نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
لماذا الخوف من التدويل؟

تجاذب دبلوماسي هام اليوم، على صعيد الأزمة السورية، محوره الأساس هو التدويل. والتدويل يعني فيما يعني نقل ملف سوريا، من أروقة الجامعة العربية، إلى دهاليز الأمم المتحدة، حيث الصراع، أكبر، وأعنف، وأشرس، وبالتالي القرارات أقوى، وأفعل، وأمضى، كالعقوبات الدولية، وتطبيق الميثاق الأممي تحت الفصل السابع، وإعادة تكرار الأنموذج الليبي الكارثي في سوريا.

 وهناك افتراض واضح، ومن قبل السيد حمد بن جاسم، على الأقل، ومعه بعض من الرؤوس الحامية في المعارضة الإسطنبولية التي لا تقبل بأقل من التدويل، بأن وصول هذا الملف إلى الأمم المتحدة سيعني تشديد الحصار على النظام السياسي الحاكم في دمشق، عبر سبل شتى، وبالتالي سيمهد لسقوطه وانهياره اللاحق.

 لكن ثمة مرتكزات في دهاليز وأروقة الأزمة ذاتها، تشي بعكس ذلك تماماً وتقول أشياء مغايرة وبالضد مما هو مطروح. وتقول لنا أن التدويل قائم وجارٍ من سمات الحدث السوري الملازمة له. والتدويل حاصل منذ اليوم الأول للأزمة حيث بدأت الأصوات الدولية، وعلى لسان رموز العواصم العالمية، في باريس، ولندن، وواشنطون، كل تدلي بدلوها في الأزمة السوري، فهذا يطالب بالتنحي، وذاك يفتي بالرحيل، وواحد يعلن بفقدان شرعية النظام. وبالتوازي مع ذلك كله، كان هناك عشرات الفضائيات، وعلى نحو متزامن، وبصوت واحد، تقود معركة الحرب الدولية، الإعلامية والنفسية، عبر قصف إعلامي مركز على مدار الساعة، ضد سوريا، والتهويل والتضخيم في إبراز الحدث الثوري. فضائيات ومحطات دولية، كانت، حتى الأمس القريب، تتمتع بالرصانة والاتزان والموضوعية، كالبي بي سي، والسي إن إن، والفوكس نيوز، وABC، واليورو نيوز، والتلفزيون الألماني...إلخ، تحولت فجأة، إلى مجرد فرع وقسم صغير تابع، ينقل هرطقات وأكاذيب وتلفيقات المحطات العربية البتروبية والغازية، سيئة الفعل والسمعة والصيت، والتي صرفت آخر رصيد أخلاقي ومهني لها في الحدث السوري.

 ماذا نسمي هذا كله؟ هل هو وضع محلي؟ أم إقليمي، وحتى قاري؟ أم هو محض تدويل وعولمة إعلامية ودبلوماسية فاقعة للحدث السوري مستمرة على مدى نحو عشرة اشهر من الآن؟ لا بل لقد ذهب التدويل أبكر، وأبعد من ذلك في الجلسة العاصفة لمجلس الأمن الدولي في أكتوبر، تشرين أول، 2011 في الجلسة الشهيرة لمجلس الأمن الدولي، والتي كان الهدف منها استصدار قرار أممي يخول محور الشر الشيطاني الغربي الأطلسي-التركي-البدوي لتطبيق السيناريو الليبي في سوريا، بعدما أغراهم نجاحه في ليبيا وفق سياسة الأرض المحروقة والتدمير الشامل للبنية التحتية ومن ثم إدخال فلول القاعدة والطالبان وخريجي غوانتانامو- أو ثوار الربيع العربي حسب إعلام برنار ليفي- ليمارسوا العقد الوحشية والدموية لهم على أرض الواقع، غير أن تلك الجلسة أفضت، كما هو معلوم، إلى استخدام ما عرف بالفيتو المزدوج الروسي الصيني، في سابقة هي الأولى في تاريخ مجلس الأمن، ما يؤشر لتصميم روسي-صيني صارم، ضمن مجموعة أكبر عرفت اصطلاحاً بالبريكس، بعدم السماح، مطلقاً، بتمرير أي قرار، أو كلمة، أو حرف يحمل أي تأويل أو تبطين باستخدام أي شكل من أشكال القوة ضد سوريا. وهذا ما كان يتأكد، ويتكرر، وعلى نحو يومي، في تصريحات لافروف، أو في البيانات الصادرة عن الخارجية الروسية. ولم تك، أصلاً، إعادة الملف السوري، وإثارته على صعيد مجلس الجامعة العربية، إلا تعبيراً عن فشل التدويل في المرة الأولى.

 واليوم لو عاد الملف إلى مجلس الأمن، فلن يكون نصيبه من النجاح إلا نفس ما لاقاه من "نجاح" في المرحلة الأولى. وثمة رمزية أخرى في تفاعلات الحدث، وتقع في صلب عملية التدويل، إياها، وتكمن في أنه في الوقت الذي غادر، وانكفأ فيه الأسطول الأمريكي عبر حاملة الطائرات جورج بوش، عائداً أدراجه من المتوسط، يدخل بكل زهو وخيلاء وانتشاء الأسطول الحربي الروسي، ممثلاً بدرته حاملة الطائرات الروسية كوزنتسوف التي رست في ميناء طرطوس يوم أمس الأول في رسالة قوية، وفي هذا الوقت بالذات، وتحديداً، في ذات اليوم الذي كان يجتمع فيه المجلس الوزاري العربي، هذا لا يمكن أن يكون مصادفة في اللغة والأعراف الدبلوماسية والعلاقات الدولية، فكل حركة، وقول وفعل، محسوب بالملليمتر والثانية.

 التدويل ما هو، وفي إطار الحرب النفسية والإعلامية والتي تحتل الحيز الأكبر من الهجمة البربرية الظلامية ضد سوريا، إلا محض تهويم وتهويل آخر لبث روح اليأس والتخويف والهلع، للإيقاع بسوريا وتركيعها والنيل منها، لاسيما أن سوريا قد قامت ووفت، وبتنسيق الخطوة خطوة مع الروس، بكل التزاماتها وواجباتها لحل الأزمة، وهذا ما سيكون مدعاة لإشهار فيتو مزدوج. بالمختصر المفيد، التدويل أصبح من الماضي، ووراء ظهورنا، والجميع الآن في ورطة ويريدون الخروج منها، وبتعويض بسيط وهو حفظ ماء الوجه فقط، وبعد تحطم كل مخططاتهم وآمالهم على صخرة الصمود السوري الرائع العظيم. نعم، لقد تم تدويل الملف في المرة الأولى، في الوقت الذي كان فيه موضوع الثورة السلمية ما يزال ملتبساً وبين أخذ ورد، وبين من لا زال متوهماً بسلمية المظاهرات.

 لكن اليوم وبعد اتضاح الكثير من الحقائق، والاعتراف المباشر على أيدي العرب أنفسهم، أدوات وبيادق العدوان، بوجود العصابات المسلحة، وتراجع المواقف والنبرات من نبيل العربي إلى جمد بن جاسم، وتعاون سوريا الفعال والإيجابي مع البعثة العربية وتسهيل مهامها، فإن واقعاً جديداً قد حصل لا يصب البتة في طواحين التدويل هذا إن حصل. وبرزت هناك عوامل جديدة تساهم كلها في إضعاف الموقف الأطلسي- العربي- التركي، أي ركائز ودعاة وحملة بيارق التدويل، وإحباط وإفشال أي مشروع دولي ضد سوريا.

 فالصين وروسيا مسلحتان اليوم بأسلحة أكثر فعالية وقوة وشرعية لإشهار الفيتو، مرة أخرى، ومعهم نصف المجتمع الدولي، وربما عشرين مرة كما ورد على لسان مسؤول رفيع في الخارجية الروسية. وهنا لن نتكلم أبداً عن سيناريوهات المواجهة المرعبة، فيما لو حدثت، والتي لا يطيقها أحد وغير قادر، أصلاً، على تحمل تداعياتها، أو أكلافها الباهظة، والمرتفعة، لا بل يخافها ويرعبه مجرد التفكير بها، أو على مقلب آخر لن نتطرق لممكنات وعوامل القوة السورية الأخرى، وكل تلك الأوراق التي ما زالت في جيوب السوريين والتي لم تستخدم ولم تشهر بعد، وبعضها غامض وغير معروف ومجهول لأطراف كثيرة، والكفيلة، فيما لو كان هناك اضطرار لاستعمالها، بإحداث تكويعات، وتحولات جذرية وبنيوية عميقة في كل المواقف المعلنة وغير المعلنة حيال الحدث السوري. فمرحباً، وألف مرحباً بالتدويل.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز