نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
لماذا سأنضم للثورة السورية؟

دأبت إحدى الفضائيات المطعون في شرفها المهني، والأخلاقي، على عرض مشاهد رائعة وجميلة لتجمعات حاشدة في مكان مظلم، وغير منار بطريقة جيدة، معتـّم عليه، وغير محدد المعالم، ولا أحد يعرف زمانه ولا مكانه وتظهرهم وهم يغنون، ويرقصون، ويفرحون، ويدبكون، ويصفقون، ويهيـّصون، ويطلقون، وبحناجر ملتهبة، الشعارات والأهازيج في عنان السماء، ويغنون وكأنهم في عرس، ولكن من دون أن تظهر لنا العريس والعروس، و"الكوشة"، والزمّار، والطبال، الذي يرقص على إيقاعاته هؤلاء "المعازيم"، الغارقين في فرح ونشوة عارمة وسلام ووئام تام وسكينة نفسية خالصة أين منها الحلقات الصوفية ورقصاتها كما كنا نراها في الأفلام المصرية.

 ويستمر هذا العرس لدقائق معدودات، ولازالت الأفراح عامرة بدياركم. وبما أنني، ومن يوم يومي، أحب الفرح والبسط و"الفرفشة" والكيف، والليالي الملاح، وكنت دائماً أتحين مواعيد الأعراس والحفلات في القرية، وفي القرى المجاورة كي أحضرها، وكنت كلما سمعت بقصة عشق وحب بين شاب وفتاة أدعو لهم في سري، وقبل النوم كل يوم، أن يوفقهما الله بالقول "الله يتمم على خير"، كما يقال، ويتزوجوا في أقرب وقت، كي أحضر عرسهم، وكل ذلك لأستمتع بالموسيقى الفولكلورية، والأغاني الشعبية من الدلعونة والميجانا والعتابا والروزانا والمواويل والزجل الجميل.

 وكم كنت أطرب وأنا أرى الشباب والشابات الجميلات يرقصون الدبكة الشعبية التي كنت أنضم لها، وأستمر بها حتى يهلك الطبال من الضرب على الطبل، ويذهب للنوم. وكم كنت أحزن حين أسمع بفسخ خطوبة هذا عن تلك، أو فشل علاقة حب بين شاب وفتاة، أو حين يسافر خاطب ما، لأن ذلك سيفوّت علي فرصة الدبكة وحضور عرس من الأعراس.

 ولم أك أترك عرساً، ولا زهورية، ولا رابع عند الشيخ "مقبل"، ولا قدّاس، ولا طهور، ولا أية مناسبة فيها فرح، ودبكة ورقص و"فقص" كما يقولون، إلا وكنت أحاول حضورها وأترك الهمّ "لقدام" كما يقال، وكان شعاري دائماً في هذه الحياة الفانية، "يوم الفرح لا تفوته يا ولد، والحزن لاحقين عليه". ولا أجد اليوم، في هذه اللحظات الكئيبة من يخلق لي هذه الأجواء، ويحقق لي تلك الحالة من الفرح والدبكة والرقص والهرج والمرج سوى تلك المحطة المطعون بشرفها المهني، عبر بث تلك المشاهد والتي تقول أن هؤلاء "العرّيسة" والمصفقين هم ثوار سوريين، وما يحصل من رقص وغناء وأفراح وليالي ملاح هو ضمن ما يسمى بالثورة السورية التي قررت الانضمام إليها، ليس لأني ثوري، وما شاء الله من ثوار سيدنا ومولانا برنار، بل فقط كي نفرح مع هؤلاء القوم، وبالمجان، ونشاركهم الرقصات لأن ذلك في صلب هاداتنا وتقاليدنا، وحتى من دون عزيمة، ولكوني، وبسبب هذا الزمن الأسود، ومن زمن طويل، لم أحضر حتى لعبة "طرنيب" ولا طهور، ولا عرس، ولم آكل قرص، ولم أرقص دبكة.

 وحين سأذهب لعرس المحطة المطعون بشرفها المهني والأخلاقي، سأصطحب معي الأولاد أيضاً، حمودة، وعلوشة، وجعفورة، وحيدورة، وحسون، وبعض من أولاد الجيران ممن يحبون الأعراس أيضاً، وأعرفهم "دبـّيكة"، ويبيـّضون الوجه، ويحبون الكيف، كي يرقصوا قليلاً وينبسطوا مع الناس. ولا أدري إن كان هناك "شيشة" في تلك الحفلات، أو منكر، والذي منه، والعياذ بالله، فالأمر لا يخلو أحيناً في هذه الأجواء من كرع كم رشفة، وعلى بركة الله، وأستغفر الله لي ولكم على أية حال. وبهذه المناسبة الغالية، تذكرت فعندي "بابور كاز" من أيام الجيش، وترمس ورثته عن المرحوم جدي، طيب الله ثراه، سأصطحبه معي، طبعاً للترمس وليس للمرحوم جدي، مع علية متة كي نحتسي المتة في تالي الليل بعد حفلة العرس التي تبثها القناة المطعون بشرفها المهني والأخلاقي. وسأقول لأم العيال أن تعد "قضوضات" زعتر ولبنة للأولاد، فربما سيجوعون، وسأوصيها بأن تلبسهم ثياباً سميكة فالبرد يقص المسمار هذه الأيام كما يقولون.

وسوف أعسكر في عرس القناة المطعون بشرفها المعني، وأرقص وأدبك وأهيـّص مثل الناس، حتى يدرك الصباح شهريار. "هو نحن ورانا حاجة، وصايرة وصايرة؟" وتردف الفضائية المطعون بشرفها المهني أن هذه المشاهد هي لمظاهرات حية تـُبـَثّ من إحدى المدن السورية، في حين هي حفلة ديكورية كرتونية مفبركة ومصوّرة في إحدى المدن الخليجية، وذلك في حدث وحديث تلك الفضائية، المطعون بشرفها المهني، عما تسميه بالثورة السورية. وما يلفت نظرك أن هذه المظاهرات، والمتظاهرين(1)، يقومون بنفس الحركة، في تزامن مذهل، وكأنهم في عرض أوبرالي منسق وتم التدريب عليه جيداً، ولا تتغير ملابسهم لا في حر الصيف ولا في قر الشتاء، ولا في الصبح ولا في المساء، ولا في الليل ولا في النهار، ولا يلتفتون لا يمنة ولا يسرة، ولا يخافون من إطلاق النار عليهم من أحد، وتراهم في أحسن حال.

 كما تتساءل، ما دام الحديث عن ما يسمى بالثورة السورية التي تتعرض لقمع وحشي بالرصاص الحي على المتظاهرين العزل، كما تقول ذات القناة المطعون بشرفها المهني، أين الأمن السوري؟ وأين جيوش الشبيحة؟ بل أين المدرعات التي تقصف البيوت والسكان الآمنين؟ أين الجيش السوري الذي ركزوا عليه كثيراً؟ والأهم أين الطيران الذي يقوم بقصف هؤلاء؟(ربما بعد أن يئست الثورة من همروجة فرض حظر جوي، فقد نسي الشباب موضوع الطائرات التي تقصف هؤلاء المتظاهرين الذين يحضرون هذه الأعراس والأفراح بكل طمأنينة وأمان، ولم يعد أحد يتكلم عنها اليوم). "أي شو ها الثورات، ألف يخزي العين، ويا سلام".... على من تضحكون؟ ومن تستهبلون، والسوريون سادة الدراما والتمثيل والإخراج في المنطقة؟

(1) تابعت بعض المتظاهرين في تلك القناة المطعون بشرفها المهني، وهم عمال سيريلانكيين وهنود وبنغال، وأشكال البعض مثل الأشقاء المصريين، ومنهم سمر بالسمار الأفريقي المعروف الذي لا يوجد منه في سوريا مطلقاً. وأمكن لي بعد تسجيل بعض المظاهرات، وإعادة عرضها، لحظ بعض العمال بالبزات البرتقالية وبعضهم يعتمر الخوذات الصفراء الشهيرة أيضاً، وأرجو التدقيق للمصداقية.

 هذا والله أعلم.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز