نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
مزرعة الحيوانات في سوريا

 "مزرعة الحيوانات" هي رواية شهيرة للكاتب جورج اورويل وتعد هذه الرواية التي انتقدت ستالين وهتلر مثالا على الأدب التحذيري على الحركات السياسية والثورات الاجتماعية التي تطيح بالحكومات و المؤسسات التي تعتبرها فاسدة و غير ديمقراطية إلا أنها في الحقيقة ثورات مشوهة مليئة بالسوء والرداءة والقبح وتنتهي إلى الفساد و القهر بسقوطها في كبوات السلطة و تستخدم أساليب عنيفة و ديكتاتورية للاحتفاظ بها..

أورويل وهو صاحب رواية الأخ الأكبر (العالم عام 1984) .. لم يكن يعتقد أن عبقرية مواطن سوري قد ترجمتها الى الأرض هذه الأيام بعدما رأى الثورات العربية التي أكلت كبده ..بفسادها ونشرها للكراهية والحقد والبذاءة والكذب

.. "مزرعة الحيوانات" لم تعد مجرد خيال روائي انكليزي بل هي موجودة على الأرض فعلا وفي احدى قرى سوريا بفعل عبقرية مواطن سوري عبر عن مشاعره المحترقة بصدق ومرارة .. ولو عاش جورج أورويل ليرى عبقرية هذا المواطن السوري في ترجمته لرواية "مزرعة الحيوانات" لتنازل عن حقوقه الفكرية لصالح هذا المواطن السوري الأصيل ..

هذا السوري الحر الذي رغم مؤهله الجامعي لم يتخل عن الريف بدأت صداقتي معه منذ سنوات طويلة هو من أولئك الأشخاص الظرفاء في الحياة الذين نلتقيهم فنحبهم .. يحولون الدنيا بعبقرية الى مسرح للابتسامات في زمن البكاء والصراخ والعذاب..وهؤلاء لديهم موهبة فريدة في جعل الآلام أقل ألما ويستطيعون أن يجعلوا الابتسام في ظروف جدية صارمة عابسة فعلا نبيلا ..لايناله الا الرضا والاستحسان ....

هذا الصديق يحب المرح والنكتة لكنه بارع في اطلاق الكوميديا السوداء اللاذعة .. وهو لايوفر شيئا في الدنيا من تعليقاته حتى أنا الذي نجوت من تعليقاته لفترة لم أتمكن من البقاء خارج حدود صواريخ لسانه .. كان هذا الصديق قد قرأ يوما أن أحد العراقيين الناقمين على مجلس الحكم الذي عينه بريمر في المنطقة الخضراء قد قرر تسمية دورة المياه في بيته (المنطقة الخضراء) كنوع من الثأر والنضال بأدنى الحدود على رأي (من رأى باطلا فليغيره بيده ..الخ ..فان لم يستطع فبلسانه وهو أضعف الايمان) ..وقد أعجبت صديقي الفكرة لأنه لم يكن معجبا بالثوار العراقيين وقائدهم أحمد الجلبي ..ولذلك وتضامنا مع الفكرة كتب على باب دورة المياه في بيته (المنطقة الخضراء) .. وكان كلما استأذن لقضاء حاجة قال : عذرا لدي زيارة للمنطقة الخضراء..وقد طور صديقي الموضوع بأن حذف حرف الضاد من الخضراء !! وأطلق على هذا التعديل "حركة تعريب" على اعتبار أن العربية تسمى لغة الضاد فيما المنطقة الخضراء غير عربية ..فسقطت منها الضاد..

لم أزره في بيته الريفي الجميل منذ فترة طويلة وطالما عاتبني على عدم زيارته فيه .. ولذلك كانت فرصة جميلة أن نلتقي ونرتاح من عناء الأيام ونتحدث بالشأن السوري الذي يتحدث فيه كل الناس هذه الأيام حتى الاسكيمو بفضل الجزيرة..

وقد أصر صديقي على تناول الغداء في حديقة بيته الريفي الجميل في احدى القرى السورية التي زرعها بنفسه بأشجار الفاكهة .. وعندما هممنا بالخروج من البيت نحو فضاء المزرعة الصغيرة، توقف لحظة ثم صار يتلفت حوله كمن يبحث عن شيء فسألته: عم تبحث؟ ...فلم يرد ..وبدا منشغلا في تقليب عينيه بين الأشياء ورأسه يتلفت في كل اتجاه وهو ينحني تحت الكراسي والطاولات ..لكنني سمعته يتمتم: ..وين عزمي؟!! فاستغربت .. ولكنه صاح مناديا ولده الكبير قائلا: ياولد وين عزمي بشارة؟؟ فقال الولد الكبيرمجيبا من على الباب: عزمي بشارة عند برهان غليون !! وعلى الفور اتجه صديقي نحو الدرج المفضي الى الفناء ثم قال مسرورا: نعم انه هنا؟ ثم تناول حذاء ضخما ثقيلا متسخا بالوحل ونظر لي مبتسما وقال: لاشك انك استغربت..لكني أطلق على أفضل أحذيتي التي أخوض فيها في الأوحال والأوساخ (عزمي بشارة) .. لافرق بينهما ..كلاهما حذاء متين مخلص يخاض به في الأوحال والقاذورات ..ثم تساءل بجدية: لماذا لايصمم الحذاؤون حذاء باسم ماركة (عزمي بشارة)..ستكون فكرة ممتازة ورابحة تجاريا..ثم ضحك وقال: ثق تماما أن أهل الخليج سيتركون الشباشيب وينتعلون عزمي بشارة ..ومن يدري ربما تصبح ماركة عالمية مثل ماركات بينيتون أو كريستيان ديور !! فابتسمت وقلت: ولكن من هو برهان غليون؟ فأشار عابسا الى قفص فيه ببغاء أبيض ..وقال: ومن غيره يكون؟؟!! ..يتحدث في السياسة ولايعرف ماذا يقول.. ..

فضحكت وقلت له: ألن تكف عن هذه الخربطات؟؟!! ..منذ اكتشافك للمنطقة الخضراء وأنت تضيف المزيد .. فقال: ولماذا أكفّ وهم لم يكفّوا عن حياتنا؟ واستأنف قائلا : اذا عليك أن تعرف ماذا فعلت وأطفالي مستفيدين من الفكرة ..ثم نادى أبناءه وهم ثلاث أولاد وبنت صغيرة ..وقال لهم: هلا أريتموني ماذا حضّرنا للعيد ..عيد الأضحى؟ فوثب الصغار الى قن الدجاج في نهاية الفناء وبعد دقيقة سمعت فيها عراكا وصياح ديكة ثم عاد الأولاد وبيد كل منهم ديك..تقدم الأول وقال هذا اسمه: أردوغان ..فعلق صديقي شارحا وقال: وقد سميناه أردوغان لأنه كثير الصياح وأول من يصيح في الصباح ..دائما صبره نافد لكن عند الجد ليس ديكا .. وتقدم الثاني بديكه الذي بدا هرما وعرفه يتدلى منهارا على رأسه كالعقال الأحمر وبدا ريشه متساقطا وقال: وهذا أبو متعب لأنه أعتق ديك في البيت.. وهو قلما يتحرك وكثيرا اعتقدنا أنه ميت .. وأخيرا تقدم أكبر الأولاد وهو يحمل ديكا ضخما بليدا بدينا أبيض اللون وقال: وهذا حمد بن خليفة آل ثاني!! وان شاء الله انت معزوم عليه بالعيد الكبير..

وكانت الطفلة الصغيرة تحاول الامساك بدجاجة في القن وهي تقول: أنا عندي "موذة" .. وهنا أطل صوص صغير من القن ثم "زمق" بسرعة الى السياج ..فالتفت الأولاد بسرعة ثم تركوا ديكتهم وركضوا خلفه بحماس وهم يصيحون: هرب سعدو ..هرب سعدو ..أمسكوه..أمسكوه

بالطبع كان المشهد مضحكا خاصة ان صديقي قال ان لديه في القن صدر الدين البيانوني وهو دجاجة نحيلة شمطاء .. ولديه رياض الشقفة وهو دجاجة مشاكسة جدا وهناك دجاجات كثيرة أشار الى واحدة سوداء على أنها سمير جعجع .. وأضاف: هناك جقل (ثعلب) يحوم دوما حول المزرعة أسميه وليد جنبلاط..لو رأيته ياأخي لعرفت كم أنا على حق ولربما غيرت رأيك في نظرية دارون بان أصل الانسان قرد وصارت اصل الانسان "جقل" للشبه الكبير بينه وبين جقل الحزب التقدمي الاشتراكي !! ..

ولكن صديقي الذي اكتفى بالابتسام أمسكني من يدي وأخذني نحو نهاية المزرعة وقال هذه المزرعة صارت هي سوريا والعالم ..تعال وسترى .. سرنا قليلا حتى حافة المزرعة حيث نهر صغير انعزلت منه بركة ماء وفيها ضفادع وسرطانات ..ثم ضجك وقال: هذا هو "المجلس الوطني الانتقالي السوري" ..أعضاؤه النقاقون لايجرؤون على مغادرة مياه النعيم في الغرب ولكنهم في الليل ينقون حتى نصاب بالصداع ..هنا ستجد الضفدع بسام جعارة، والضفدعة رزان زيتونة، وستجد الشرغوف (أي الضفدع الذي لم يكتمل نموه بعد) رضوان زيادة والضفدعة بسمة قضماني وو ..وكل من يخطر على بالك..

وعلى البعد خارج المزرعة بدت منطقة تجمع فيها النفايات والفضلات الحيوانية ..وكنت قادرا على رؤية بعض الجرذان التي تتجول على ضفاف تلك البقعة النتنة ..وسمعت صوت صديقي يقول من خلفي: أعتقد أنك تتوقع ماهي تلك البقعة وجرذانها؟ فبدت عليّ امارات الحيرة..فضحك وقال: يارجل انها ........الجزيرة........لايعيش عليها الا الجرذان ولايأتي منها الا الشر وروائحه ..هناك ستجد مذيعي الجزيرة وكتابها من القطسور فيصل القاسم الى فهمي هويدي الى ياسر الزعاترة الى عماد الدين حجاج ..

فبادرته الى السؤال: ولكن أين هو القرضاوي؟ فأجاب على الفور: انه "بوم" يعشش على شجرة الدلب هناك ..وأشار الى شجرة الدلب الضخمة وقال: ونسمع صوته المشؤوم كل يوم .. وأبنائي صاروا يعلقون كلما سمعوا صوته ويقولون لي: بابا بدأت الشريعة والحياة ..وفي الحقيقة صار يسبب لنا مشكلة .. والصغيرة صارت تخاف من صوته في الليل الدامس .. لكن أقسمت على أن أصيده يوما ببندقيتي

ثم بدا جديا وقال : ألا تعتقد أن هذا القرضاوي يجب أن يدير برنامجا اسمه "الشريعة والموت" أو مثلا "الشريعة في الغاب" !! .. كانت أسئلته صادمة لأنها صادقة ولأنه قال مافي نفسي !! .. فسألته متحديا: اذا من هو العرعور؟؟ فقال على الفور: انه في البيت ..أنه أكبر ساطور في المطبخ ..اذا ماأردنا تقطيع العظم واللحم استعملنا العرعور ..لم نعد نقول مثلا أعطني الساطور، بل أعطني العرعور ..على وزن الساطور..

بالطبع الى جانب الكلب السلاقي الذي سماه صديقي "ساركوزي"، والقط البري الذي يمر بالمزرعة كل يوم محاولا السطو على أي شيء ويسميه صديقي "أبو عطوان" فالمزرعة الريفية لصديقي غنية .. فيها حمار رمادي سماه صديقي (عبد الحليم خدام) وقال هذا الحمار اشتغل 20 عاما دون شكوى لكنه الآن يرفسنا جميعا ..كل قادة الثوار هذه الأيام مثله .. مثل عبد الحليم خدام الذي اشتغل كالحمار 40 سنة ثم رفسنا وصار ثائرا ..ثوار المجلس الانتقالي الليبي كلهم عملوا 40 سنة كالحمير ثم صاروا ثوارا يرفسون سيدهم..كالحمير المجنونة ..أو كالأبقار المصابة بجنون البقر ..وعلى سيرة الأبقار أرشدني صديقي الى بقرتين سمى واحدة منهما وهي هولندية ملونة بالابيض والأسود "سعودية" والثانية بنية اللون " كويت" لأنهما تدران حليبا كثيرا (يسميه الذهب الأبيض) تصادره زوجته كله ..التي اسمها هالة ولكنه يناديها "هيلاري" هذه الأيام..

كنت مذهولا من قدرته على ترجمة أحاسيسه الى فعل احتجاج عارم بتسميته للحيوانات في مزرعته ..وعندما رأى دهشتي بدا مزهوا وأخذني الى شجرة منحنية تكاد تكون واقعة، لكنه رفعها بدعمها بالأخشاب والعوارض وربطها في عدة أماكن بأشرطة القماش ليثبتها حتى بدت كالجريح المريض المتعب وقال: هذا حزب البعث !! ...وأضاف مبتسما منتشيا بانجازه: وهذه الأخشاب والأربطة هي "اصلاحات" ثم التفت الى قطين سمينين يتفيآن نائمين في ظل الشجرة وقال: لن تصدق ان هذين القطين الكسولين اللذين يقضيان جل يومهما تحت هذه الشجرة قد وجدنا لهما اسما ووظيفة.. انهما الرفيق سليمان قداح، والرفيق عبدالله الأحمر ..لاأنكر أني لم اتمالك نفسي من الضحك وخاصة عندما اشار الى ثقب في أعالي البيت وقال: وهناك يعيش عقاب صقر ..وعرفت أنه أحد الخفافيش التي تؤرق ليل صديقي الذي كان يضحك ويقول ..كل تيار المستقبل عندي في الشقوق وثقوب الجدران ....

وفي وسط المزرعة وصلنا الى شجرة سنديان عملاقة ..تأملها صديقي وقال وهو يربت بيده على السنديانة: هذا الخشب العتيق الصلد هو حافظ الأسد.. وهنا سنتناول الغداء اليوم بجانب تلك الصخرة الكبيرة (المستندة الى السنديانة) التي سميتها منذ عام 2006 "حسن نصرالله"..

ثم سار قليلا نحو ضفاف السور ووقف الى جانب نخلة فتية منتصبة وقال: هذه الشجرة التي زرعتها منذ 3 سنوات هي "صدام حسين" .. ثم أشار الى حفرة صغيرة وقال منقبضا بتأثر: وهنا ستكون نخلة أخرى .. سأسميها "معمر القذافي" ..

وقد تعجبت لما عرفته عنه من كره لصدام حسين .. فلمح في عيني الاستغراب فأضاف: لاتلمني ياصاحبي .. فمهما قيل عن الطغاة الا أنني أحترم الطاغية الذي لايكذب على نفسه وعلى شعبه ..ويموت بطلا .. كان بامكان صدام حسين أن يكون مثل حمد وأبو متعب لكنه فضل أن يرتدي حبل المشنقة كربطة عنق قبل حفل تكريم .. ولذلك استحق أن تكون له نخلته في نفسي .. واستحق القذافي الذي لم نفهمه يوما أن تكون له نخلته في نفوسنا .. كل من يسقط بسيف العدو هو نخلة سامقة مهما قلتم عنه وثرثرتم .. الأمم تحب الأبطال حتى لو كانوا طغاة ..انظر هل من طاغية يفوق نابليون ..الذي حوكم ونفي الى جزيرة ولم يهن (وليس مثل محاكمات ثوارنا المراهقين الذين يمارسون الدعارة الثورية) ..ان نابوليون الآن فخر فرنسا قبل أن تفخر فرنسا بثورتها الفرنسية وبثوارها..رغم انه قاد الفرنسيين الى أحلك هزائمهم وقضى على خيرة شبابهم في حروبه ..

ثم أضاف: خذ عني نبوءتي ياصديقي ..سيأتي جيل من العراقيين عندما ينتهي التشفي والغليل ويعود العقل والصواب وينتهي هذا الجيل المعاق يوما بعد عقود أو قرن من الزمن ليعيدوا تمثال صدام في وسط ساحة الفردوس كما كان ..سيكتبون كل الحقيقة من أنه كان حاكما قاسيا ومصدر جدل وخلاف لكنه بطل ووطني ..ووطنيته لن تكون مصدر نقاش .. وكذلك سيكتب جيل قادم من الليبيين أن لديهم قائدا حكمهم 40 عاما لكنه مات بطلا ..وسيرفع له تمثال في وسط طرابلس ....

سألته في نهاية ذلك اليوم الطويل السؤال الذي أبقيته حتى النهاية:

.. ولكن أين هو الرئيس بشار الأسد؟؟

فتوقف وقال:

لم أجد شيئا يناسبه سوى أن يكون ذلك السيف العربي المعلق في صدر غرفة الضيوف ...لأنه مقاوم وأصيل وسيف عربي خالص .. ربما سميته .. بشار.!! لايهمني ماستقول عني أو مايقال عنه .. المهم أنه من يحمي هذا البيت .. أتمنى ألا ينكسر ..مارأيك؟؟

وقال مختتما بحسم: أؤكد لك لن ينكسر .. عندما تنكسر السيوف الشرقية .. يغضب منا التاريخ ويصفعنا ..لأن الأفاعي التي تلتف حول اعناق الشرق لاتجد من يقطعها .. التاريخ يحب السيوف عندما تكون شرقية أصيلة .. وأكثر سيوف الدنيا مهابة عندما تكون دمشقية ..







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز