د. محمود لطيف البطل
Mahmoud@list.ru
Blog Contributor since:
05 November 2011

 More articles 


Arab Times Blogs
لأنٌنا مستهدفون كعرب!!

مثٌلت الوحدة العربيٌة هاجس خوف للإستعمار الأوربي، ولذا نجد أنٌه، حتٌى في ظلٌ قيادة متعاونة معه كالشريف حسين كانت هذه الوحدة مرفوضة ومحاربة منه، وجاء الرد على الوعود والتعهٌدات البريطانيٌة بدعم الكيان العربي الواحد(مراسلات الشٌريف حسين-مكماهون) باتٌفاقيٌات سايكس-بيكو، التي قسٌمت الشرق العربي بين فرنسا وبريطانيا، ووعد بلفور، الذي أريد منه تكريس التجزئة العربيٌة وخلق الوقائع طويلة الأجل من أجل حماية المصالح الإستعماريٌة الغربيٌة في منطقتنا العربيٌة( حسب وثيقة كامبل لعام 1906 التي خطٌطت لتقسيم وتجهيل العرب). إنٌ كلٌ الحدود بين الدول العربيٌة هي حدود مصطنعة قضتها حاجة الدول الإستعماريٌة في تقاسم الهيمنة على الوطن العربي وإطالة أمد تجزئته، ومن هنا يكون النضال من أجل وحدة العرب متماشياً تماماً مع الحق التاريخي في وحدتهم، الهادف إلى التحرٌر والإنعتاق من التبعيٌة بكلٌ أشكالها، والهادف إلى التطوٌر الإجتماعي والتقدٌم العلمي. إنٌ العلاقة بين العروبة والإسلام الحنيف هي علاقة عضويٌة، فالعرب هم الذين رفعوا راية الإسلام ونشروه في اصقاع الأرض، بعد أن خصٌ الله عزٌ وجلٌ الرسول العربيٌ محمٌد صلٌى الله عليه وسلٌم بالرسالة، ونزٌل عليه القرآن الكريم بلغة العرب، هدايةً للناس أجمعين. إنٌ قوٌة العرب تحمي الإسلام ولا تنتقص منه، وتحمي كذلك الشعائر للديانات الأخرى ولا تنتقص منها، وكذلك في ظلٌ الدولة العربيٌة تكون محفوظة حقوق المواطنة لكل أبناء الوطن عرباً ومن القوميٌات الأخرى في وطن تسوده العدالة والمساواة وتكافئ الفرص.

 جاء الإسلام حاملاً الهداية والعلم للناس ولكنٌه كان دائماً عرضةً للفتن والمؤامرات فدخل عليه المنافقون من اجل هدمه وتشويهه من الداخل، وحرٌف البعض في كتاب الله بما يتوافق ورؤيتهم الدنيويٌة، وشذٌ آخرون عن الدين الحنيف واضعين لأنفسهم وللسائرين بركبهم تعاليم تخرج عن القرآن الكريم والسنٌة الشريفة، كلٌ ذلك قاد إلى تناحر وصدام بين المسلمين الذين مع الزمن زاد عددهم وقلٌ فعلهم ليصبحوا لقمة سائغة للأعادي والشامتين. لقد التفت الأعداء باكراً لنقاط الضعف الموجودة عند المسلمين واستغلٌوها أشدٌ استغلال، ومنذ القرن السادس عشر دخل الأرربيٌون على خط الصراع بين المسلمين عملاً بإضعاف الدولة العثمانيٌة التي كانت قوٌتها في أوجٌها وتقضٌ مضاجع الدول الأوربيٌة بوصولها البلقان واحتلالها المجر وحصارها النمسا.

 لقد أضعف الصراع الذي دار منذ بدايات القرن السادس عشر واستمرٌ لأكثر من قرنين بين الدولة العثمانيٌة والدولة الصفويٌة في إيران إمكانيٌات الدولة العثمانيٌة التي كانت تعتبر نفسها خلافة إسلاميٌة تمتد سيطرتها الفعليٌة على البقاع التي كانت خاضعة للخلافة العباسيٌة في الوطن العربي وآسيا الوسطى وإيران(يذكر المؤرٌخون الأوربيٌون بأنٌ الحرب التي دارت بين العثمانيٌين والصفويٌين لم تضعف فقط الدولة العثمانيٌة القويٌة، التي كانت تخشاها أوربٌا كلٌها، وإنٌما أنقذت أوربٌا من الوقوع كلٌها في قبضة الدولة العثمانيٌة، وحرٌرها من الحصار الذي كان يفرض على تجارتها في البحر الأبيض المتوسٌط والبحر الأحمر والخليج العربي وبحر العرب، إذ كانت البحريٌة العثمانيٌة تمنع السفن التجاريٌة لهذه الدول بالتواجد في هذه المناطق، التي شهدت عودتها بااتدريج مع الضعف الذي بدأت تعاني منه الدولة العثمانيٌة بسبب حروبها الطويلة والمستمرٌة مع الدولة الصفويٌة، التي استعانت مراراً بالأوربيٌين على العثمانيٌين مقابل مزايا لهم وقواعد في جزر الخليج).

 لم تكن الفروق المذهبيٌة في الإسلام إغناءً له، بل لعبت دوراً مؤلٌباً ومفرٌقاً بين صفوفه الشيء الذي أضعف من بنيانه وجعله عرضةً للفتن والمؤامرات، ساعد في ذلك إلى جانب المتآمرين من خارج الدين أولائك الذين بتعصٌبهم الأعمى لطائفة مسلمة كانوا لايتوانون عن قتل وذبح أبناء الطائفة الأخرى والمسلمة أيضاً، كثيرة هي الشواهد التاريخيٌة ومثالها الأبرز هو الشيء الذي حدث أيٌام حكم الدولة الصفويٌة لإيران ونشرها بالقوٌة المذهب الشيعي بين المسلمين السنٌة، الذي راح ضحيٌته عشرات الآلاف من المسلمين بأيدي مسلمين.

 عندما جاء الإستعمار الأوربٌي إلى منطقتنا العربيٌة وجد في المذاهب الدينيٌة المتعدٌدة مرتعاً لتنفيذ مؤامراته طويلة الأمد في وطننا العربي، فأرسى الفرنسيٌون الخارطة الطائفيٌة في لبنان بالشكل الذي مازال قائماً حتٌى يومنا هذا، والمنذر دائماً بالصدام والتناحر بين أطراف هذا النسيج الهشٌ. وفي سوريا أيضاً تركوا بصماتهم على التركيبة الإجتماعيٌة، بعزلهم الطائفة الإثني عشريٌة عن الطوائف الأخرى الدينيٌة وتسميتها بالعلويٌة، وكذلك تثبيت العزلة بأماكن تواجدها، للدروز والأكراد والسنٌة(في سوريا كان لنموٌ الشعور القومي العربي أكبر الأثر في إفشال تثبيت الطائفيٌة في هذا البلد الذي قاوم الإستعمار الفرنسي بكلٌ أبناءه، المحدٌدين انتمائهم لسوريا العربيٌة قبل كلٌ شيء).

 أراد الإستعمار لهذه المذاهب أن تتناحر على أشكالها، حقداً وكراهية على العرب لكي لايتحدوا أبداً وعلى الإسلام الذين لايريدون له بأن يكون الدين الحنيف، دين المحبٌة والتآخي، دين العدل والأخلاق الحميدة، دين الوحدة لكلٌ من ينطق الشهادة، دين المساواة والتكافل الإجتماعي، دين العلم والمعرفة، دين الثقافة والقراءة. بل لتحويله مع الزمن إلى دين التخلٌف والجهل، والنزاعات الطائفيٌة التي لاتنتهي، دين التفرقة، دين الضعف والتبعيٌة، دين الذلٌ، دين أباطرة الإفتاء اليومي، القاصدين إلهاء الناس عن همومهم المصيريٌة وعن أعدائهم الحقيقيٌين، لمزيد من تفكٌكهم وقهرهم، لمزيد من تبعيٌتهم وسرقة ثرواتهم. قد يكون أول من التفت لهذه المخطٌطات الإستعماريٌة الجهنميٌة هم روٌاد القوميٌة العربيٌة الأوائل، والذين أعلنوا منذ البداية بأنٌ القوميٌة العربيٌة هي مشروع تحرٌري موجٌهة ضدٌ الإستعمار، تؤمن بالأديان السماويٌة جميعها وتحميها جميعها في مجتمع تسود فيه الحريٌة لجميع أبناءه، لافرق في الطائفة أو في المذهب أو في العرق، في وطن عربي بمسيحيٌيه ومسلميه وكلٌ قوميٌاته الأخرى.

 ولذا فإنٌ الإستعمار قد سارع لتنفيذ مخطٌطاته التقسيميٌة وتكريسها بزرع الكيان الصهيوني في قلب وطننا العربي، مانحاً هذا الكيان الدعم غير المحدود والحماية المطلقة، باسطاً مظلٌته الحامية على سياسته العدوانيٌة، في المنابر الدوليٌة ومنظٌمات الأمم المتٌحدة المتعدٌدة ومجلس الأمن الدولي، حيث استخدمت الدول الغربيٌة والولايات المتٌحدة حق النقض(الفيتو) أكثر من خمسين مرٌة لإفشال قرارات تدين"إسرائيل" أو تشجب سياستها العدوانيٌة ضد الدول العربيٌة والشعب الفلسطيني. ولمٌا قامت الثورة المصريٌة بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر ذات التوجٌه القومي العربي، حاول الغرب محاصرة هذه الثورة وإجهاضها وهي في المهد، فحاصرها إقتصاديٌاً وعمل على ضربها عسكريٌاً، حينما شنٌ عدوانه الثلاثي بمشاركة "إسرائيل" على مصر، وعندما فشلت كلٌ محاولاته واستطاع عبد الناصر، بعد التغلٌب على هذه المحاولات، التفرٌغ لتوجٌهه القومي داخل مصر وعلى صعيد الوطن العربي الكبير، المرتكز على أساس التحرٌر من التبعيٌة الإستعماريٌة، وإقامة مجتمع العدل والمساواة، مجتمع التقدٌم العلمي، والإصلاح سياسيٌاً وإجتماعيٌاً.

 شهدت مصر في عهد عبد الناصر تحولات جذريٌة على كلٌ الصعد والمجالات الإقتصاديٌة والصناعيٌة والعلميٌة والزراعيٌة، فكانت الأصلاحات الزراعيٌة المعروفة، التي وزٌعت الاراضي على الفلاٌحين، وكانت النهضة الصناعيٌة وصناعة الحديد والصلب، وكان سد أسوان الذي أمٌن مياه الري لمساحات شاسعة من الأراضي البور وحمى المحاصيل من فيضانات النيل الموسميٌة، وأمٌن الكهرباء بأسعار زهيدة لجنوب مصر، وقبل ذلك كلٌه أتى عبد الناصر بالكرامة لمصر حينما أمٌمُ قناة السويس، الخطوة التي أسٌست لسياسة مستقلٌة مرتبطة فقط بمصلحة مصر وشعب مصر والأمٌة العربيٌة، التي كان همٌ تحرٌرها من التبعيٌة وتوحيدها يلازم عبد الناصر حتٌى آخر يوم في حياته.

 لايستطيع أن ينكر أحد بأنٌه في ظلٌ المشروع القومي العربي بقيادة الرئيس عبد الناصر كانت الحساسيات المذهبيٌة أو الطائفيٌة تكاد لاترى، ولا حتٌى بالمجهر، فقد كان المشروع الوحدوي العربي القومي برسالته التحرٌريٌة جامعاً لكلٌ أطياف المجتمع العربي بكلٌ مذاهبه وطوائفه ودياناته الأساسيٌة الإسلام والمسيحيٌة. وفور انحسار التوجٌه القومي برحيل قائده الفذٌ عبد الناصر، بدأ أعداء العرب يحاولون من جديد اللعب على الإختلافات المذهبيٌة والعرقيٌة والدينيٌة في وطننا العربي الكبير وخاصٌةً في المنطقة الحسٌاسة منه- الشرق الأوسط. إنٌ أكثر مايهدٌد مستقبل الأمٌة العربيٌة والإسلام اليوم هو الفتنة الطائفيٌة الدينيٌة، التي شهدنا قسماً منها في لبنان، إبٌان الحرب الأهليٌة في 1975، والتي راح ضحيٌتها آلاف القتلى والجرحى من المدنيٌين مسلمين ومسيحيثٌين، وما عياشناه إبٌان الغزو الأمريكي للعراق، الذي خطٌط أيضاً لفتنة طائفيٌة كبرى تفتٌت البلد وترسل الرسائل لكلٌ المنطقة العربيٌة، بأنٌ المؤامرة تهدف الجميع، جميع العرب وجميع المسلمين.

 وعلى هذه الموجة، موجة الضعف والتخلٌف والتبعيٌة المفرطة للغرب وجد، مايسمٌون بعلماء المسلمين، الفرصة السانحة لزيادة البلبلة والتقهقر في الصف العربي والإسلامي خدمة لأجندات المستعمرين ومخطٌطاتهم، لتصبح قنوات فضائيٌة معروفة منبراً للإفتاءات اليوميٌة، التي راحت تجلد المسلمين في عقولهم، لتزيد على الجهل جهلا، وعلى التخلٌف مزيداً منه، واضعة الحواجز بين المسلم وما يجري في العالم من تطوٌر وتقدٌم، شاغلين الناس بتوافه الأمور أو محرضينهم على الفتن المذهبيٌة المدمٌرة(السلام مع الكيان الصهيوني وجد له "علماء" الأزهر مايبرٌره، احتلال العراق وجد له "علماء"السعوديٌة مايبرٌره للأمريكان، عدوان الكيان الصهيوني على لبنان، في 2006 وجد من "علماء" السعوديٌة والخليج من يناصره، استدعاء الغرب لقصف ليبيا ودكٌ مدنها بآلاف الصواريخ، لقتل وجرح وتهجير مئات الآلاف من المدنيٌين الليبيٌين، أفتيُ بجوازه من قبل هؤلاء"العلماء" بالدٌين....ولمزيد من التشرذم والإضمحلال، يريد منٌا هؤلاء الأباطرة في الإفتاء بأن ننسى القدس والأقصى، وننسى أنٌ عدوٌنا الأساسي هو الكيان الصهيوني، عدوٌ العرب والمسلمين، موجٌهين بوصلة العداء الرئيسي باتٌجاه إيران، إيران التي تناصر قضيٌة فلسطين وشعب فلسطين، إيران التي أهدت، بعد طرد السفير الصهيوني من طهران، سفارة هذا الكيان لفلسطين، إيران التي لم تمد يدها أبداً لهذا الكيان، كما فعل الكثيرون من أنظمة العار والهزيمة العرب. لكلٌ ذلك أعتقد جازماً بأنٌ العدوٌ الإمبريالي الصهيوني يستهدف عروبتنا، التي فيها تكبر أدياننا وتتعمٌق وحدتنا، التي فيها خلاصنا من التبعيٌة والجهل والتخلٌف.

 بعد رحيل عبد الناصر تكالبت المؤامرات على العرب والمسلمين، ولو استمرٌ عبد الناصر حتٌى يومنا هذا، من يدري؟، ربٌما كانت قد قامت وحدة عربيٌة هنا أو هناك، في المشرق أو في المغرب، أو ربٌما كان العرب قد أحرزوا نصراً مصيريٌاً على"إسرائيل"..أو...ربٌما.. ولكن حتماً!! ماكان ليجرؤ عربيٌ على مصافحة صهيونيٌ، أو عقد سلام مع هذا الكيان. ولا كان تجرأ "عالم" على زرع بذور الففتنة بين العرب والمسلمين، ولا تجرأ أحد من "العربان" على الإستقواء بالإستعمار لحلٌ الشؤون العربيٌة. لهذا كلٌه نحن مستهدفون كعرب.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز