نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
احذروا الدب الروسي

بالقطع، وكما هو ظاهر على الأقل، لم يعد القرار الدولي أحادي الجانب، ولا تحتكره واشنطن، ولا باريس، أو لندن، كما جرت عليه العادة منذ ظهور محور أحادية القطب، عقب انهيار الاتحاد السوفيتي السابق والكتلة الشرقية على يد غوربي الساحر، كما كانت تلقبه مارغريت ثاتشر في حينه. فلقد كانت إحدى أهم تداعيات ما سمي بالربيع العربي، و"بكل أسف"، انبثاق قوى جديدة على الساحة الدولية، لم يحسب حسابها، وقطبية جديدة تضم أكثر من نصف سكان العالم، عرفت بمجموعة البريكس، قوامها الأساس روسيا والصين. لن تستطع الدول الكبرى صاحبة القرارات التاريخية بغزو أفغانستان، والعراق، وليبيا، وعلى إثره، قادرة اليوم على الاضطلاع بنفس الدور الذي قامت به عبر العقدين الماضيين، أو التفرد، لوحدها، بالقرارات الدولية، إذ انتقل مركز وثقل القرارات الدولية الحاسمة إلى موسكو، وبيجين، وطهران، وأيضاً دمشق، رغم غيمة الإرهاب الظلامي الأسود التي تجتاحها هذه الأيام.

 وهذا الكلام، أعلاه، ليس محض أحلام، ورغبويات صبيانية طائشة في هذا الكابوس الليلي البهيم، تسرح بها العقول العاجزة، والمتخيلة، بقدر ما هو واقع حي وملموس عشناه منذ بداية الأزمة السورية، وتجلى بالموقف الحاسم والصارم للقيادة الروسية، والصينية، في استخدام الفيتو المزدوج لمنع أي استنساخ للكارثة الليبية. لا بل لقد باتت التحذيرات، و"التقريعات" الروسية، والبيانات التي تصب في هذا الصدد، من الأنشطة اليومية الصباحية والتقليدية، للخارجية الروسية وبلسان سيرجي لافروف تقريباً كل يوم، أو بلسان فيتالي تشوركين، المندوب الدائم لروسيا في الأمم المتحدة. وأن تتولى ذات الأمر الرئاسة الروسية، على لسان ديميتري ميدييديف، فربما سيكون في الأمر "إن"، لكن إذا انتقل الأمر لفلاديمير بوتين، رجل روسيا القوي، ورئيسها القادم في آذار/مارس المقبل، أي بعد نحو نيف وشهر من الآن، ففي الأمر أكثر من إن، وربما حتى، وإنما، ولكنما، ولاسيما، وعندما، ولذا، وحيثما، وكيفما، وهكذا...إلخ.

 وأحدث ما حرر في هذا الصدد، هو التصريح الناري وغير المسبوق لفلاديمير بوتين، اليوم، وهو رسالة شديدة القوة وصارمة للغرب، حيث قال حرفياً: "روسيا سترد على أي عمل أحادي الجانب يقوم به الغرب على الساحة الدولية". (انتهى). وإعراب هذا الكلام دبلوماسياً أسهل من إعراب جملة اسمية من مبتدأ وخبر، وقد يمضي كالتالي: العمل الأحادي هو فعل "ماض" عدواني يفكر به الغرب، والفاعل: ضمير مجرم مستتر خجلاً وجوازاً تقديره الناتو، والساحة الدولية: ظرف مكان مرفوع الرأس "وجوباً" تقديره سوريا. (الظرف عادة ما يكون منصوب).

وطبعاً هذا الكلام وممكنات القوة الروسية، الصينية، الإيرانية، "البريكسية"، السورية الكثيرة، معروفة، والتي قد نجهد في تعدادها، تقابلها، بالتالي، عوامل ضعف وعجز غربي، أيضاً، واضحة، وقد نجهد في تعدادها وإيرادها، لكن أبرز تجلياتها تكمن في الانهيار المالي والاقتصادي الغربي وانحسار قدرته على الضغط والتأثير المادي والمعنوي على القرار السياسي، فالمفلسون، اقتصادياً، وعسكرياً، وأخلاقياً، الذين يجرجرون أذيال الهزيمة لا يقدمون شيئاً، بالعادة. وللتذكير، لكل تلك الرؤوس الحامية، في الشرق والغرب و-"خص نص"- لكراتين الخليج الفارسي مع كرازاياتهم الصغار، وناهيكم عن كل تلك الكوارث، وبالجملة، التي أفضت إليها السياسات الغربية، فلأول مرة، مثلاً، في تاريخه، يتجاوز الدين العام الأمريكي الناتج القومي، ليقف على عتبة الخمسة عشر تريليوناً ونصف تقريباً من الدولارات، (السقف المسموح به 13 تريليوناً قبل إعلان إفلاس الدولة)، فيما يترنح اليويور في واحدة من أفظع وأفدح أزماته، ما قد ينذر بانفراط عقد الاتحاد الأوروبي، وتحلله برمته، إلى كيانات مفلسة، ومنهارة، تنخرها، وتهيم فيها أشباح البطالة والمديونية والعجز عن الإنفاق العام(1). أي نحن أمام إمبراطوريات آفلة مفلسة تغيب عنها شمس القوة، والقدرة على شن الحروب.

 لا بل إن أولوياتها القصوى باتت اليوم في من ينقذها، وفي كيفية نفض، والتخلص من آثار وتداعيات الحروب المدمرة السابقة التي خاضتها العراق ، ولا تزال تخوضها، في وأفغانستان، ولا يـُعتقد إلا أن جاهلاً أو أحمقاً، هو من يفكر بخوض غمار حروب، وفتح جروح قد يكون من الصعب جداً، أن تندمل، أو التحكم بمجرياتها، أو شفائها، في المديات المنظورة، في ظل توفر قدرة نارية هائلة على الردع، ووجود توازن رعب دقيق جداً، يجعل من الضغطة الأولى على أي زناد أو زر، ومن أي كان، عبارة عن محاولة انتحار حقيقية.

 وعلى كل هذه المقدمات الحسية تبنى قرارات المواجهة والتحدي في كل من دمشق، وطهران، وموسكو، وحتى بيجين، التي بدأت بتصعيد غير مسبوق للهجتها تجاه النسر الأمريكي المقعد والجريح. وبالعودة لـ" الدب الروسي"، كما لـُقب تاريخياً، وفيه اليوم، كما يتبدى ويلوح، بعض من ألق ثوري أصيل وخلق ماركسي نبيل، فلا أعتقد أن المزاح معه، أو تعكير مزاجه سيكون نزهة لأي كان، وهو ما ينفك يكرر ويصر، ويلح "إلحاحاً" على مواقفه ويحذّر بقوة من الانجرار وراء أوهام القوة والغطرسة الغبية.

 لأن في الذاكرة التاريخية، أيضاً، أن الدب الروسي، قد حظي على الدوام، بلقب قاهر الأباطرة ومحطـّم الإمبراطوريات، فعلى أعتابه انهارت وانهزمت الأحلام الإمبراطورية النابوليونية، وانزوى بعدها نابليون عاشق جوزفين التي ألهمته طويلاً، سجيناً مهزوماً مدحوراً في جزيرة القديسة هيلانة حتى أيامه الأخيرة، ولم يكن حال زميله الحالم الإمبراطوري الآخر بمجد جديد للإمبراطورية الجرمانية المقدسة، الفوهرر هتلر، بأحسن حال، الذي اعترف، قبيل انتحاره بأيام، وهو يرى الرايات الحمراء البلشفية خفاقة مزيـّنة بأروع كونفدرالية عرفتها التاريخ الثوري الحقيقي بين "المطرقة والمنجل"، على بوابات المستشارية، بأن خطأه الكارثي القاتل كان التحرش بالدب الروسي(2)، حيث قضى بطلق ناري في الرأس مع معشوقته الجميلة إيفا براون.

 فهل يكون الفيل البطران الأمريكي آخر ضحايا الدب الروسي؟

 (1)- للتذكير، ومقابل هذه الكارثة الأطلسية الأوروبية الاقتصادية، فسوريا البلد الوحيد في المنطقة، الذي لا يوجد لديه أية مديونية، بمعنى صفر، والناتج العام يوازي الإنفاق. (2)- كناية عن بطء الحركة والبرودة لكن هناك قوة ضاربة للجسد ولا محدودية للفعل والتأثير.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز