د. جيمس الزغبي
jzoby@aaiusa.org
Blog Contributor since:
03 December 2007

Dr. James Zogby is president of Arab American Institute in Washington .DC

 More articles 


Arab Times Blogs
الجمهوريون واللعب بالنار

 عندما نرى الراديكاليين في حركة "حفلة الشاي" ينتصرون بفكرهم اليميني على منطق التسوية السليمة في الكونجرس، ونرى أيضاً الميل الواضح لمرشحي الحزب الجمهوري نحو اليمين في محاولة منهم لاسترضاء قاعدتهم المتطرفة، فإن ذلك يذكرني بالمقولة التي تعلمناها ونحن أطفال في المدرسة التي تقول: إن من الخطر اللعب بالنار ليس فقط لأنها قد تخرج عن السيطرة وتتسبب في حريق، بل أيضاً لأنها قد تبدأ بك أولاً لتكون أول ضحاياها. والحقيقة أنني أبديتُ منذ الوهلة الأولى تخوفي من تداعيات استغلال قيادة الحزب الجمهوري لمشاعر الإحباط التي فرخت لنا "حفلة الشاي"، فقد اعتقدت تلك القيادة أن الإشارات العنصرية التي حملها بعض المحسوبين على حركة "حفلة الشاي" في شعاراتهم وفي المشاعر السيئة تجاه المهاجرين التي تبنوها ستفيد الحزب الجمهوري من خلال تسخير الغضب الموجود في قاع المجتمع، والخوف المستمر لدى الطبقات الوسطى البيضاء، لتوجيهه ضد الرئيس أوباما وبرامجه الإصلاحية التي حاول إقرارها.

 بل لقد اعتبر الجمهوريون أن هذه القوة الجديدة التي انبثقت في الشارع، والحدة التي صاغت بها شعاراتها، تعتبر قاعدة نشطة كفيلة بإخراجهم من حالة الهزيمة المذلة التي منوا بها في 2006 و2008. ولذا قرروا ركوب موجة التوجه اليميني داخل الحزب، والتودد للقوى الجديدة المتشددة لقلب الطاولة على الحزب الديمقراطي المنافس، وعلى رأسه أوباما في مسعى لإخراجه من البيت الأبيض في أقرب فرصة ممكنة.

ولفترة معينة بدا وكأن هذه الخطة قد نجحت، بحيث استطاعت الحركة من خلال النشاط الذي انخرطت فيه وتعطيلها للاجتماعات البلدية في الولايات والمقاطعات المختلفة التي يرأسها الديمقراطيون، والتخويف من تحول أميركا إلى الاشتراكية، تأجيج مشاعر الناس وتأليبهم ضد برامج الرئيس الإصلاحية، ولاسيما برنامج الرعاية الصحية الذي أصبح مركز الانتقادات. كما تم استغلال مشاعر الخوف من الآخر لدى بعض فئات المجتمع الأميركي لتعطيل برنامج إصلاح قانون الهجرة وإسقاط الجهود التي حاول أوباما من خلالها وقف بعض التجاوزات في عملية إنفاذ القانون الموروثة من عهد بوش. وفي نفس السياق أيضاً لجأ بعض المتطرفين ضمن حركة "حفلة الشاي" إلى توظيف الخوف من الإسلام والمسلمين لضرب جهود أوباما في التواصل الإيجابي مع العالم الإسلامي وحل المشاكل العالقة معه، فيما كادت ذهنية التعطيل التي تبناها الحزب الجمهوري، والسعي إلى إسقاط كل ما يقترحه الرئيس، تؤدي إلى دفع الحكومة الفيدرالية إلى شفا الإفلاس خلال السنوات الثلاث الماضية.

إن هذه العوامل التي استخدمها الجمهوريون تضافرت كلها لوقف التغيير وتعطيل آمال الأميركيين ونقل اللوم بشأن السياسات الداخلية والخارجية للولايات المتحدة إلى الرئيس باعتباره المسؤول عنها، وبالتالي إظهار الحزب الجمهوري على أنه هو الوحيد القادر على معالجة هذه المشاكل، وهذا ما نجح فيه بالفعل في انتخابات التجديد النصفي لعام 2010. ولكن فيما كان الحزب منهمكاً في تسعير هذا الحريق واستغلال مشاعر الاستياء الشعبي لدعم موقفه ظهرت بعض الحالات التي فقد فيها الحزب الجمهوري السيطرة تماماً على القاعدة التي عول عليها وبدأ يكتوي بالنيران التي أسهم في إشعالها.

فقد تمت إزاحة مرشحين جمهوريين من السباق الانتخابي لأنهم، من وجهة نظر الغوغاء في "حفلة الشاي"، معتدلون بشكل لا يطاق واستبدلوا بمرشحين مثيرين للضحك في أفضل الأحوال وللذعر في أسوئها! ففي الولايات والمقاطعات الانتخابية المحسوبة تقليديّاً على الحزب الجمهوري تمكن بالفعل مرشحو الحزب الرسميين من الفوز بالتزكية، لكن في الولايات الأكثر تنافسية أخاف مرشحو حركة "حفلة الشاي" مثل "سوزان أنجل" في نيفادا و"كريستي أودونيل" في ديلاوير الناخبين إلى درجة أن منافسيهم الديمقراطيين حافظوا على مناصبهم دون عناء. وخلال الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري لهذا العام شهدنا أيضاً كيف يمكن لحركة "حفلة الشاي" أن تضر بالحزب الجمهوري، حيث فضل بعض مرشحي الحزب الانسحاب في هدوء على أن يهانوا على أيدي مرشحي الحركة اليمينية المتطرفة، متسببين بذلك في خسارة كبيرة للجمهوريين الذين فقدوا سياسيين مخضرمين متمرسين. وتظهر استطلاعات الرأي أن مرشحي الحزب الجمهوري الذين وصلوا إلى التصفيات النهائية هم أشخاص لم يكن يفترض أبداً أن ينخرطوا في السياسة من الأساس، وما كان لهم ذلك لولا دعم القاعدة الجمهورية من حركة "حفلة الشاي"، وهنا لنفكر في أسماء تثير جدلاً كبيراً مثل "دونالد ترامب" و"ميشيل باكمان" و"ريك بيري" و"هيرمان كين" و"نيوت جينجريتش"، ولننظر إلى سجلهم سواء الشخصي، أو الأخلاقي، أو السياسي، والمواقف المعلنة التي اتخذوها، أو بالأحرى تلك التي اضطروا لتبنيها لاسترضاء "حفلة الشاي"، ولننظر أيضاً إلى التقلبات الشديدة في حظوظ مرشحي الحزب الجمهوري الذين يتساقطون الواحد تلو الآخر بسبب مزاجية حركة "حفلة الشاي" لنتأكد من حجم الأذى الواقع على الحزب بسبب قاعدته المتشددة.

وفي محاولة منه لاحتواء هذا الضرر يسعى الحزب الجمهوري حاليّاً إلى دعم المرشح "ميت رومني" المقبول نسبيّاً من الجميع، ولكن مع ذلك لم يستطع الحزب التوصل إلى توافق حول المرشح لأن مؤهلاته كمحافظ لم تقنع المتشددين والقاعدة الحزبية التي يسيطر عليها نشطاء حركة "حفلة الشاي"، فضلاً عن أن الطائفة التي ينتمي إليها وهي "المرمون" لا تستهوي من يسمون أنفسهم بالمسيحيين الجدد في صفوف الحزب، ولذا تظل حظوظ "رومني" الذي لم تتجاوز نسبة تأييده من قبل الجمهوريين25 في المئة في مهب الريح، ويضاف إلى ذلك كله عجز الحزب الجمهوري عن السيطرة على نوابه في الكونجرس من الحركة الذين يتبنون مواقف مخالفة للمؤسسة الرسمية للجمهوريين، لنخلص من كل هذا في الأخير إلى عبرة مهمة هي أن الجمهوريين لعبوا بالنار فأحرقوا أصابعهم، وأطلقوا الوحش اليميني المتطرف الذي عولوا عليه في مواجهة الديمقراطيين لينقلب عليهم







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز