حميد آل جويبر
IRAHAMID@GMAIL.COM
Blog Contributor since:
06 January 2012

 More articles 


Arab Times Blogs
هلْ اتاكَ درسُ كوبي اليابانية

بين ركام الاخبار الهائل الذي كان يتدفق اولا باول من وكالات الانباء مطلع عام خمسة وتسعين ، وفيما كانت اعداد قتلى زلزال مدينة "كوبي" اليابانية تتقافز بالدقائق من الف الى الفين الى ثلاثة لتستقر عند حاجز السبعة آلاف في نهاية المطاف ، خطف انتباهنا انتحار رئيس بلدية المدينة فقد وُجد معلقا على جذع شجرة وقد ترك رسالة يقول فيها ما معناه : المسؤول الذي يعجز عن ايصال خدمة مياه الشرب لابناء مدينته اثناء كارثة وطنية كهذه لا يستحق الحياة ، والقصة ما زالت عالقة في ذاكرتي ولا اظنها ستغادرها. طبعا هذا نزر يسير من صور هذه الشجاعة النادرة ، اما الجزء الاخر فيكشف عنه مرافقوه الذين سلبهم ليلهم ونهارهم وهم يسعون الى توفير الخدمات لمتضرري الزلزال ومساعدة فرق الاغاثة لانتشال جثث الضحايا . كان رئيس البلدية حينها مشمرا عن اردانه يتنقل بمشقة بين عمارة منهارة ومدرسة أطبق سقفها على طلابها على حين غرة .

 ايضا هذا ليس كل القصة ، اذ ينقل احد مرافقيه بان رئيس البلدية كان ينتحب كالنساء الثكالى خلال فترات الاغاثة ولم يشأ يفصح لفريقه عن سبب هذا البكاء ، لكنه شوهد في نهاية المطاف بعد ان قام بواجبه الوظيفي في ذلك اليوم يطلب شيئا من المساعدة لاجراء مراسم تقليدية بسيطة لدفن زوجته التي تاخر البحث عنها بسبب الاولويات !!! طبعا الاَولى بالنسبة لهذا الكائن الخرافي هو عامة الشعب ومن ثم اولي القربى … تصور يابانيا فعل ذلك وهو لم يشنف اذنه يوما بمحاضرة لعبد الحميد المهاجر او السيد الفالي ولا جلس القرفصاء ساعة كاملة مصغيا بخشوع وروحانية لخطبة الجمعة يجلده بها احد علمائنا الربانيين وهو يحثه على الاقتداء برسول الله وهو يؤدب الناس بـ : احبب لغيرك ما تحبب لنفسك . هذا الياباني فعل ما دفعه اليه ضميره الحي دفعا فراح يغرز باظفاره تحت الانقاض بحثا عمن يمكن انتشاله من خلق الله وهو يصارع الموت فيعيد اليه فرصة الحياة ، كما جند كل الامكانيات المتاحة في بلديته من بشر ومعدات لايصال مساعدات للنازحين وكان آخر من وصلته هذه المساعدات هو اقرب الناس اليه زوجته غير ان الاوان كان قد فات .

وبعد كل هذا الجهد المضني يضع حدا لحياته الشريفة كونه قصّر في اداء واجبه ازاء من ائتمنوه على مصائرهم . اتساءل وفي صدري الف حشرجة وحرقة ، ترى كم مسؤولا عراقيا اليوم سمع بهذه القصة ؟ وهب ان بعضهم سمعها ، فمن منهم سيتلقاها باذن واعية فيجعل من هذا البطل الياباني قدوة له في عمله اليومي . لعل احدا لا يختلف معي في اننا لو وصلنا الى جزء مما وصل اليه هذا البطل من حب الاخرين وايثارهم على نفسه واسرته ، لكنا اليوم في مصاف اليابان او المانيا او السويد تطورا . الاهم من كل ذلك ، هل نحن بحاجة الى ان نستمع الى قصص الشعوب الصفراء لنتزود بدروس التضحية ؟ فهاهو التاريخ الاسلامي امامنا يعج بقصص التضحية والاباء .

 فمن اتعظ بها ؟ المشكلة اذن ليست في الشواهد والعِبَر ، انما المشكلة في من يتاثر بهذه العبر . الم يقل سيدنا ومولانا الامام علي عليه السلام قبل اربعة عشر قرنا : "ما اكثرَ العِبَرَ واقلَّ المُعْتَبِر" ؟ انك لن تحتاج الى كبير جهد لتكتشف ان ما يجري في العراق على يد مسؤولينا من دولة و حكومة وبرلمان و مؤسسات هو شيء يثير اليأس في اشد الناس تفاؤلا بالمستقبل . الجميع ، الا من رحم ربي ، يتعامل مع البلد كمتحف اثري يعج بالنفائس وقد اشتعلت في غرفه السنة النيران ، وهمُّه منصبٌ فقط على كيفية "لغف" ما امكن لغفه من هذه النفائس قبل ان تحترق فيؤمن بها حياته وحياة اسرته وليذهب بعد ذلك الاخرون الى درك الجحيم، اي بالضبط عكس ما فعل ذلك الياباني البوذي .

 طبعا لا اقصد في حديثي هذا اولئك الموهوبين الذين اتقنوا اللعبة من البداية فبطشوا جبارين وهم الان اما في العراق آمنين لا يدخلهم فزع او يصولون ويمرحون في بلدان اخرى متمتعين بميزة الجنسية الثانية التي توفر لهم الغطاء القانوني لبطشهم. لا اقصد اولئك اطلاقا فهم اقل شرا واِضرارا من كتل  بشرية ما زالت جاثمة على صدور العراقيين اذا رايتهم تعجبك اجسامهم وان يقولوا تستمع وتستمتع بقولهم الجميل بكل شراهة ، لكنك لو اطلعت على ما تخفي هذه الاجساد والاقوال لملئت رعبا ولوليت فرارا . يكفي لتكتشف اين وصلنا اَنْ تلقيَ بنظرة ولو خاطفة  على مدينة كوبي اليابانية التي سويّت قبل ١٧ عاما عندما زلزلت الارض زلزالها واخرجت اثقالها ، ثم تدير وجهك صوب اي مدينة في بلادنا لم تضرب بزلزال ، لتقارن بنفسك بين ضمير حي قَدَرَ خلق الله حق قدره فضحى من اجله، واخر لن تجدي به عشرات الخطب المنبرية لتزحزح ضميره المتجلد من مكانه قيد انملة ، والخَطْبُ سيكون ادهى وامرَّ اذا كان الروزخون واحدا ممن نزوا على منبر رسول الله كما تنزو القردةُ الخاسئة







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز