعهد الأسد شخصيا وصراحة في آخر خطاب له أن النصر "قريب جدا" وهذا تصريح وتعهد لايطلقه رئيس دولة (عرف عنه شح التصريحات) الا بعد اليقين منه ولذلك يتم التركيز من قبل الخصوم على معرفة المدى الزمني لكلمة "جدا" الواردة في العبارة ..فهي لاتتعدى أسابيع في العرف السياسي على أبعد تقدير كما يعتقد على نطاق واسع.. وكان هذا كفيلا باطلاق كل التكهنات والتهويلات بقرب اعلان الحرب على سوريا بل وبقرب نهاية عهد الأسد ..واستعار الحرب الاعلامية ..

والملاحظ أنه في الأشهر الماضية الضرورية جدا للسوريين تمكنوا من شراء مايلزم من الوقت اللازم لأية مواجهة ففيما لم يتمكن القذافي من تدارك الهجوم لمواجهة سيناريوهات اسقاطه التي تدحرجت دون أن تعطيه فرصة التقاط الأنفاس قام السوريون بالحصول على كل الوقت عبر دعم حلفائهم الروس لهم في مجلس الأمن واستعراض الايرانيين لعضلاتهم في وجه تركيا التي انكفأت تنتظر الدرع الصاروخي الأمريكي قبل أن ترفع صوتها مجددا .. ثم قام السوريون باجراء مناورات عسكرية مهمة جدا بكل صنوف الاسلحة لتدريب قواتهم وتجريب تكتيكات عسكرية لعدة سيناريوهات صارت واضحة المعالم لمواجهة في الشمال أومواجهة في الجنوب .. ولعل الأهم هنا كان التزود بمنظومات أسلحة في منتهى الحساسية وسيكون لها دور حاسم في اية مواجهة مع الغرب أو تركيا ..أو اسرائيل.. ووضع كل خطوط التنسيق جاهزة مع الحلفاء ..

الاستفزازات الداخلية المتكررة عبر عمليات نوعية ضد السكان المدنيين والنخب العسكرية السورية التي ارتكبتها المعارضة كان يقصد منها نسف المبرّد السوري واطلاق حرب دينية داخلية عبر اطلاق مجموعات وفرق موت وتعذيب مدربة ..وذلك لاشغال النظام باطفاء حرائقه وليس في التحضير لخطوته التالية .. لكن فرق الموت المدربة الشرسة للمعارضة ستلاحقها فرق موت سورية حكومية تقصم ظهرها .. قريبا كما يعتقد التقرير ..ولم يعد من المقبول السماح مطولا بفرق الموت المتنقلة على طرقات السوريين لأن ذلك يزعزع الثقة بقوة الدولة ويزيد من تمادي المسلحين واستدراج الموالين للدولة الى مواجهات نيابة عن الدولة ..ولذلك تغدق القيادة السورية من قرارات العفو لكي لايبقى للمتورطين عذر اذا ماانطلقت عملية التطهير من فرق الموت..

ولعل أهم كسب كان في التبريد السوري هو في تحطيم أهم سلاح سري للحملة الغربية وهو .. محطة الجزيرة ومكانة أمير قطر اللذين تنكرا بالأقنعة وكان يمكن أن يلعبا دورا أكثر تأثيرا لو لم يتم اقناع الرأي العام السوري والعربي بسرعة بعملية الاحتيال الاعلامي الكبرى ..الجزيرة وأميرها كما تبين لاحقا حضرا بفعالية الى جانب كل الكوارث العربية منذ غزو العراق .. الجزيرة لعبت دورا حاسما في اضعاف روح القتال لدى الجيش والشعب العراقيين عام 2003 عبر تصويرها للموت ومشاهد الأسلحة الأميريكية الفتاكة وانقضاض الطائرات الفتّاك لتسويق ضرورة التخلص من القيادة للخروج من هذا الموت وحمام الدم ..وروجت لمقولات معارضي النظام وأصدقائهم الأمريكيين أن نظاما يموت لافائدة من مساندته ولاأمل له .. والجزيرة هي التي سوقت المشهد السينمائي لسقوط التمثال في ساحة الفردوس فيما كانت محطات غربية محايدة تصور الساحة من بعد وفيها لايبدو أكثر من بضع عشرات من الأشخاص .. ولو كانت الجزيرة محطة مقاومة لنقلت الحقيقة .. الجزيرة حاولت نفس اللعبة في لبنان وغزة ولم يكن نقلها للصور البشعة والجثث بريئا بل لقلب الرأي العام ضد مغامرات حسن نصرالله وحماس وتوجيه اللوم لهما وتحضير الشعب للضغط عليهما لطلب الاستسلام .. والجزيرة هي التي حضرت الى جانب كل فرق الموت العراقية (بلاكووتر في معظمها) وقدمت لنا كل يوم وجبة افطار بنكهة القتل السني للشيعة وبالعكس لاطلاق الاحتقان المذهبي في المنطقة ..

وأخيرا .. الجزيرة هي التي جاءت بهذه الثورات الهزيلة الملتحية بالجهل والتطرف وشهوة السلطة .. والجزيرة هي التي أعادت احتلال ليبيا وكنا يومها نعتقد أن الرئيس معمر القذافي يهذي ويهلوس وهو يتحدث عن قطر وحبوب الهلوسة والقلة التي تقوم بالثورة ..فاذا بنا نكتشف أن ماقاله الرجل صحيح ..ولولا التحويلة السورية القوية التي استنزفت الوقت من المهاجمين وكشفت الحقيقة لبقينا نعتقد أن التاريخ تصنعه أمارة ولكنا نسير الآن خلف الحمقى  .. كالحمقى والبلهاء ..  

وطالما أننا عدنا الى التاريخ .. لابد من ذكر حادثة لها دلالتها التاريخية.. فقد "قيل" في روايات الدولة الاموية أن الخليفة معاوية بن أبي سفيان عندما أراد تولية يزيد من بعده طلب من أحد مستشاريه ومقربيه ابلاغ الناس بقراره بأوجز الكلام وأبلغه ..فجمع المستشار علية القوم وقال مخاطبا اياهم: "أيها الناس ..ان مات هذا (وأشار الى معاوية) ..فهذا (وأشار الى يزيد) ..والا فهذا (واستل سيفه وشهره في وجوه الناس)... فقال له معاوية: انك أبلغ العرب ..

وعلى ذمة بعض الرواة "يروى" عن الرئيس الأسد أنه تلقى في شهر تشرين الثاني الماضي رسالة من الزعماء الغربيين يعرضون فيها صفقة يتخلون فيها عن تهديدات الهجوم والضغوط ويتخلون فيها عن المعارضة السورية ويعملون على تشتيتها مقابل أن يقبل الأسد (الذي سيرغب الغرب بعد الصفقة باستمراره كوجه مدني علماني) بتحويل سورية نهائيا الى دولة "معتدلة" في السياسة الدولية .. بلا مقاومة ولامقاومين .. أي دولة خليجية على البحر المتوسط من غير نفط ... وأن يعيد تنشيط مفاوضات السلام مع اسرائيل على هذا الأساس..والا فالطاحونة التي طحنت ليبيا ستطحنه .. ويقال ان الأسد ابتسم وقال لناقل الرسالة:

ان قبل هذا (وأشار الى رأسه) فان هذا لايقبل (وأشار الى قلبه) ....وان قبل هذا (وأشار الى قلبه) .. فان هذا لا يقبل (وأشار الى رأسه) ..ان لم يعجبهم لا هذا ولا هذا (واشار الى قلبه ورأسه) ...فهذا (واشار الى مجسم للصواريخ على مكتبه) ..

أي مرحبا بالحرب ان أردتموها ..

وبدورنا نقول لمن لم يسمع بعد الرسائل الأموية: ان هذا (ونشير الى الشعب السوري في الساحات) يريد هذا (ونشير الى خيار الرئيس الأسد المقاوم) والا .. فهذا (ونشير الى الجيش العربي السوري) ..

ولحلف الناتو واسرائيل: ان لم يضربكم هذا (ونشير الى الرئيس الأسد) ..فهذا (ونشير للرئيس أحمدي نجاد) .. والا ..فهذا (ونشير للسيد حسن نصرالله)

 

ان دمشق دوما لديها الكلام البليغ .. فانتظروا الرسائل الأموية 







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز