د. محمد فؤاد منصور
m_mansour47@hotmail.com
Blog Contributor since:
01 September 2010

كاتب عربي من مصر
مقيم حاليا في الولايات المتحدة

 More articles 


Arab Times Blogs
ثورة أم انتفاضة ؟! ... مصر بين ثورتين.

يخطيء كثيراً من يتصور أن ماقام به شباب التحرير في الخامس والعشرين من يناير 2011 هو ثورة كاملة أو أنها قد اكتملت ومن ثم يبدأ في تقييمها ومحاسبتها على هذا الأساس ، الأغلب ان ماحدث لم يكن أكثر من مشروع ثورة قام بها شباب فقد الأمل في أن يكون عزيزاً في وطنه وهو يرى أصحاب المصالح يتقاسمونه ويحتكرونه لصالحهم وصالح أبنائهم والدوائر المقربة منهم ، ولم يسلم من ذلك حتى رئيس الدولة نفسه الذي من المفروض أنه الراعي الصالح للجميع ، لكن الرجل الأول انكفأ على نفسه وراح يتصرف في الوطن بكامله تصرف المالك فيمايملك فيقرب هذا ويبعد ذاك تعاونه وتشجعه أسرة جعلت من نفسها أسرة مالكة تشاركه الحكم والتحكم وجوقة من المنتفعين والمدلسين والمنافقين وأصحاب المصالح تزين لتلك الأسرة ماتفعل وتبذل في ذلك كل جهد حتى انفجر البركان الخامد والذي راهن الجميع على استحالة أن ينفجر أو يتحرك ..

 انتفض الشباب الذي فقد كل أمل في الحاضر والمستقبل ،لكن تحركه لم يلبث أن أحيط بالكثير من العوائق والحواجز التي منعت جنين الثورة من أن ينمو نمواً طبيعياً يصل به إلى تمام الاكتمال . هكذا إذن تكون البدايات ، انتفاضة غير محسوبة مرشحة لأن تكون ثورة تحدث انقلاباً في مسلمات الوطن وفي الهرم الاجتماعي لصالح الأغلبية الساحقة المطحونة والمهمشة .

 هكذا حدث في ثورة يوليو 1952 فهي قد بدأت كحركة للجيش ، انتفاضة بدأها شباب وطنيون من رتب صغيرة ومتوسطة في الجيش المصري من أبناء الطبقة الوسطى الذين التحقوا بالكلية الحربية أثناء انغماس العالم في الحرب العالمية الثانية ، أغلبهم من أسر متوسطة ولم يكونوا من أبناء الباشوات والبكوات الذين أحتكروا مراكز القوة من قديم كورثة للمماليك القدامى ، ولم يكن من بينهم أحد من قيادات الجيش ذوي الرتب العالية باستثناء اللواء محمد نجيب الذي كان مغضوباً عليه من الملك ومن قيادات الجيش لاتجاهاته الوطنية الواضحة ، وحتى اللواء محمد نجيب نفسه تم ضمه للتنظيم الذي جهز للثورة وقام بها بقيادة جمال عبد الناصر ولم يكن عضواً أصيلاً فيه .

 أسموها حركة أحياناً وحركة مباركة أحياناً أخرى ،وحين انضم الشعب إليها وأيدها وهتف بحياتها وبدأت قراراتها تعمل في صالح الملايين من أبناء الشعب ، بدا جلياً أن الثورة قد استكملت أدواتها وأن ذلك الجنين قد نما ونضج وأحدث المطلوب من الثورات العظيمة من تغيير في كل البنى التحتية والفوقية في نسيج الوطن واستقام الهرم الاجتماعي على ساقيه أكثر رفعة وشموخاً من بداياته المتواضعة . من البديهي إذن أن الثورة لاتكون ثورة إلا إذا امتلكت قوة عسكرية مسيطرة ، سواء أكانت هذه القوة هي من قامت بالفعل بالثورة كماحدث في ثورة يوليو وكنست كل القيادات القديمة وعلى رأسها ملك البلاد آنذاك ،ثم بدأت في إقرار ماقامت من أجله من إصلاحات وتحقيق ماأعلنته من أهداف ، أو أن تظل جذوة الثورة الشعبية متأججة وملتهبة حتى تلتحق بها القوة العسكرية فتؤازرها وتدعمها وماعدا ذلك تظل الثورة الشعبية مجرد لوحات ولافتات وكثير من الصراخ والصياح والمظاهرات والاعتصامات وكثير من الشهداء والمصابين دون أن تتحرك الثورة للأمام خطوة واحدة ودون أن يكتمل الجنين الذي فرح به الجميع

 وغني عن البيان أن ماأشيع عن انضمام الجيش للثورة الشعبية لم يكن صحيحاً في أي وقت من الأوقات حتى وإن بدا للمراقب غير ذلك ، فمؤسسة الرئاسة كانت دائماً تتنازعها قوتان لاتخفيان على أحد ، قوة مدنية ظاهرة قوامها رجال السياسة من المقربين لرئيس الدولة الذين صنعهم بنفسه وانتقاهم على أسس الولاء المطلق له ولبقائه مهما ارتكب من أخطاء وخطايا مع الإبعاد الدائم لكل من يشذ عن هذه القاعدة أو يفكر مجرد تفكير في أن يبذل النصيحة الصادقة إذا تعارضت مع مصالحه ومصالح أبنائه كأسرة حاكمة.

 أما القوة الثانية غير الظاهر فهي قوة المؤسسة العسكرية التي يهمها على الدوام أن يكون الرئيس من بين صفوفها أو على الأقل تضمن التحكم فيه وفي قراراته فتكون السيادة لها دائماً وإن لم تعلن ذلك بوضوح وصراحة ، وممالاشك فيه أن مصر قد شهدت في سنوات الحكم الأخيرة صعوداً غير مسبوق لتأثير القوة الظاهرة التي تشكلت غالباً من أصحاب المال والأعمال من أصحاب المصالح تتحكم في مؤسسة الرئاسة معززة بمشروع جاهز لتوريث الحكم لابن الرئيس بمايضمن تسلطها وسيادتها وتعاظم قوتها بمايهدد المؤسسة العسكرية ونفوذها التقليدي .

 من هنا فإن تخلي المؤسسة العسكرية عن مبارك ورجاله ومشاريعهم للتوريث كان له مايبرره ليس حباً في الثورة الشعبية ومجموعة الشباب الذين قاموا بها والذين لم يتورع البعض منهم عن وصفهم "بعيال التحرير" وإنما رعاية لنفوذ ومصالح المؤسسة العسكرية ولاشيء سواها ، فحيثما توجد هناك قوتان تتنازعان مؤسسة الرئاسة فإن انهيار أو ضعف إحداهما يميل الميزان إلى القوة الثانية دون أي اعتبار لوجود ثورة أو ثوار أو شعب ضائع بينهما ، ولابأس عند ذاك من تغيير بعض وليس كل الوجوه القديمة بأخرى جديدة أو استبدال الديكور القديم ببعض اللمسات الديكورية الحديثة.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز