نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
سوريا ليست ليبيا ج2

نتابع في هذا الجزء الثاني والأخير، عوامل وممكنات القوة في سوريا، وتشابك وضعها المحلي، والإقليمي، والدولي، وطبيعة تحالفاته، أيضاً على غير مستوى، محلي، وإقليمي، ودولي، وما يجعل عملية سقوط، أو إسقاط النظام، بالقوة الناتوية وليس بالثورة السلمية،إن شئتم، أمراً أكثر تعقيداً، وصعوبة مما حصل في ليبيا، لنبرهن أو لنصل إلى الخلاصة، أو العبارة القائلة بأن سوريا ليست ليبيا. وبعيداً عن كل ذاك التهويل، والفبركات، والصخب والضجيج الإعلامي والأوركسترالية المتناغمة والمدهشة لـ40 محطة فضائية تبث على مدار الساعة، والأفلام التي يجري إنتاجها في إحدى المدن الخليجية وفق ديكورات مصممة خصيصاً لتبدو كما أنها في إحدى المدن السورية وكما جرى في تمثيلية اقتحام الساحة الخضراء

 نقول بعيداً عن ذلك كله، فلا تمثل، في الحقيقة، نسبة وأعداد المسلحين أي خطر حقيقي على النظام، ولن تتعدى القضية في شروطها الحالية، تلك العمليات والكمائن التي يتم قتل، أو القبض على فاعليها بعد وقت قصير، كما لم تمثل نسبة المحتجين "السلميين"، أية أرقام يمكن التعويل عليها حتى في إسقاط رئيس بلدية في قرية نائية، وهذا إذا علمنا، وكما أكد محمد حسنين هيكل، أن أكبر مدينتين في سوريا، اللتين تشكلان ما نسبته نصف مجموع السكان، لم تقم فيهما تظاهرة واحدة، وإذا أضفنا إلى ذلك مدناً سورياً أخرى بقيت هادئة تماماً، ولم يحدث فيها أية أعمال مسلحة، كالرقة، وطرطوس والسويداء، وعجزت هذه " الثورة" في أوج مدها الثوري عن إخراج مسيرة ربع مليونية، واحدة، وحتى لا نقول أقل ونصدم بعض المتفائلين حول تواضع الأرقام، وإبقائها لمدة نصف معتصمة في ساحة من ساحات المدن " المنتفضة" حسب تعبير الإعلام الثوري المشيخي.

 فقد كان السيناريو يقضي، وحسب الأنموذج الليبي، أن يمضي الملف وتتطور الأحداث وتتفاقم بسرعة، ربما أسرع من سرعة الملف الليبي، وكان البعض يتوقع أن ينهار النظام خلال أسابيع قليلة، ويجد الملف طريقه إلى الفصل السابع، لكنه اصطدم دبلوماسياً بالفيتو المزدوج الصيني الروسي، إضافة إلى تماسك، وانضباط، السوريين بشكل عام، وعدم حدوث تلك الانشقاقات المتوقعة، وفشل الحرب النفسية في إحداث البلبلة والانزلاق إلى الفوضى والانهيار.

 أما التعويل على دور تركي فهو لن يتعدى بالمطلق، التصريحات المتباينة والمتضاربة والمضحكة للمثلث الإخواني أردوغان -غل-أوغلو والتي تعكس، في الحقيقة، تخبطا وضياعاً، وعصاباً واضطرابا واهتزازاً أكثر من أي شيء آخر، وتدل على العجز، والفشل، والإحباط، فتركيا، عرقياً وإثنياً، أوهن من بيت العنكبوت، وقد تنفجر صراعاتها المكبوتة على نحو لا يمكن ضبطه والتحكم به، وقرار استراتيجي حربجي خطير بهذا الحجم ليس بيد أردوغان لوحده، مع وجود دولة مؤسسات قوية، وأحزاب فاعلة، وقوى معارضة له على الأرض، تكبح جماح هوسه الحربجي.

 وللعلم، وعلى النقيض من التهديدات الأردوغانية، فإن من أقام منطقة الحظر هو الجيش السوري، نفسه، وليس التركي، عبر نشر قوات على طول الحدود التركية السورية وبعمق 25 كم واعتبارها منطقة عسكرية يحظر دخولها لضبط ومنع تسلل أي مقاتلين منها ضارباً بذلك كل أوهام وتهديدات وأحلام أردوغان الدونكيشوتية الذي انفجر غاضباً عقب الخطوات السورية المفاجئة والصادمة، وأصدر تلك التصريحات الهذيانية.

 أما الموقف الغربي المكبل بالانهيارات الاقتصادية والهزائم العسكرية والخروج المذل من العراق، ومع الاستعداد للخروج الجماعي الخائب لرموزه، الأوبامية-الساركوزية-الكاميرونية، من مكاتب الحكم في 2012، في كل من واشنطن ولندن وباريس، فليس وارداً في تفكيره أية عودة عسكرية قريبة إلى المنطقة وهو لم يتعاف، بعد، من التهابات الجرح العراقي الألأيم.

 والأهم من هذا وذاك، لا يوجد حتى اللحظة ذاك الغطاء القانوني الدولي لتبرير أي هجوم دولي ضد سوريا، مع ثبات وعناد الموقفين الصيني والروسي ضمن مجموعة البريكس الـ BRICSالتي تتبنى نفس الموقف المتشدد حيال الملف السوري. (اعتبر لافروف أن أية طائرة تطير فوق سوريا، بأنها تطير فوق روسيا، هل ترك لهم لافروف أي مكان للحلم)؟ وإذا كان القذافي قد سلـّم كل أسلحته، وبرامجه النووية ووقف عارياً في الصحراء يتغزل بكونداليزا رايس ويكتب لها الأشعار الجماهيرية، ولم يبق له أي عمق استراتيجي أو ظـَهـْر يستند إليه في وقت الملمات والشدائد، وأدار ظهره بكل غباء للروس والصينيين، " وطنـّشهم" تماماً، وأحجم عن التعامل مع قوى دولية فاعلة أخرى، وارتمى في حضن الغرب، واضعاً كل بيضه في سلة أمريكا بعد كل تلك الخطب النارية التي كان يختمها بـ "طز في أمريكا"، فإن سوريا، بكل بساطة، ومقارنة، لا تقوم بكل ذاك العبث والهراء، ولذلك هي لا تقف لوحدها في هذه المواجهة.

 وهي جزء من نظام إقليمي إستراتيجي فاعل، ومحور وكوريدور جغرافي يمتد من غزة إلى طهران، من الصعبُ جداً هزيمته، وتفكيكه بتلك السهولة والسذاجة الغربية والعربية المأمولة. وكَانتْ سوريا، ولعقودِ، تنْسجُ روابطَ قويةَ بالبلدانِ الإقليميةِ الفعّالةِ مثل إيران، و أخرى، على المستوى العالميِ، مثل روسيا والصين اللتين ترفضان، لحدّ الآن، أيّة محاكاة أو إستنساخ للسيناريو الليبي في سوريا. وكما لا يَجِبُ أنْ يَنْسي أن هناك قاعدة عسكريةَ روسيةَ هامة في مدينة طرطوس، الميناء السوري الساحلي. ما يعني-السيناريو اليبي- إخراجاً نهائياً لروسيا من "المياه الدافئة"، حلم القياصرة القديم، لن تتخلى عنها بتلك السهولة، وستكون هزيمة وضربة مؤلمة للأمن القومي الروسي، لاسيما بعد التأكد واتضاح نوايا ما يسمى بالمجلس الوطني حيال موسكو والسلبية التي أبداها في زيارته لها.

 وهناك اليوم توازن رعب حقيقي لدى المحاور الرئيسية التي تتحكم بالإقليم، يمنع كثيرين ربما عن مجرد التفكير بأية حماقة عسكرية، غير محمودة العواقب، وقد كانت كل تلك التصريحات الإيرانية النارية تصب في هذا السياق. وعلى الجهة المقابلة، وفي سابقة هي الأولى من نوعها، جمع سيرجي لافروف، السفراء العرب، في موسكو، أمس، ليطلب منهم الكف نهائياً عن توجيه أية إنذارات لسوريا، والتوقف عن استخدام هذه اللغة، التي لا تخدم الحوار والعملية السياسية كما قال، ولا نعتقد أن لدى لافروف الكثير من وقت الفراغ، كي يهدره مع السفراء العرب، ونعلم أن الرجل، لا يحب المزاح كثيراً، وهذا واضح من تقاسيم وجهه، وبروده الدبلوماسي الغريب، ولم يسبق أن ظهر مبتسماً في أية صورة.

 وعملياً، وبحس استراتيجي عميق، ونتيجة لخذلان، وتخاذل من يسمون بالعرب، وغدرهم لسوريا في ما عرف بحرب تشرين/ أكتوبر 1973، وغيرها من الملفات الإقليمية حيث كان تجاوب العرب، وانخراطهم وغيرتهم على الشأن العربي ثقيلاً متكاسلاً ومتردداً، إن لم نقل متآمراً ومتواطئا، ولذلك، فقد نفضت سورية يدها من العرب من زمن بعيد، وقوة السوريين تبدت في عدم ارتباط سوريا بالعرب، وليس في الوحدة والتضامن العربي كما كان يرطن إعلام البعث البائس على الدوام، ومن أظرف النكات التي سادت مؤخراً تباكي البعض على ما تسمى معاهدة الدفاع العربي المشترك.

 وقد لاحظ السوريون موقف الجامعة والعرب سابقاً من خلال صدام حسين، ومن العقيد القذافي نفسه، إبان حصار الثمانينات والتسعينات، وكيف لم يحركوا ساكناً لنجدة أخ لهم في العروبة والإسلام، فعمل السوريون على بناء عوامل وممكنات قوة من خارج هذه المنظومة والفضاء العربي العاجز الهزيل المتخاذل، والتوجه نحو، والاعتماد على دول صديقة، وصادقة، وذات تاريخ دبلوماسي رصين ومستقل، كإيران، وروسيا، والهند، والبرازيل، والصين، وجنوب إفريقيا، وفنزويلا وكوبا، أما هؤلاء العرب فلا أحد يعوّل عليهم في أي شيء بنـّاء وإيجابي وإنساني، اللهم إلا بالخراب الدمار وجلب النحس والشؤم، وكما تقول الأمثال الحق البوم يدلك على الخراب، فلقد كان صدام حسين (حامي البوابة الشرقية وسيف العرب كما تغزلت به، ذات يوم، الشاعرة الكويتية سعاد الصباح وتمنت الزواج منه)، وكان حسني مبارك، وبن على، ومعمر القذافي، وعلي صالح من أعمدة وركائز النظام الرسمي العربي لكن تم بيعهم والغدر بهم من نفس العرب حلفائهم القدماء، ومسحت الأرض بكرامتهم، وخرجوا بشكل شنيع وغير لائق، وكله على يد، وبمساعدة العرب فمن هو ذاك الغبي، والأحمق الذي سيراهن، وسيثق بالعرب بعد هذا التاريخ الأسود المشين؟ وعسكرياً ولوجستياً، فإن أي هجوم بري، ووفق أبسط مبادئ العلوم العسكرية، فإن كل قوة مهاجمة تتطلب أربعة أو خمسة أضعاف القوى المدافعة، أي أن الجندي المدافع باستطاعته، إعاقة تقدم خمسة جنود مهاجمين

 وإذا افترضنا بأن سوريا تمتلك فقط 100 ألف جندي، وبافتراض تحييد القوة الصاروخية والجوية وعدم وجودها، فإن القوات المهاجمة يجب أن تكون وفق أقل تقدير 300 ألف مهاجم، بينما كان 15 ألف مقاتل، بزعامة عبد الحكيم بلحاج، نزلوا في ميناء طرابلس قادرين على دخول الساحة الخضراء واحتلال باب العزيزية معقل العقيد القذافي المحصن، من يتخيل، وبافتراض انسحاب روسيا والصين، في هذه الحالة سيناريو ليبياً في سوريا؟ ومن هو قادر على تمويل والسيطرة على حملة بذاك الحجم، من دون وقوع خسائر بشرية فادحة وهائلة؟ ومن يتخيل حجم الدمار الهائل الناجم عن هكذا سيناريو، والأمر بالتأكيد لن يكون مزحة، ولا نزهة، ولا هدفاً سهل المنال، في ضوء ما لاقاه، وواجهه المسلحون السوريون، حتى اليوم، من تصد وهزائم موجعة واستسلام بالآلاف، لم يتخيله حمد بن جاسم على يد قوات الجيش السوري.

 فالقطريون، الذين يرعون "الثورة" السورية، تماماً، كما يرعون أية شركة فنادق أوروبية، ووفق ما نقل، كان يعدون القرضاوي لإمامتهم، كـ"فاتحين"، في صلاة العيد، في المسجد الأموي الكبير في قلب دمشق الفيحاء، كما فعلوا في ساحة التحرير. إذن، ووفقاً لهذه المعطيات، لن يكون هناك سيناريو ليبي في سوريا، وسوريا ليست ليبيا، بالتأكيد. لكن هذا لا يعني أن ينكفئ ويتراجع المد "الثوري" في سوريا، وأنه لن يكون هناك تصعيد على عدة مستويات، وسيناريوهات مختلفة بديلة، ستظهر تباشيرها قريباً، ولكن وحتى اللحظة، لا يمكن الجزم والقول بأن هناك سيناريو ليبي في سوريا، أو أن هناك أية نذر حرب تلوح في الآفاق، إلا إذا كان البعض مصراً على الموت والانتحار.

 انتهى.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز