نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
هل أفلست الجامعة العربية؟

بذات الحركات الاستعراضية والمسرحية المتلفزة، إياها، أعلن ما يسمى بمجلس الجامعة العربية، الذي استفاق من غيبوبة وسبات دبلوماسي مديد لا يشبه سوى غفوة أهل الكهف، وذلك على وقع التهويش والتطبيل الإعلامي في سورية، هذا المجلس الذي عقد اجتماعه يوم أمس في الرباط، وهنا تكمن رمزية في الموضوع كونه ذراع خليجي جديد، وبمعية وتحت ظلال القوى الإخوانية الصاعدة على الساحة عبر استقبال المبعوث العثماني أحمد داوود أوغلو، صاحب نظرية تسعير وليس لتصفير المشاكل، وقال المجلس، في ختام جلسته، بأنه سيقوم بفرض عقوبات اقتصادية على سوريا في حال عدم التزامها، أو تنفيذها لبنود المبادرة العربية، فيما أعلن حمد بن جاسم، أن الدبلوماسية العربية قد وصلت لنهاياتها.

 وقبل المرور على موضوع العقوبات الاقتصادية، سنعرج قليلاً على تصريحات حمد بن جاسم، أولاً، ومن ثم سنتناول باقتضاب شديد موضوع العقوبات الاقتصادية.

 وفي موضوع وصول الدبلوماسية العربية إلى نهاياتها فيمكن قراءتها من عدة وجوه. أولى هذه الوجوه هو، وكبديل لانسداد الخيار الدبلوماسي ، التلويح بالانتقال إلى التخريب وإدخال المزيد من المسلحين ودعمهم بالمال والسلاح وفق النموذج الليبي، أي عمليات تصعيد على الأرض بعد أن وصلت العمليات أدنى مستوياتها، وفي نزعها الأخير. وثاني تلك القراءات، أن العرب "قد ركبوا أعلى ما في خيلهم"، حيال القضية السورية، ورفعوا الراية البيضاء، ولم يعد لديهم ما يقدمونه، تالياً، في الموضوع.

 وثالث تلك القراءات هو التهديد بتدويل الأزمة السورية ونقل الملف من مجلس الجامعة، إلى مجلس "الغبن" الدولي. ورابع تلك القراءات أن الرجل بات يطلق أي كلام للاستهلاك الإعلامي والتسخين المطلوب، وأنه لا يعي ولا يدرك ما يتكلم به، وهو المرجح برأينا، ويجهل حقيقة وطبيعة الجغرافية السورية سياسياً، وديمغرافياً، ووطنيا، وهو سبب الفشل المريع الذي تم حتى الآن في تحقيق أي تقدم لوجستي على الأرض، ففي أبسط مبادئ التفاوض والتجاذب السياسي والدبلوماسي، أنت تفرض شروطك بقدر ما تملك من قوى على الأرض، وإذا لم يكن لديك قوى مؤثرة وفاعلة على الأرض، فأفضل نصيحة يمكن أن تقدم لك هي لا تفاوض، حفظاً لماء وجهك، فالقوة على الأرض هي التي تحدد مدى قوة المفاوض وضعفه، وليس التهويش والتهويل الإعلامي وتيوبات الإنترنت و" بوستات" الفيسبوك. وبالانتقال، سريعاً، إلى التلويح بموضوع العقوبات الاقتصادية ضد سوريا، فإن آخر ما تفكر به، وما يرعب سوريا، والسوريين، هو العقوبات الاقتصادية، ناهيك عن القدرة، والسهولة للالتفاف .عليها، وبسبل شتى، ومتنوعة، وإن كانت سوريا ليست بحاجة، لممارسة هذا الالتفاف إلا في حدود ضيقة، فسوريا، تأكل وتشرب وتصرف على أبنائها مما تنتج. والحقيقة الاقتصادية الأهم، هي أن سورية ليست مدينة لصندوق النقد الدول بفلس واحد، وسعر صرف الليرة السورية لم يتزحزح قرشاً واحداً أمام الدولار، وليرتها غير مرتبطة بالدولار ولا بغيره من سلة العملات الرئيسية، بالمقارنة مع ما حصل للدينار العراقي الذي كان يساوي في أيام عزه، أكثر من ثلاثة دولار، فهوى إلى فيعان قياسية مع بداية الحصار والعقوبات الغربية الجائرة ضد هذا البلد الشقيق. قد يصدم هذا الكلام البعض، ويحبطهم، لكنا نتكلم، ها هنا، عن أرقام، وإحصائيات، ووقائع وحقائق على الأرض، وهي أصدق إنباء من الرغبويات، والأوهام، والأحلام.

 وبصدق أتمنى فعلاً أن تفرض عقوبات اقتصادية فورية على سوريا، لا لشيء إلا لأن مفاعيل هذه العقوبات ستطال، أولاً، وتصيب دولاً مجاورة تعيش على خير سوريا، ومنتجات سوريا، وكهرباء، وماء سوريا. وسنتوجه هنا بالسؤال لمن أطلق هذه التهديدات ، ماذا لو توقفت البرادات السورية التي تتوجه بالمئات يوميا لدول الخليج محمـّلة بالخضار والفواكه والحبوب من سوريا؟ كم سيصبح عندها كيلو البطاطس والطماطم والخيار، ومن سيتأثر بهذه الأسعار هل هو المواطن السوري أم المواطن الخليجي، المثقل بغلاء فاحش نتيجة التضخم، والأزمة الاقتصادية العالمية التي ابتلعت المدخرات والصناديق الاستثمارية الخليجية في الغرب وحولتها إلى وهم وخيال وسراب في لحظات، ولا داعي لتذكير البعض والتنغيص عليهم بذكر اسم برنارد مادوف؟

 كما نود أن نتساءل ماذا لو منعت سوريا من تصدير لحوم العواس والأغنام السورية المميزة والتي يعتبر استهلاكها رفاهاً وبريستيجاً في دول الخليج، وكم سيصبح سعر الرأس الذي يباع اليوم بحوالي 700-800 دولار للرأس الواحد؟ وعلى صعيد آخر، هل يحتمل المجلس العسكري المصري والمشير الطنطاوي، مفاعيل حظر القمح السوري إلى مصر، وارتفاع أسعار الخبز ليكرر أحداث السبعينات حين رفع السادات أسعار الخبز وهاج وماج المواطن المصري ونزل إلى الشارع ما دفع السادات للتراجع عن قراره الأحمق الغبي، في حينه؟ وهل يتحمل الأردن الذي أدلى مليكه بتصريحات غير لائقة بحق سوريا، وفيما لو أخذت سوريا، تصريحاته على محمل الجد، ومنعت وصول الماء، والكهرباء، والقمح، والحبوب السورية، إلى المملكة الجرداء، ومنع مواطنوها، فعلاً، من التسوق في سوق الحميدية والاستبضاع بأزهد الأسعار قياساً بالأسعار الفاحشة بمملكته الجرداء؟ وهل سيتحمل صقور 14 آذار إقفال الحدود السورية في وجه البرادات، وحركة المرور من وإلى سورية، إذ تشكل سوريا رئة لبنان وتحيط به، وتحتضنه كالأم الرؤوم، من أربع جهات، وحين فعلت سوريا هذا في وقت سابق اختنق نفس هؤلاء واستغاثوا وهاجوا وماجوا متوسلين ومطالبين بفتح الحدود في العام 2008؟ ولن نتكلم ماذا سيحل بالباشا العثماني التي تعتبر سوريا بوابته إلى الشرق العربي، والذي يطمح كي يعيد له أمجاده العثمانية القديمة، ونحن نعلم علم اليقين، كيف يعبر يومياً عشرات الآلاف من الأتراك للتسوق من حلب واللاذقية بأسعار وهيدة لمواد استهلاكية وضرورية لا يمكن مقارنة أسعارها بما هو موجود من غلاء فاحش في الأستانة مقر الباب العالي العثماني الجديد.

 وأما العراق ومواطنوه الكرام الذين تحتضن سوريا قسماً كبيراً منهم، ويرتبظ وجودهم وعلاقتهم بسوريا بالدم والمقدس والمصالح الاقتصادية والتجارية والسياحة ووو، وسوريا تفتح لهم بيوتها، فتلكم قصة، أو ربما كابوس، لا أحد يفكر بالاقتراب منه. والأهم، أننا لن نعرج على خواء، وعبثية ولا جدوى ما يسمى بخيار العقوبات الاقتصادية وسوريا تتعرض له من زمن طويل. كما أن إيران أصبحت أقوى دولة في الإقليم في ظل أزعومة ما يسمى بالعقوبات الاقتصادية الأمريكية عليها، وعلى مدى ثلاثين عاماً، ونفس الأمر ينطبق على كوبا، وكوريا الشمالية، وفنزويلا، والاتحاد السوفييتي السابق الذي كان نداً لأمريكا، إبان الحرب الباردة، صحيح أنه سقط بفعل مهارة ودهاء ميخائيل غورباتشيف وليس بفعل العقوبات، لكنه بنى أقوى جيش في العالم في ظل ذاك الحصار والعقوبات الغربية عليه وغزا الفضاء أيضاً. والصين التي عادتها أمريكا طويلا، تتوسلها اليوم من أجل حفنة من الدولارات، ونفسا الأمر ينظبق على غيرها من البلدان التي وقفت في وجه الغطرسة والتغول الإمبريالي العسكريتاري والاقتصادي والليبرالي المتوحش. فيما تظهر، بالمقابل، وهذه حقائق، وبكل أسف، ما يسمى بالدول العربية الحليفة أو الخاضعة والمنفتحة، والمفتوحة على مصراعيها والمستباحة من الغرب، كأضعف دول المنطقة، وأكثرها وهناً، وهشاشة، واختراقاً.

 إن ما جاء أمس من كلام عن عقوبات اقتصادية على سوريا، ما هو إلا دليل عملي آخر على إفلاس ما يسمى بالجامعة العربية، وعدم قدرة على فعل أي شيء وافتقارها لأية آليات عملية للتأثير أو لتحقيق تحول ملموس في إدارة الصراع، أو وفرض خياراتها على الأرض. وهي تعبير صرف ومر، بآن، عن نفاذ الخيارات العربية في التعاطي مع الشأن السوري، وعجزها عن تحقيق أي اختراق على الأرض في سورياً، لا لوجستياً، ولا سياسياً، وبرغم الزخ، والقصف الإعلامي المركز، والمستمر على مدار الساعة، الموجه ضد سوريا، والذي يحاول أن يخلق صورة مغايرة تماماً لما هو على أرض الواقع، لكن، يبدو أنه لم يفض إلى أية نتيجة تستحق الذكر حتى الآن.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز