سامي محمد الاسطل
5554
Blog Contributor since:
23 October 2011

كاتب واكاديمي



Arab Times Blogs
المقاومة السلمية إستراتيجية المرحلة القادمة

يبدو أن الساحة الفلسطينية بتنوعها الفصائلي الإسلامي والوطني مقبلة على تحول جماعي كبير, حيث ستنطلق سياساتها الداخلية والإقليمية والخارجية من إستراتيجية المقاومة السلمية أو العشبية, إستراتيجية جديدة قديمة بدأت عفويا في شهر كانون الأول من العام 1987م وتعارف العالم كله على اسمها بنفس الكلمة "الانتفاضة" وبكل اللغات, وتبنتها حركة فتح في مؤتمرها السادس.

لم يكن غريبا أبدا قيام كبار قادة فتح وحماس بعنونة كبرى للتصريحات العلنية عقب جلسات المصالحة في شهري نوفمبر وديسمبر من العام الفائت 2011م والقول: "أننا اتفقنا على عناوين كبيرة ومنها المقاومة الشعبية" في هذا السياق لم يكن هناك شيئا لافتا أكثر من ذكر الاتفاق على المقاومة الشعبية والحرص على إبراز هذا الاتفاق السلمي, رغم عدم التصريح بنبذ العنف أو الإرهاب الذي قد يتم التباحث فيه في أوقات قادمة تكون أكثر تقبلا, نضجا وتقاربا.

 في هذه الأجواء تتضح وتتبلور بعض المعالم والتحولات على ساحتنا الفلسطينية، فقبل أيام قليلة أعلن رئيس الوزراء القطري حمد بن جاسم أن حماس لم تعد حركة مقاومة, وقد شكك متحدثون باسم الحركة في هذا القول, لكن في شهر مايو أيار الماضي وعقب لقاء القاهرة تحدث رئيس المكتب السياسي لحركة حماس السيد خالد مشعل بالقول: " أعطينا السلام فرصة وليس لدينا مانع أن نعطي مرة أخرى" وقد أثارت هذه التصريحات بعض التباينات والتصريحات المختلفة داخل حركة حماس,  ويوم السبت 7/1/2012م كتبت مراسلة صحيفة الغارديان هارييت شيروود أن حماس مقبلة على تحول إستراتيجي كبير, ويصاحب هذا التحول توتر بين قيادات حماس في القطاع والخارج حول إستراتيجية الحركة في المستقبل وتحت ظل الربيع العربي, ونشرت الغارديان أيضا قبل أيام أن جماعة الإخوان المسلمين في مصر طلبت من حماس وقف أنشطتها العسكرية والقيام بأنشطة سياسية فحسب, وذكرت مجلة جينز المختصة في الشئون الإستراتيجية  والدفاع أن قيادات أمنية رفيعة من حماس قبلت للمرة الأولى منذ تأسيسها 1987م المقاومة السلمية.

 وعلى كل الأحوال ليست المسألة حرج من تحول تكتيكي هنا أو هناك فالمسألة مسألة وطن ومصالح شعب وأرواح بشرية فإن كانت هناك من دراسة معمقة ترجح كفة المقاومة السلمية وكفاءتها فلا بأس في ذلك, لاسيما وأن شعبنا خاض أصناف المقاومة وبكل ألوانها ومنها المقاومة الشعبية التي سميت بالانتفاضة الشعبية التي انطلقت بعد الانسداد السياسي الذي تمثل في ضرب القوات المسلحة في لبنان 1982م وتشريدهم من لبنان إلى شواطئ المحيطات من موريتانيا إلى اليمن مرورا بمعظم الدول العربية, إضافة إلى الممارسات والسياسات القمعية الإسرائيلية التي تصب بمجملها في إستراتيجية طمس الهوية الفلسطينية.

  حققت الانتفاضة الفلسطينية الأولى نتائج هائلة لم تحققها القوات ذات العتاد والأعداد من دبابات ومدرعات ومنظومة رادارات رابطت على حدود الأردن في نهاية الستينات وأوائل السبعينات أو على حدود لبنان بعد ذلك ولا يمكننا جحود مجهودهم الفدائي  وتضحياتهم الباسلة لكن يد الغدر الباطشة طالت هذه القوات ونالت منها حتى أقصتها بعيدا عن الساحة الفلسطينية بكل عنجهية.

 في المقابل كانت الصورة مغايرة إلى حد كبير أمام الانتفاضة الشعبية فقد قال شمعون بيريز عقب انطلاق الانتفاضة الأولى: "إن صورتنا لا تطاق وأن المفاوضات أفضل من عرض أفلام الحجارة", وعلقت الغارديان على الانتفاضة في معرض توصيف سياسة اسحق شامير بالقول :"أُجبرت  إسرائيل لأول مرة من قبل ثلة من الشباب الغاضب أن تواجه الحقيقة بأنها لا تستطيع أن تبقى ديمقراطية وقوة محتلة إلى ما لانهاية" لذلك حققت الانتفاضة الأولى نتائج غير مسبوقة بالمقارنة النسبية مما حققته بعض الثورات الشعبية ومن ذلك:

-    تم الاعتراف بالشعب الفلسطيني لأول مرة، وتم إنشاء أسس ومؤسسات الدولة الفلسطينية عقب قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية, بعد أن كان كل شيء وطني ممنوع على الفلسطيني في أرضه, فمن يرفع علم فلسطين أو يكتب كلمة فلسطين كانت كفيلة لدخول أوسع  المحاكم العسكرية وأقبية العذاب.
-    أصبحت الانتفاضة الفلسطينية جزء مهم من الأخبار العالمية, فقد بثت صور ومشاهد الدراما الثورية الفلوكلورية للشعب الفلسطيني في كل أصقاع الأرض, وتعرت سياسة تهشيم العظام حيث هزت مشاهد كسر عظام الشباب الفلسطيني ملايين الناس في أجزاء العالم, وصور السيدة التي ترجم الجنود بيد وتحمل رضيعها باليد الأخرى.
-    على المستوى الدولي أصدر مجلس الأمن قراره رقم 605 عقب الرسالة التي قدمها مندوب اليمن في 22/12/1987م حيث شجب القرار السياسات والممارسات التي تنتهك من حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة وطلب من إسرائيل التي تمثل السلطة القائمة أن تتقيد فورا وبدقة باتفاقية جنيف المتعلقة بحماية المدنيين.
لكن ما المـأمول من المقاومة الشعبية أن تحققه في المرحلة القادمة, وفي هذا يمكن سرد بعض النقاط التي يبنى عليها:

-    لقد كانت المقاومة السلمية قاعدة الاتفاق الكبرى, والقاسم المشترك ضمن سياسة فوق الصفر وتحت مستوى التوريط, وكانت طوق النجاة من سيف البرامج السياسية المتناقض لكل الأطراف هذا التناقض الذي شكل النفق المظلم طيلة الأعوام الماضية.
-    الخروج من العزلة الدولية لكل الأطراف, فقد لاحظنا مباشرة بعد الاتفاق على المقاومة السلمية, قام العاهل الأردني بزيارة رام الله من أجل إنجاح لقاءات إسرائيلية فلسطينية في الأردن, ثم وصول المبعوث الأمريكي ديفد هيل والقنصل الأمريكي العام دانيال روبنستين إلى رام الله والتباحث حول التسوية, وفي المحصلة يتقوى الموقف الفلسطيني الموحد عند طلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
-          القدرة الهائلة للمقاومة السلمية على إحداث اختراق لجدر الصمت والاسمنت وتجلى ذلك في ثوراتنا وثورات الشعوب.
-    البعد الجغرافي, ففي المقاومة السلمية لن تعترضها الجبرية الجغرافية مثل الحال في المقاومة المسلحة فيمكنها أن تمتد لكل دول العالم بالشراكة مع المتضامنين.
-    تحد من التدخلات الخارجية فالمقاومة السلمية لا تحتاج لسباق تسلح وموازنات مثقلة للمواطن والوطن, ولا تحتاج لتدريبات, ويبقى السلاح الوحيد في يد السلطة الوطنية الفلسطينية.
-    وأد شبح الفلتان الأمني للأبد الذي صاحب الانتفاضة الثانية التي تميزت بالطابع المسلح, حيث خرجت عن السيطرة وتفرع الفلتان في كل النواحي صبغ بألوان الحكم.
-          التشبيك مع أحرار العالم من البرلمانيين والسياسيين والمحامين والمنظمات الأهلية والدولية المهتمة بحقوق الإنسان.
-    العمل على قطع دابر الانقسام وتوحيد الأجهزة الأمنية حسب القانون الأساسي المعدل 2005م بحيث يصبح مؤسسة غير خاضعة لأحد غير خدمة الوطن.
في الختام تبقى إسرائيل جزء من منظومة الشرق الأوسط التي تمت صياغتها عقب الحرب العالمية الثانية وفق النظام الدولي الذي صاغته الدول المنتصرة وهي الآن تعاني من سقوط وتهاوي هذا النظام الشرق أوسطي والغريب أنه بدأ يسقط شعبيا وكانت باكورته في إيران الشاه 1979م ثم النظام المصري 2011م, ومن ثم العسكر في تركيا الآن يواجهون نفس المصير في السجون التركية, ويمكن للمقاومة السلمية أن تهيئ المناخ وتحقق بعض المرتكزات من أجل تحقيق حلم الشعب الفلسطيني في دولته وحقوقه الكاملة.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز