نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
سوريا تشكـّل العالم الجديد

كثيراً ما نستذكر القول الشهير لكوندوليزا رايس، حين كانت الطائرات الإسرائيلية تقصف لبنان، إذ قالت إنه عالم جديد وشرق أوسط جديد يتشكل. وبالطبع، يومها، لم تقم الجامعة العربية بأي إجراء ضد إسرائيل، التي قتلت حوالي الـ 1300 شخصاً خلال ثلاثة وثلاثين يوماً، من عمر المواجهة، في صيف 2006، ربما لأن جدول مواعيد عمرو موسى، كان مزدحماً بزيارات شيوخ العرب، ولم يكن لديه وقت لمتابعة الأخبار.

 ونعلم، وتعلمون جميعاً، فقد وصلت قاطرات ما يسمى بالربيع العربي إلى العقدة السورية، وعند العقدة ”نخ” النجار، كما يقال، على أمل إكمال وتحقيق نبوءة الأميرة الإفريقية كما وصفها الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، وكما أوردت ذلك في كتابها الأخير” No Higher Honor”، لا شرف أسمى، فرياح الربيع العربي جرت بما لا تشتهيه بوارج وسفن الأطلسي، على ما يبدو، لاسيما عند العقدة والمضيق السوري، فما كل ما يتمنى برنار ليفي يدركه، وليس كل مرة تسلم الجرار الثورية، التي سلمت في تونس، وليبيا، ومصر، واليمن إلى حد ما.

 وكما هو معتاد في كتب التاريخ، ففي أعقاب كل المواجهات الكبرى في التاريخ تموت إمبراطوريات وتصعد أخرى، وتموت قوى وتولد أخرى. وتشير قراءة خارطة القوى الجديدة التي شكلها الربيع السوري إلى انبعاث، وتشكل، ويا لحزن كوندي، عالم وفضاء سياسي جديد، لم يكن، أبداً، بحسبان أحد من أدمغة وأرباب الربيع العربي. لقد ولدت ثقافة الرفض الدولي عبر مجموعة البريكس، كمحور مناهض لأحادية القطبية الأمريكية، مترافقاً مع سقوط أخلاقي وعسكري غربي مريع.

 فمنذ بداية تسعينات القرن الماضي لم نعد نسمع كلمة فيتو، أو نعرفها، ولم نتذكر أن أحداً ما قد قال: لا إلا في تشهده، وخاصة العربان الذين لولا تشهدهم لكانت لاؤهم نعم للأمريكان. كانت كل الرسائل تحاول القول أن النظام سيسقط خلال أسابيع، وقد اشترى القرضاوي، وباعتباره الأب الروحي وراعي هذه الثورات باعترافه بعظمة لسانه، جبة وعمامة جديدة لهذه الغاية علـّه يؤم صلاة العيد في المسجد الأموي في أحد العيدين، الفطر والأضحى، ويعتلي منبر غريمه اللدود الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي للاحتفال بالنصر والفتح المبين.

 وقد كرر آلان جوبيه، أكثر من مرة، مع رموز الربيع العربي الآخرين، بأن أيام النظام السوري باتت معدودة، وكله في إطار الحرب الإعلامية النفسية التي تعتبر الركيزة الأساسية في هذه الحملة الدولية غير المسبوقة ضد سوريا. غير أن شيئاً من هذا القبيل لم يحصل. وها هي الحياة تعود لطبيعتها المعتادة في سوريا، باستثناء بعض البؤر الساخنة التي تتواجد فيها عصابات رياض الأسعد التي تتدرب وتتسلل من تركيا والتي لا يعتقد بأنها ستكون قادرة على مقارعة ومجاراة الجيش السوري الأكثر عدداً، وعدة، وعتاداُ والمتفوق نوعياً، وتكتيكياً، وعملياتياً، وكما ظهر في تطور وسير الأحداث على مر تسعة أشهر حتى الآن.

 سيذكر التاريخ، أنه وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي في العام 1991، ساد نظام القطب الواحد الأوحد، إلى حين ظهور قوة عالمية جديدة مع وصول قطار الربيع إلى سوريا، وهذا واحد من أسوأ الكوابيس بالنسبة لواشنطن، وأكثر السيناريوهات رعبا بالنسبة لها بعد أن عربت لعشرين عاماً على المسرح الدولي في أحط ستربتيز سياسي عرفه التاريخ. .

وناهيكم عن المحور الاستراتيجي التقليدي الفعال، السائد في المنطقة من غزة إلى طهران وانضمام العراق مؤخراً له، (كانت تصريحات المالكي أكثر من مهينة، وتفتقر جداً للياقة الدبلوماسية لدى تناول الشأن السوري مع باراك أوباما، وأين؟ في قلب البيت الأبيض)، نقول ناهيكم عن هذا المحور والكوريدور الاستراتيجي الطويل، برزت اليوم مجموعة البريكس، اقتصادياً وسياسياً على الساحة الدولية، كند قوي، في ظل انكفاء وتراجع وتقهقر للمحور الغربي الأوروبي الأمريكي الذي يتداعى على نحو مرعب ليصل حافة الانهيار الاقتصادي كما هي الحال في اليونان، وإسبانيا، وإيطاليا، والبرتغال، والحبل على الجرار، ومن دون التعريج على سلسلة الكوارث والانهيارات المالية الكبرى في أمريكا قلب الرأسمال العالمي، فيما يلملم فلول بريمر أنفسهم، فارين من العراق، في واحدة من أقسى الهزائم العسكرية في تاريخ إمبراطورية العم سام. وفق ما هو منظور، وما هو متوفر من معطيات، لم تعد الولايات المتحدة الأمريكية هي القوة الوحيدة التي تتحكم بالقرار العالمي.

 وقد قال المندوب الروسي الدائم لدى حلف الناتو ديمتري راغوزين، في تصريحات غير مسبوقة وذات دلالة بالغة، إن الولايات المتحدة ستضرب روسيا في مرحلة قادمة، معلناً بذلك فطيعة مع كل سياسات المهادنة الروسية السابقة في العالم، وحيال المنطقة خصوصاً، لاسيما مع اكتمال نشر الطوق الصاروخي الأطلسي ضد روسيا كتمهيد أولي لما أشار إليه السيد راغوزين.

هذا تحول فظيع ومرعب ونوعي ومستجد ومن أحد أهم ذيول توابع زلازل الربيع العربي. نجحت العملية، لكن مات المريض، هذا هو واقع الحال، ولم يأت، ويالحسرة المتحسرين، الوليد الموعود الشرق الأوسط الجديد، ولم يسفر ذاك المخاض الطويل من عمر الربيع العربي سوى عن تجذير محور طهران-دمشق، وتقويته، وبعد المفاجأة النوعية الإيرانية في استدراج طائرة الشبح الأمريكية إلى كمين إليكتروني، وولادة محور البريكس وكسر احتكار الهيمنة والقرار الدولي. وبذا لم تكن كوندوليزا رايس، بالطبع، تعني قطعا، أو تقصد الوصول لهذه التحولات غير السارة بالنسبة لواشنطن على الأقل، مع نشر فوضاها الخلاقة، ولو كانت تتنبأ بذلك، أو عندها أدنى علم ببما سيؤول إليه ذاك التشكل والخلق الذي غنت له، لفضلت الإبقاء وربما، العودة للنسخ الأولى والأعتق والأكثر كلاسيكية وتخلفاً من الشرق الأوسط القديم، فهو خير وأفضل لها بكثير، وبكل تأكيد، حيث يصول ويجول الجنرالات والعسكر بالبزات الماريشالية والنياشين، وتختفي منه، تماماً، العمامات واللحى والجلابيب، وإن غداً لناظره قريب.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز