نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
متى يتحضر العرب؟

مع جرعة واضحة من التشفي، والخطاب الثقافوي الصحراوي المعهود إياه، يتم تداول تيوب لآرييل شارون، ممدداً على سرير في مشفى، شارون هذا كان وزيراً للدفاع حين دخلت القوات الإسرائيلية إلى بيروت في العام 1982، و شغل منصب رئيس وزراء إسرائيل، في العام 2001 إلى حين إصابته بجلطة دماغية قبل ست سنوات من الآن.

 ومنذ ذلك اليوم وشارون طريح الفراش، ويعيش على الأجهزة والسيرومات، وأنابيب التنفس التي تمده بالأوكسجين والبقاء، ويحظى بكل احترام وتقدير من قبل شعبه ومن كافة الطاقم الحكومي سواء كان من الليكود أم من العمال، ويعمل الجميع على إطالة عمره، رغم استحالة الأمر، عملياً وفيزيولوجياً فقد ماتت كل أجهزة الرجل وأتلفت معظم خلاياه، لكن قد يستمر هذا السبات لسنوات قادمة وهناك حالات مشابهة أكثر من أن تحصى بهذا الصدد. وبغض النظر عن الموقف السياسي والأخلاقي من شارون، ومن سياساته ومغامراته المختلفة التي ارتكبها بحق شعوب ودول الإقليم المجاورة، وما تمخض عن ذلك من مآس وآلام وتهجير وجراح وآلام، ونشارك شرائح واسعة تلك النظرة للرجل والموقف العام المشترك من أي احتلال وعسكرة، والذي لا يمكن للمرء إلا أن يدين كل حماقة عسكرية طائشة تنجم عن قتل أبرياء ومدنيين عزّل، لكننا، بآن، لا يمكن أن نتغاضى عن، ونهمل الجانب الآخر للقصة، والوجه الآخر للرواية، والنهاية الشارونية، وهي هذا الخروج الآمن من الحكم، والتي-النهاية-أقل ما يمكن أن يقال فيها أنها محترمة ومشرّفة، لمن خدم وكان ذات يوم في موقع المسؤولية في الدولة العبرية.

 فالحياة الخاصة بالنسبة لزعمائهم، ولمواطنيهم، أيضاً، مقدسة، ويجب ألا تمس. هذه ثقافة بالتأكيد والأمر ليس اعتباطاً ورغم أن لشارون، ويجب أن نتنبه لهذا، معارضين سياسيين ومنافسين كثر، ويختلف معهم ويختلفون معه حول الكثير من القضايا.

 وفي الحيقية، لا يمكن لأمر كهذا أن يعبر ويمر مرور الكرام، وأنت تتابع هذا التيوب، إلا أن تقفز إلى ذاكرتك، والمشهد ما زال ساخناً وحياً في الذاكرة، تلك الصور المقززة، والمؤلمة، لحياة زعيم آخر على الضفة الأخرى من إسرائيل، ونعني العقيد المسحول معمر القذافي. وبغض النظر، أيضاً، عن الموقف من القذافي، الذي أعطيناه حقه، وحبة مسك، وحين كان في أوج سلطانه ومجده، ويوم كان مصطفي عبد الجليل وزير "ظلمه"، وليس عدله، وكان محمود شمام، ما غيره، مستشاراً لسيف الإجرام، إلا أن المرء لا بد أن يدين ويستنكر تلك الطريقة المهينة، والاعتداء الجنسي الآثم الذي تعرض له، على أيدي آسريه، وهو معتقل وأسير حرب، مجرداًَ من أية قوة، هكذا تفترض أدني مبادئ الأخلاق الثورية.

 كم كان الثوار سيكبرون في نظر العالم لو تم التعامل مع ذاك الرجل الأسير، بطريقة مختلفة، وتمت معالجته، في إحدى المشافي الثورية، بإنسانية، ليتعافي من جراحه، ومن ثم تقديمه لمحكمة عادلة، كي ينال جزاءه عما قام به، وعما اقترفته يداه خلال أربعين عاماً من التهريج السياسي المقيت؟ كم كان هؤلاء القوم سيبدون متحضرين، ومتمدنين في عين الآخرين؟ هؤلاء، وفق ما حصل، قذاذفة آخرون، ومجرد "عقداء" بلباس مختلف، وليسوا ثواراً، بالتأكيد، بل ثأريين، طالما أنهم يحملون نفس ثقافة العقيد ويؤمنون بالقتل السحل والجر والتنكيل؟ وفي الحقيقة، أيضاً، فإن ثقافة السحل والقتل والانتقام لم تغب عن حياة العرب منذ ظهورهم على مسرح الحياة في القرن السابع الميلادي، وهم يتقاتلون، ويتصارعون، ويسحلون، ويذبحون ويسلخون جلود بعضهم البعض، شعوباً، وقبائل، أفراداً وجماعات، نخباً، ورعاعاً، وزعماء وخلفاء، وأولياء صالحين، ودهماء. وقلما ترى تلك الصفحات الناصعة المشرقة البيضاء في حياة، وسلوك وثقافة من يسمون بالعرب. ونتذكر جميعاً عمليات التصفيات الجماعية، وسمل العيون، ونبش قبور خلفاء بني أمية، مثلاً، على أيدي العباسيين، وحمل "رأس الثورة" على طبق في قصر يزيد، كما ينشد مظفر النواب.

 وها هم أحفاد تلك الثقافة يكررون سيرتهم الأولى ولم يأتوا بأي جيد يذكر، وكل الحمد والشكر لله، "صافية وافية" كما يقول المثل الأردني. فأين الثورة التي هي بالدرجة الأولى انقلاب على القيم والمفاهيم السائدة؟ هل يتجرأ أي من ثوار اليوم ومهما علا كعبه، وطال "شنبه" أن يتجرأ على المطالبة بإبدال، والاستغناء عن كل القيم، والمفاهيم، والأخلاق والتقاليد المتوارثة أباً عن جداً ويحافظ عليها الجميع بشيء من القداسة والورع والطهرانية والولاء؟ الأمر الآخر الذي يجعلك تدين ثقافة الصحراء وتراثها المشين، هو حين يكون أحدهم في أوج قوته ومجده وعزه، يـُعامل بقداسة واحترام تصل حد عبادة الفرد، رغم كون المشاعر الداخلية مختلفة، وما إن يهوي أو يميل قليلاً حتى تستنفر وتشحذ له السكاكين.

وكم من خليفة ووال وحاكم وزعيم تحول بين لحظة وأختها من قديس إلى شيطان رجيم يركل ويرفس في الشوارع ويداس كالخنفساء ويذهب دهساً ببين الأقدام؟ هذا، ربما، غير موجود في ثقافات وعند بشر آخرين، وهذا هو، وربما، أيضاً، ً سر احتفاء الإسرائيليين بزعيمهم شارون، احترامه في عزه ومجده، كما في ضعفه وهوانه وعجزه. جرعة المبدئية والأخلاق واضحة وملموسة تماماً، رغم أن من يقوم بهذا "يهود" وصهاينة وإسرائيليون محتلون . وفي تراثنا المجيد، وكل أمة أتت لعنت أختها. (هل يعلم البعض أن طارق بن زياد، نفسه، مثلاً، قد مات فقيراً معوزاً متسولاً في شوارع دمشق؟) وموطني موطني.

 ندرك تماماً مدى الحساسيات والانفعالات والمشاعر التي قد تنجم عن إقحام شارون ها هنا، وطريقة معاملة الإسرائيليين المثلى والإنسانية له، وعن طلب الرحمة والمغفرة لديكتاتور وسفاح عربي، لكنا المقارنة تقتحم كيانك وتتلبسك، وندرك أكثر الحاجة إلى تغيير الثقافة، وطبيعة التفكير، والسلوك، هذه هي الثورات الحقيقية التي عرفت عبر التاريخ، أما تكرير نماذج القتل، والثأر، التصفيات، وإعادة إنتاج الحقد والكراهية، فهي تعني ذات الدوران في ذات الحلقات التاريخية المنكرة، التي نعرفها جميعاً. وبدل أن توضع الآلات الحادة في مواضع حساسة لهذا الأسير، وذاك الزعيم، لتوضع بدلاً منها أنابيب التنفس، وسيرومات الحياة، كما فعلت إسرائيل مع زعيمها المريض.

 لنتحضر قليلاً ونفكر بطريقة مختلفة تماماً عما فكرنا به، ومارسناه في تاريخنا التليد وإلا سنبقى نلف وندور حول ذات الطواحين، ونحمل ذات الماء، وبنفس النمط الممل القديم، وعلى ذات المنوال. والسؤال لمروجي التيوب، وغيرهم، ماذا لو كان شارون زعيماً عربياً؟







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز