نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
سوريا ليست ليبيا ج1

أغرى نجاح أنموذج تدخل الناتو في ليبيا استنساخه في غير مكان يشهد ما تسمى ثورات عربية، وتحديداً في سوريا التي يتم تحضيرها، على ما يبدو، لمصير مشابه. إلى ذلك جاء في الأنباء أنه سيتم إرسال مقاتلين ليبيين ممن ساهموا في إسقاط القذافي إلى سوريا، دعماً لمن يسمونهم ثواراً سوريين، وأن اجتماعاً عقد لهذه الغاية بين عبد الحكيم بلحاج، الذي طار إلى أنقرة لهذه الغاية، وهو بالمناسبة سجين سابق على ذمة الإرهاب الدولي، وسلـّم إلى ليبيا وأفرج سيف الإسلام عنه قبل وقت قليل من اندلاع الأحداث، وهو أيضاً عضو قيادي في الجماعة الإسلامية التي تستمد إيديولوجيتها من الفرع الليبي للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، وأصبح لاحقاً آمر طرابلس العسكري الذي كان على رأس القوة التي "فتحت" طرابلس الغرب، على غرار فتح مكة، كما رطن بذلك، في حينه، أبو الأصفار ابن أوغلو، وأسفر ذلك عن فرار سيادة العقيد القذافي، وبقية القصة معروفة للجميع

 نقول طار للاجتماع مع ضابط أمريكي رفيع في تركيا، ومع أعضاء ممن يسمون منشقين والجيش السوري الحر، ومسؤولين أتراك آخرين.

 وبداية لا بد من التعريج على التحول الاستراتيجي الذي طرأ على آليات واشنطن فيما يسمى بمشروع "دمقرطة" الشرق الأوسط، الذي ما زال قائماً، ويقضي بالمجمل بجلب وتنصيب من يعرفون بـ "كرازايات" مرتبطين بالغرب، ممن عاشوا في كنفه، ونالوا جنسيات بلدانه، ووضعهم في سدة الحكم في بلدانهم الأصلية، وهذا السيناريو جرى في أكثر من بلد استهدفته الديمقراطية الأمريكية الموعودة.

والتحول الاستراتيجي ذاك، يهدف إلى خفض الكلفة، والنأي عن غزو البلدان مباشرة، أو التدخل عسكرياً بها، ولاسيما بعد التكلفة البشرية والمادية العالية التي دفعتها الولايات المتحدة والناتو عموماً، وبعد الهزيمة القاسية والمذلة التي تعرض لها الجيش الأمريكي في العراق، وبدا فيها ضعيفاً وفاقد الحيلة، وربما دفعت المقاومة العراقية الاستراتيجيين الأمريكيين إلى ذلك التحول عندما ارتأت واشنطن أن يكون الصراع والحروب داخلية، وذاتية، وفيما بين القوى المختلفة على أرض أي بلد مستهدف، ودعم المعارضات فيها، وإبرازها، وتقديم السلاح والمال العربي لها طبعا، بمساعدة وكلاء آخرين يعملون على الأرض، ومن ثم، التفرج والاستمتاع بما يجري، وبغض النظر عمن يفوز من كلا الفريقين المتحاربين، وحجم الخسائر الفادحة كما في الحالة الليبية، ولكن وفي كلتا الحالتين، فالرابح هو واشنطن وحلفاؤها، كون البلد سيتعرض لكثير من الضعف، والتمزق، والانقسام الداخلي، ما سيسهل بالتالي عملية التحكم به، والتدخل بشؤونه، وفرض الإملاءات عليه، وبصرف النظر كما قلنا عن نتيجة الصراع، وبذا تحقق واشنطن أهدافها في "الدمقرطة" ونشر الفوضى الخلاقة، من دون أن تتورط مباشرة في أي عمل عسكري مباشر، في النزاعات الداخلية، ومن دون أن تخسر جندياً، أو دولاراً واحداً، لكنها في المحصلة ستكون هي المنتصرة.

 وطبعا هذا السيناريو هو أحد آخر آليات التغيير المستحدثة، كما قلنا، عن خبرة وتجربة، حين لا تعمل آليات السيناريوهات الإعلامية والضغط السياسي والدبلوماسي والتهويل والتجييش كما جرى تطبيقها في كل من تونس ومصر.

 لكن حين تفشل وتتعثر تلك الآليات، ولا تعمل "همروجة" السلمية، يتم اللجوء لتفجير الصراع عسكرياً كما في ليبيا وسوريا، وبعد أن صارت سلمية الثورة وراء ظهورنا، ومن الماضي وبعدما حاول كثيرون إخفاء لا سلمية "ثورتنا" منذ البداية، وهذا باعتراف من هيلاري كلينتون ذاتها، وبصفاقة لا توصف، حين طلبت من ثوارها "السلميين" في سوريا وأملت منهم عدم إلقاء أسلحتهم، وحين بدأ الكلام شيئاً فشيئاً، يظهر للسطح، مع الاعتراف العلني والصريح بوجود الجيش السوري الحر.

ولكن، وللحق، فثمة عوائق كثيرة تحول، في الواقع، دون نجاح، أو "إنجاح"، الأنموذج الليبي في سوريا، فهؤلاء الثوار الليبيون المستوردون الجدد (ربما التوصيف الأفضل لهم بالمرتزقة)، ليسوا أكثر براعة ومهارة من زملائهم الثوار في سوريا في شيء، الذين فشلوا، حتى الآن، في تحقيق أي تقدم على الأرض، وسلخ حتى عشرة أمتار مربعة، يقيمون عليها إمارتهم الظلامية الموعودة، وتم استئصال شأفتهم على نحو جراحي ماهر، في بؤر التوتر الساخنة المختلفة في درعاً، وبانياس، وجسر الشغور، وحماه، ...إلخ

 وها هم في حمص في النزع الأخير، يتراجعون على نحو دراماتيكي، وتضيق عليهم الدوائر كثيراً، وما الإعلان عن إدخال مقاتلين ليبيين لـ "نصرتهم"، إلا تأكيد على هذا الواقع اللوجستي، وعلى طبيعة ميزان القوى السائد والقائم على الأرض، وعلى حجمهم الحقيقي، بعد تسعة أشهر تقريباً من عمر ما تسمى بالثورة السورية.

 هذه حقائق ملموسة تتأكد يوماً إثر يوم، ومعلومات إخبارية متداولة ودقيقة، وأمانة مهنية لا نتاجر بها، حتى لو استفزت وأغضبت البعض.

 ومن هنا، علينا التأكيد، والتذكير في كل مرة، أن سوريا ليست ليبيا، لأسباب وعوامل كثيرة، وكثيرة جداً، سنكتفي بذكر ما قد يلعب دوراً هاماً في توجيه الصراع، أولاً وترجيح كفة الاختلاف عن ليبيا، ثانياً، وبالتالي، ومنطقيا، اختلاف النتائج والمسارات والمآلات، ولاسيما، وهو الأهم، لجهة تعداد وحجم القوات العسكرية، ونوعيتها، وتجهيزها، في كلا البلدين، فإذا علمنا أن عدد الجيش الليبي في بلد مترامي الأطراف وشبه قاري، كليبيا، لم يكن ليبلغ أكثر من 35 ألفاً، كما هو معروف، مع تجهيز وتدريب متواضع، وترهل ونقص فظيع وهائل بالقدرات والخبرات القتالية التي لم تمتحن، إلا لماماً، إضافة للانشقاقات الشاقولية والأفقية الحادة ولرتب عالية، التي أصابتها، كما هي حالة الجنرال عبد الفتاح يونس الذي قتل بطريقة غامضة لاحقاً، ولن نعرج على الحماقة التي ارتكبها القذافي بتسليم كامل عتاده وبرامجه النووية، والبيولوجية والكيميائية إلى الغرب، ووقوف القذافي من دون أي عمق استراتيجي، وحيداً ومكشوفاً في الصحراء الليبية، على عكس الجيش السوري، الذي يفوق أعداد الجيش الليبي بنسب لا تقارن، ومساحة سوريا التي تساوي تقريباً 15% من مساحة ليبيا، وناهيكم عن تجهيزه العالي وتحديثه المستمر، وخوضه لغمار مواجهات متعددة مع أعتى القوى العسكرية والميليشيات المسلحة في المنطقة، وقد أذهل في أدائه وتعاطيه مع المسلحين معظم المراقبين، والخبراء العسكريين، وكثيرين ممن توقعوا انهياراً سريعاً ودرامياً له، مع العلم أن القوات العسكرية التي شاركت حتى اليوم بالتصدي للمسلحين لا تتجاوز نسبتها الـ 10% من مجموع القوات الكاملة

 فقوات النخبة الأخرى لم تشارك في أي من عمليات التصدي للمسلحين الذين روعوا الأهالي الآمنين كما ذكر سيرجي لافروف اليوم. وقد أثبتت المعالجات الأمنية، كما أسلفنا، لبؤر المسلحين، عن قدرات ومهارات قتالية عالية قلّ نظيرها في أي جيش في العالم، ومن غير الواجب، والحال، الاستخفاف، والاستهانة بذلك على الإطلاق، ومن هنا يجب الكف عن الزج بالمزيد من المسلحين في أتون هذه المحرقة، حيث لن يكون بمقدورهم تقديم أو القيام بأكثر مما قام به زملاؤهم السابقون، وإذ لا يكاد يمر يوم، إلا ويعلن عن قتل عدد كبير منهم، والقبض على مجموعات كبيرة

 أما حالات الاستسلام الجماعي لقوات الجيش، فتلكم رواية أخرى قد تبدو خارج السياق والاهتمام.

 وطبعا، لا مجال، ها هنا، لذكر القوة والترسانة الصاروخية الهائلة التي تقدر بأكثر من 300 ألف صاروخ استراتيجي للاستخدامات الإستراتيجية والمواجهات الشاملة، قد تحيـّد في حال استخدامها في العمق، أي طيران، وأية قوات برية وغير برية، ومهما بلغت قوتها، وتقطع عنها سبل الإمداد.

 كما أنه من الواجب التذكير أن سوريا، بقيت من جهة أخرى، صندوقاً، ولغزاً عسكرياً محكماً لا يعرف ما بداخله، حير معظم المراقبين، ورغم التحرشات الإسرائيلية المتعددة لاستدراجها واستفزازها في غير مناسبة، لكشف ما في صندوقها من ذخير، في الوقت الذي سلّم فيه القذافي للغرب كل أسراره العسكرية، وفتح خيمته الشهيرة لجيوش الوفود الغربية المزروعة بعملاء والجواسيس كما هو معروف.

 ونحن ها هنا، إذ نورد هذه الحقائق والمعطيات لا نتكلم من فراغ، ولا من رغبويات وأحلام وتمنيات، ولا نمارس أي نوع من هواية الـ Wishful Thinking، بل من واقع تجربة، ومن "بروفة" صغيرة تم تجريبها، بالوكالة، في حرب تموز من العام 2006، والتي جعلت الطيران الإسرائيلي، مع طياريه، والقوة المدرعة الإسرائيلية الضاربة درة وفخر الصناعة الحربية الإسرائيلية، وهي الميركافا، مع طواقمها، في إجازة مفتوحة طيلة أيام الحرب الـ33، عندما وقفوا، جميعاً، وهم يراقبون، كأطفال مبهورين، يتفرجون على الصواريخ المنطلقة وهي تعبر فوق رؤوسهم، من جنوب لبنان باتجاه المدن الإسرائيلية، الأمر الذي غيـّر، وإلى الأبد ربما، من طبيعة وآلية الصراع، ما حدا بسكان إسرائيل، ولأول مرة في تاريخ الدولة العبرية، للنزول إلى الملاجئ والاحتماء بها، ومعرفة معنى الخوف ومعنى أن يكون الإسرائيلي هو الضحية، وليس صاحب اليد العليا.

 يتبع غداً







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز