د. زهير نفاع
zuhai@yahoo.com
Blog Contributor since:
04 March 2007

كاتب وباحث قلسطيني

 More articles 


Arab Times Blogs
عندما يموت الرجال غرباء في بيوتهم

     هل يدري أحد شيئا مما تخبئه الأيام؟!
     ولد صديقي" رحمه الله" قبل ستين عاما، بل أكثر قليلا، في بيت وادع في قباطية شمال فلسطين. وكان المولود الأول لأسرة ميسورة الحال. ولما كان الجيش العراقي يملأ المنطقة دفاعا عن فلسطين من أعدائها الذين بدأوا يعيثون فسادا في السكان الأصليين؛ قتلا وتعذيبا وطردا وسجنا. سمي غازي تيمنا بالوطنيين العراقيين الذين كانوا يحملون الاسم حينها. عندما كبر وأصبح لأسرته العديد من الأطفال، ذهب والده الى السعودية ليعمل في وظيفة ادارية مقابل عدد من الريالات التي كانت تدفع للموظفين قطعا معدنية مصنوعة من الفضة الخالصة. وبهذا المبلغ، استطاع الوالد ان يوسع بيته ويفتتح محلا تجاريا في البلدة ليعينه على مصاعب ومتطلبات  الحياة. ونشأ صديقي برعاية خاصة ودلال لم يعرفه أي من أخوته الذين ولدوا بعد ذلك، حتى بلغ عددهم  تسعة أفراد. وعاش نوعا من البذخ كان يحسده عليه الكثير من أهل البلدة الذين كانوا يعانون الفقر والحاجة. في ذلك الزمان كانت بعض الأسر تعيش على ما تنتجه بعض الدجاجات لديه من البيض. فيشتري ببيضة سكر وشاي وببيضة أخرى بعض الضروريات اليومية الأخرى. ويقلي بيضة أو اثنتين بكمية من الزيت وتتناولها الأسرة بالخبز البيتي المصنوع من القمح البلدي المنتج محليا أو من الطحين الكندي الذي بدأ يصل للمنطقة كمساعدة للاجئين. وبدأ هذا اللون الجديد للرغيف يلاقي استحسانا لدى  الكثيرين ويحسدون هؤلاء اللاجئين عليه، تماما كما اشتهى بعض ضعاف النفوس في  المعسكر الاشتراكي سندويش الهامبرغر وزجاجة الكولا التي سممت حياتهم وحياة العالم أجمع ولوثت نفوسهم ونقلتهم الىحالة الامراض الجديدة التي ما كانوا يسمعون عنها ولكنها ضريبة التقدم وفق المعايير الغربية التي لا تمتّ للمنطقة بشيء.
      وبعد أن أنهى المدرسة الأعدادية كان عليه أن ينتقل الى مدرسة جنين الثانوية لاتمام تعليمه المدرسي. وكانت الدراسة يومها تبدأ من الصباح الباكر حتى الظهر.ونعود للمدرسة بعد ساعة لمتابعة الدراسة حتى المساء. وفي فترة استراحة الغداء هذه، كان المحظوظون من أبناء المدينة والمخيم يعودون الى أسرهم لتناول طعام الغداء. أما الغرباء القادمين من القرى والبلدات المجاورة فقد كنا ننتشر في البساتين والتلال المجاورة يحمل كل منا كيسه الورقي أو سرته القماشية وبداخلها رغيف من الخبز وشيء من الجبنة البلدية المغلية التي يحلو لي تسميتها "نابلسية" أو اللبنه أو البيض أو الزيتون أو الخيار أو الفقوس أو العنب والتين..حسب الموسم والقدرة المادية للعائلة. أما صديقي فقد كان متميزا بحبه تناول طعام الغداء في مطعم في مدخل المدينة؛ صحنا من الحمص، أو الحمص واللحمة أو سيخا من اللحم المشوي أو أكثر..وكانت هذه الأكلة من أكثر الأكلات قربا الى قلبه حتى آخر أيامه. وفي بعض الأحيان يتناول في دكان المكوجي المجاور للمطعم: علبة من الطن مع رغيف من خبز الكماج الذي كان القادمون من القرى ينظرون اليه كشيء من النعيم، بل ربما أجاز البعض تغميسه بالخبز البلدي المستعمل في القرى. وفي المساء كنا ننتظر الباص أو سيارات الأجرة لتقلنا الى بيوتنا. وفي أيام الخميس كانت المدارس تنهي دوامها بعد الفترة الصباحية فنعود الى السينما أوالى البيوت مبكرين لنخرج الى الجبال المجاورة، نلهو في الحقول والبساتين والبيارات والعماير، بين أشجار الزيتون أو الحمضيات والجوافة، أو اللوز والخوخ والتفاح والاجاص. ونلقي نظرة الى السهول الواسعة والى ابراج مصفاة حيفا والى بعض المستعمرات التي ما ان يأتي المساء حتى تتلألأ انارتها في العيون تاركة غصة في النفوس والحلوق فلم تكن حضارة الكهرباء قد اقتربت منا بعد، وهولاء الغزاة ينعمون بهذا النعيم على حساب هذه الأسر الفقيرة كثيرة المعاناة التي تعيش عندنا ضيوفا، أسر اللاجئين الذين أغتصبت بيوتهم وأموالهم وقراهم على حين غرة، وألقت بهم في العراء ، وراء الحدود المصطنعة، الى ما تبقى من فلسطين أو الى البلدان المجاورة، حيث كانوا يشكون من قسوة الحياة ليسألوا بتندر عن بياراتهم "اللي بطابقين" والتي خلفوها وراءهم! وما كان أحد يدري عن تلك الغصة وذلك الألم الذي يسببه جرح الأهل والأقارب والأنصار من هذا التندر. فليس في الدنيا أحلى ولا أجمل من لحظة حياة في تلك البقعة الطهور!
     بعد أن أنهى صديقي تعليمه الثانوي كنت قد أنهيت السنة الجامعية الأولى في الجامعة الأردنية التي كانت حينها تنهي السنة الثانية من عمرها. وكنت أدرس علم النفس رغم احتجاج رئيس القسم حينها الأستاذ فاخر عاقل أمد الله في عمره، الذي حاول كثيرا أن يقنعني بدراسة اللغة الانكليزية وآدابها لأجد وظيفة فورية وبدون عناء وبراتب مجزي لمساعدة أسرتي، بدلا من المعاناة في البحث عن عمل( تماما كما حصل معي بعد تخرجي، وكأنه كان يقرأ  الواقع والمستقبل العربي حينها). تخرج صاحبي، وأراد له والده أن يكون مميزا فأجبره على الذهاب الى جامعة دمشق لدراسة اللغات( وفق تعبيره الشخصي) وكان له ذلك رغم الزيادة في المصاريف من طرف، ومن طرف آخر كان معه صديق آخر مشترك لكلينا، قرر اللحاق بي الى الأردنية والى نفس التخصص. وكنا ثلاثتنا من عمر واحد، وعند تسجيلنا في المدرسة رفض المدير لأننا كنا تحت السن القانوني. ومع كثرة المحاولات وافق على قبول واحد فقط ووقع الاختيار علي لكوني أكبر منهما.وكانت تربط بيننا علاقة ود حميمة بالاضافة لعلاقة القربى، بل أقوى منها وأمتن. حتى أنني ما كنت أنادي صديقنا بأي اسم الا "حبّوبي". وما أن انتهى صديقنا الحبيب من الدراسة حتى التحق بالمقاومة الفلسطينية الباسلة ليستشهد بعد فترة قصيرة وهو يعد صواريخا لعملية في داخل الوطن الغالي في اليوم التالي. فالى جنات الخلد أيها البطل الغالي "نبيل: الملازم جعفر" ليوارى الثرى في مقبرة الشهداء في أم الحيران في عمان بدلا من الوطن الحبيب.
       التحق صديقي اذا بجامعة دمشق، لكنه في عامه الأول استطاع التعاقد مع بعثة التربية والتعليم السعودية وذهب الى منطقة الرياض، ضاربا برغبة والده عرض الحائط، لأنه لم يكن يرغب في تلك الدراسة وربما في تلك الجامعة. وخلال عمله انتسب الى جامعة بيروت العربية وحصل على اجازة في المحاسبة. وتزوج فتاة من البلدة، من أسرة فاضلة، سافرت معه الى غربة العمل والرزق، وأنجب منها ولدين وابنة، قبل أن يقرر العودة الى عمان في محاولة الحصول على لم شمل للعودة للوطن. كانت عودته الى عمان تتزامن مع مشاكل في محيط الخليج العربي، تنعكس على كامل المنطقة بما بها فلسطين. بل كانت في فلسطين أقوى وأشد مما جعلني أنصحه بقبول لم الشمل الذي كنت أغبطه عليه، على أن يتأنى بالعودة الى هناك مع أسرته التي كانت بحاجة الى كمية من المال لم تكن متوفرة لديه، هذا من طرف. ومن طرف آخر كان قد حصل على وظيفة متميزة في عمان وبراتب متميز ومن غير المقبول الاستغناء عنها بكل بساطة. ورغم صداقتنا لم أكن أعلم أنه قد بدأ ببيع ممتلكاته كلها بنية السفر في وقت قريب. وكنت في زيارته في عمله عندما أخبرني أنه سيسافر خلال أيام. وعدنا للبيت لألاقي البيت شبه فارغ الا من ثلاجة امريكية وبعض الحاجيات لم يتمكن بعد من بيعها وتمكنت من اقناعه أن يتركها عندي أمانة له، لأني كنت أخشى أن لا يبقى هناك، أن لا يقدر على البقاء. ولكن شروط لم الشمل كانت البقاء، مما دعاه عن طريق عديل له في عمان الى طلب الأمانة والتصرف بها.
     عاد صديقي الى مسقط رأسه لتتبدل حياته كلها.
     ليذوب كل ما بذاكرته من دلال وبخترة وعز.
    عاد ليجد نفسه في ظروف معاناة قاسية.
                                                         العمل: لا عمل.
                                                         البيت: أصبح له ولكل أسرته غرفة واحدة، وقد ولد له عدد جديد من الأبناء.
                                                         المال: صار شحيحا.
                                                         الصحة: أصبحت أكثر من رديئة، لقد عانى من جلطات متعاقبة وعمليات جراحية أقعدته عن الحركة التي يزاولها عادة.
                                                         الوضع النفسي والاجتماعي: أكثر من الرديء. انفض الأهل والخلان من حوله كما ينفضّ السمّار في آخر الليل، منهم من فعل لضيق ذات اليد، ومنهم من فعل ذلك بقصد التشفي والحقد الذي تفرضه نفوسهم المريضة أو أوضاعهم الرديئة.
        وتمكن صديقي بكل التعب والكد أن يبني بيتا خاصا به يأوي به أبناءه، وقد كبر بعض الأبناء وبدأوا ممارسة حياة العمل، وبدأت حياتهم بالتحسن، الا شيئا واحدا لم يكن ليتبدل أو يتغير بعد أن ثلم في الجزء الرئيسي منه؛ الاحساس بالغربة. لم يكن يحس بهذه الغربة القاسية وهو يعمل في الخارج ويبذل الغالي والنفيس من أجل الدخول في الوطن. كان يصلي أن يقترب من أسرته وحارته وبلده، لعله يعود لذكريات الأيام الخوالي ، وما دري أن الاحتلال لم يبق على شيء كما هو، وأن نفوسنا ما عادت كما كانت، وما عدنا نحلم بما كنا نحلم به.
     صبيحة هذا اليوم الخميس السادس من أيلول انتقل صديقي وأخي العزيز الى رحمته تعالى، في بيته الذي يبعد أمتارا عن بيت أهله ولكنه أقرب الى مقبرة البلد. الى جنات الخلد يا صديقي، وقد فزت أنك دفنت في ثرى الوطن رغم أنف كل ما حصل، ورغم أنف هذا العدو المتجبر الذي غزا جنين والمنطقة لحظة وفاتك، تماما كما يفعل كل يوم وكل لحظة في كل أرجاء فلسطين.
     رحمك الله وألهم أسرتك ومحبيك الصبر والسلوان.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز