نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
لماذا بق برهان غليون البحصة؟

وأخيراً بقّ برهان غليون البحصة، وأعلن عن الأهداف الإستراتيجية لثورته المسلحة ضد النظام السياسي الحاكم في سوريا. إنها لم تكن حقوق الإنسان، ولا رفع مستوى معيشة الإنسان السوري، ولا الديمقراطية وغيرها من الشعارات الأسبوعية التي رفعها الثوار جنباً إلى جنب، أحياناً، مع العلم الإسرائيلي في حي بابا عمرو، إنها، وبكل بساطة، إيران وحزب الله.

 وقال "سماحته" بأنه فور وصوله إلى القصر الرئاسي، فإنه سوف يقطع علاقات سوريا، بإيران وحزب الله، هكذا. وأنه سيفاوض إسرائيل على الجولان، أي أنه لن يعلن الحرب عليها كما كان يأخذ دائما على النظام. وهنا بدا واضحاً للجميع، أن برهان غليون، وناهيك عن أنه كان يعلن اصطفافا ويعطي لثورته هويتها السياسية، لم يكن يتكلم وينطق بنفسه، بهذه الدرر والجواهر السياسية، وبالأصح الهواجس والمناجاة والاعترافات، ويعبر عن روحه، بقدر ما كان يعكس سياسة، ورغبة، وتمنيات واستراتيجيات أمريكية، وإسرائيلية، وتركية، وخليجية، وسعودية خاصة، ويتحدث، من جهة أخرى، بالنيابة عن مصفوفة عقائدية يقبع الإخوان المسلمون على رأسها، في سعي هؤلاء جميعاً لتحجيم نفوذ إيران المتصاعد، والتخلص من البعبع الإيراني الذي بات يهيمن على سماء الإقليم ويفرض نفسه بقوة على كل قرار، إذ أصبحت إيران رقماً صعباً، في معادلة الإقليم السياسية لا يمكن لأحد أن يتخطاه.

وليس سراً، ها هنا، التأكيد على أصالة ومتانة وصلابة وعمق الروابط الإستراتيجية بين سوريا وإيران. ولولا إيران، تحديداً، ومجموعة البريكس على نحو عام، لالتهم العرب سوريا، وافترسوها، افتراساً وأكلوها و"بدون ملح"، كما افترسوا الزعيم الجماهيري، وسحلوه، وعرضوه، للفرجة، وبكل قسوة مهينة وصادمة جثة هامدة، على أرضية رثة في سوق للخضار، وبحقد وتشفي وغل وثأرية أبناء وثقافة الصحراء المعروفة. وقد شكلت تلك العلاقة الإيرانية السورية واحدة من المعضلات الحقيقية للغرب في الهيمنة والسيطرة النهائية على عموم الإقليم، الذي يبدو كله، باستثناء سوريا، حديقة خلفية لألعاب ولهو الغرب السياسي، تعبث به، وتفعل ما تريد وما تشاء. وتبدو المنظومة السياسية العربية التقليدية، برمتها، والملكية والمشيخية بوجهها الخاص، كالخاتم في الإصبع الغربي، يتصرف به كيفما، وأينما، ومتى أراد ورأينا ذلك في موقف الجامعة المشين التي ما اجتمعت، يوماً، إلا على ضلال، وهذا ما بان في شأن سوريا. وهذا هو على ما يبدو تصور غليون لسوريا في مستقبل الأيام، مجرد جرم صغير سابح في مدارات الخضوع والتبعية والارتهان للمشيخات، والإمارات، والسلطنات، كما هو حال مصر، وليبيا، وتونس الثورات.

 ومنصف المرزوقي(1)، خليفة تونس الجديد(2)، ووارث ثورة البوعزيزي، هو الآخر، وآخر حلفاء الإخوان، لم يأت، وربما مصادفة ونرجح السهو لانشغاله المحموم بقضية الشهيدة الحية زينب الحمصي، على ذكر ثورة البحرين، أو ثورة شعب القطيف المضطهد تاريخياً، في معرض عظاته وتنظيراته البلشفية عن عصر الثورات الأمريكية.

 وفي الحقيقة لم تأت تصريحات غليون عبثاً، ولم تكن حدثاً عارضاً في هذا الشأن، لا بل قل الهم والهاجس الإيراني المؤرق جداً للغرب، والذي بات محور سياسات غربية كاملة، وتقع ضمن استراتيجية(3) تيار بات يميز خطاب من يسمون بعرب الاعتدال، رعاة وعرابي الثورة الغليونية، ويتوافق مع أهدافهم، واستراتيجياتهم في قصم ظهر إيران، وكسر شوكتها، وهم الذين يظهرون أمامها كدمى وأقزام ودمى سياسية، فيما تحرز إيران يومياً إنجازات هامة على صعد شتى، سياسية، وعسكرية، وإستراتيجية(4). إذ بات هدف تحطيم إيران استراتيجياً وعسكرياً، واحداً من أهم الأهداف المعلنة أمريكياً وإسرائيلياً، وليس من العجب، والمصادفة، والحال، أن تتساوق الأهداف الغليونية، مع كل هؤلاء، وهو ينهل من ذات المعين، ويأكل خبزه من يد ذات الفران والطباخ، فلا بد أنه، والحال، بأنه سيضرب بذات السيف الصارم الهمام.

 ولقد كان دائماً مجرد التفكير بشن عدوان خارجي على سوريا لكسر علاقتها مع إيران، محفوفاً بالمخاطر وغير مضمون العواقب والنتائج، وهذا ما يفسر، بالتالي، النفي المتكرر من قبل جنرالات الناتو لأي سيناريو ليبي محتمل ومطروح ضد سوريا، وقد كانت حرب تموز إحدى بروفاته-العدوان- الفاشلة والمرعبة لكثيرين، ومن هنا كان لا بد من طرح سيناريو آخر يبدو محقاً ومغرياً ومسيلاً للعاب كثيرين في غلافه الخارجي عبر الطلاء والبضاعة الديمقراطية الأمريكية المعروفة، لكنه شيطاني وخبيث وتدميري في مضمونه وتركيبه الداخلي، وهذا لن يتم إلا عبر هذا الخراب والفبركة والدمار والدم الذي يسمونه بالثورة السورية، وهذا ما أكدته، صراحة، ودونما مواربة، تصريحات غليون لـ Wall Street Journal" " الأخيرة؟ وهذا كله لا يتناقض، بالطبع، وربما مصادفة أيضاً، مع هواجس وطموحات برنار هنري ليفي عرّاب الربيع العربي كما يسمونه، وكما اعترف وجاهر هو بنفسه بأكثر من مناسبة، وكما هو الحال بالنسبة لسيل التصريحات التي تأتي من البيت الأبيض والخارجية الأمريكية وبشكل شبه يومي تقريباً ضد إيران. فهل ينجح ثوار الغليون فيما عجز عنه، حتى الآن، الأمريكيون، والإسرائيليون والخلايجة والأتراك، والإخوان؟

 هوامش:

 (1)- هل مصادفة أن يكون المرزوقي أيضاً، كغليون، حاملاً للجنسية الفرنسية، ومدرس في جامعاتها، وسليل دوائرها المعروفة؟

 (2)- على اعتبار أن تونس، ومثل مصر وليبيا، قاب قوسين، أو أدنى من اعتبارها إمارة إسلامية، وقد تفاخر مصطفى عبد الجليل، مثلاً، بالسماح بتعدد الزوجات، كأحد أهم الإنجازات الاستراتيجية للثورات الإخوانية.

 (3)- يقال، والله أعلم، أن السعودية قد رصدت سابقاً مبلغ مليار دولار لشيطنة إيران وحزب الله، وتلا ذلك سيل من المقالات والدعائية التي تخدم ذات الهدف، في صحف أبي جهل، وأبواقها ومنابرها المعروفة، وعلى لسان الكتاب والمحللين المعروفين الذين يخدمون في جيشها الإعلامي.

 (4)- لقد كان إسقاط طائرة التجسس نقطة تحول بارزة في مسار إظهار مدى التقدم التكنولوجي الهائل الذي وصلت إليه إيران، وكان بنفس الوقت، موضع حرج ومهانة وإذلال لواشنطن، بقدر ما كان لعرب واشنطن بالذات، وبدا أوباما كطفل صغير جداً وذليلاً، وليس كرئيس قوة عظمى يبلع الهزيمة والمهانة، وهو يطالب الإيرانيين بإعادة الطائرة المأسورة والتي أوقعها الإيرانيون في فخ وكمين إليكتروني محكم ومحبوك.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز