نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
يا عاركم يا عربان: رأس إسرائيلي بـ1200 رأس عربي

كل مظاهر الفرح العارم، والاحتفالية الزائفة تلك، والبريق الإعلامي الهادر، والإخراج المسرحي والسينمائي المنمق، والابتسامات والعناق الحار، وإضفاء نوع من البطولة الزائفة على العملية، لم يكن كله، بقادر البتة على إخفاء، وستر حقائق مؤلمة وجارحة وصادمة في عملية تبادل الأسرى بين دولة الاحتلال إسرائيل، وما يسمى بالحكومة المقالة لحماس الفلسطينية البلطجية التي تحتل، هي الأخرى، قطاع غزة بعيداً عن الشرعية الفلسطينية. ولم تكن إشارات النصر المرفوعة باليد في حقيقة الأمر، ومن زاوية أخرى، إلا تعبير عن هزيمة أخلاقية منكرة ساحقة وماحقة ومذلة لكرامة كل من يقول أنا عربي. لقد وصل سعر الإنسان العربي إلى أدنى مستوى لهم في البورصة السياسية الدولية، و(على أونة، وعلى دوي، وعلى تري).

 فكل مواطن إسرائيلي يساوي 1200 عربي، وفق إغلاق أمس للبورصة السياسية، طبعا، فهل تستطيع الأنظمة العربية المحافظة على السعر الرائع للإنسان العربي، أم ستراه سيشهد انحدارا مستمراً، وينهار سعره نهائياً في المستقبل بمشيئة الله، ليصبح هذا الرقم للذكري والتاريخ؟ تلك الحقائق، التي اختبأت خلف مشاهد اللقاء، تكشف عن هول وفداحة وفظاعة المآل الحضاري والإنساني الذي وصل إليه حال من يسمون بالعرب من انحطاط وتقهقر ودونية وترثيث وترذيل للإنسان عبـّرت عنه الصفقة المهينة حيث وصل ثمن الجندي الإسرائيلي إلى ذاك الرقم المشؤوم، رأس جندي واحد بألف ومائتين مما تعدون يا عرب هذا الزمان وتجار الكلام؟ يا بلاش.

المفاوض الإسرائيلي كان يدرك، وهو يفاوضهم، حجم وسعر الإنسان العربي، بالضبط، وكان مرتاحاَ جداً بعملية التفاوض. ومن هنا كان يكابر، ويتدلل، يطلع وينزل بالسعر تماماً كما هو الحال عند شراء أي سلعة. فالإنسان العربي، كمجرد من أي بعد واعتبار إنساني وقيمي، ليس سوى مجرد سلعة عندما يجد الجد، ويتم التفاوض عليه. والأنكى من ذلك أن المفاوض العربي كان بمفاوضاته الغبية يحاول التخفيض من سعر المواطن والسجين العربي بحيث يطلب مثلاً 1500 مقابل شاليط، ولكن المفاوض الإسرائيلي، ويا للمفارقة، كان يرفع من سعر المواطن العربي، حين يخفـّض العدد مقابل شاليط؟ فيقول لهم لن أعطيكم بشاليط إلا 1200، ويفتح الله، واللي ما يشتري يتفرج، فهو، أي شاليط، وكله حسب المفاوض الإسرائيلي، لا يساوي أكثر من ذلك. لكن المفاوض الفلسطيني كان يتوسله بالقول، رجاء ادفع فيه 1500، سجيناً، والله يسامحك بالبخشيش، فيرفض المفاوض الإسرائيلي، ليس لأنه لا يرتشي، أو لا يريد الإفراج عن السجناء، بل لأنه يعلم أن شاليط مجرد جندي، لا طلع ولا نزل، ولا راح ولا رجع، وهو ليس بضابط أو خبير أمني رفيع، ولا يساوي كل تلك الأرقام المطروحة من قبل المفاوض الفلسطيني.

 آه ما أرخصك أيها الإنسان العربي؟ هل ترون أننا مدينون لإسرائيل بشيء لأنها لم ترخـّص بسعر السجين العربي أكثر من ذلك، وكما رخـّص به المفاوض المقاوم الفلسطيني، عندما لم تعتبر مثلاً أن كل إسرائيلي يساوي خمسة آلاف سجيناً عربياً؟ هل المقاربة معقولة، والطرح منطقي، والتساؤل مشروع؟ كان الكم وليس النوع هو محور اهتمام العقل تاريخياً في هذه المنطقة المشؤومة والمنكوبة، ولذا لم يكن الاهتمام بالفرد، قدر الاهتمام بالجماعة حيث يضيع الفرد، وتنتفي الحاجة إليه. ومن هنا لم يكن لما يسمى بالإنسان العربي، وعبر تاريخه المجيد، أية قيمة على الصعيد الفردي والإنساني، وكان ينظر إليه منذ بزوغ العرب على مسرح التاريخ كبدو غزاة خرجوا من الجزيرة العربية لتطويع والسطو على الحضارات المجاورة، كمجرد رقم، لا قيمة ولا اعتبار له، في قطيع الجماعة الأسمى والأفضل، فلا اعتبار لفرد إلا ضمن الجماعة، ولا اعتبار لجماعة إلا ضمن القبيلة، ولا اعتبار لقبيلة إلا ضمن القوم، وأما القوم فهم لا في العير ولا في النفير وليس لهم أي وزن أو تأثير، أو ثقل ووزن سياسي على المسرح الدولي، واكتفوا بلعب دور التابع والعميل.

 ومن هنا غابت القيمة الاعتبارية للفرد، وضاع وسط مصلحة واعتبارات وحسابات الجماعة والقبيلة والأمة. لا بل إن كل من كان يفكر بالخروج عن رأي الجماعة كان يكفـّر، ويزدرى ويؤثم وتقام كل حدود الدنيا المعروفة عليه، فلم يعد له أي ثمن إلا ضمن حدود وإطار الجماعة، فالسعر يحدده مدى الانتماء للجماعة، وطالما أيضاً، أن الجماعة العربية لا قيمة لها، فأصبح لا للفرد، ولا للجماعة، على حد سواء، أية قيمة تذكر. وهكذا سيستمر انحدار وتقهقر الإنسان إلى ما شاء الله. والسؤال الآن متى سيصبح للعربي ثمن ووزن، ويصبح الإسرائيلي الواحد بعربي واحد؟ أي رأس برأس، كما يقال بالعامية؟ يا عاركم يا عربان







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز