نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
العرب بين ثورات الجنرالات وثورات الفقهاء

كان في السياق، تماماً، أن يعمـّد الشيخ القرضاوي الثورة المصرية بعد أسبوع واحد، فقط، من انتصارها. كان ذلك في ساحة التحرير بالقاهرة. لم يتغير مشهد الاستبداد كثيرا، والحال،ً في الدول التي شهدت ما يسمى بالربيع العربي. إذ كانت الحالة، بالمآل، هي انتقال من حال استبداد إلى حال آخر. فبالأمس كان رجال الأمن والعسس هم من يضيـّق على الناس في عيشهم، ولكن اليوم، من سيتولى هذه المهمة هم الأئمة والوعاظ ورجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 إلى ذلك، فقد احتفل تونسي في الأيام الأولى، مما سمي بثورة تونس، باستخراج بطاقة هوية بالحجاب لزوجته، الأمر الذي كان ممنوعاً أيام الجنرال البوليسي بن علي، واعتبر ذلك إنجازاً "ثوريا" كبيراً. ما العمل؟ هذه هي أهم اهتمامات وإنجازات الثوار الجدد. لقد كانت تلك الثورات المفبركة، في الحقيقة استبدال استبداد باستبداد آخر، وجوه بأخرى، ربما ستترحم فيه الشعوب، في مراحل قادمة، على الاستبداد السابق. وإذا كان الجنرالات والعساكر هم وجوه وقادة الاستبداد القديم، فإن الفقهاء والشيوخ، وزعماء الجماعات الدينية، و"المطاوعة" ومصفوفة وأنساق الكهنوت الديني المزمن المعروف، هي، فيما تبدى حتى الآن، ماسكو زمام الأمور بالعهود الجديدة، أو ما عرف بالثورات. وكان، في الحقيقة، توصيف الثورات على ما حصل من إسقاط، وليس سقوط أنظمة، أمراً فضفاضاً، غير دقيق، وتعبيراً تمويهياً لإضفاء شرعية ما على عملية إسقاط الجنرالات وأنظمتهم المتخلفة. فالثورات، تاريخياً، وبعيداً عن جانبها المادي، هي استبدال منظومة القيم، والمفاهيم والثقافة السائدة، والبالية حتماً، بأخرى حديثة، جديدة، ثورية، متوائمة مع قيم ومفاهيم وثقافة العصر الذي هي فيه.

 فمثلاً الثورة الصناعية، التي حصلت في الغرب، سميت بالثورة الصناعية، لأنها أفرزت قيماً جديدة، وعلاقات إنتاج جديدة ومفاهيم جديدة، رافقها عمليات تغيير وانزياح كبيرة لمفاهيم قديمة، كما ألغت بنفس الوقت علاقات وقيم الإنتاج الزراعي والثقافة الكهنوتية الدينية التي سادت في القرون الوسطى وما قبلها. وبالتالي فإن إطلاق صفة الثورة على هذا الواقع الجديد هو توصيف دقيق يتوافق مع مفهوم الثورة المصطلحي. أما في ما يتعلق بالأحداث التي جرت في الشهور الأخيرة، فيما يسمى بالعالم العربي، فلا يمكن إطلاق توصيف الثورات عليه بأي حال، طالما أن هناك عودة جماعية وجديدة، لقيم، وثقافة، ومفاهيم كانت ما تسمى بالمجتمعات العربية تجترها عبر قرون، ولم يتم إدخال مفاهيم وثقافة وقيم جديدة، بل هناك على ما يبدو تقديس وتكريس لثقافات قديمة، وعملية بعث، وانبعاث ممنهج ومدروس لها. ولقد أدت عقود من تبن رسمي من قبل أنظمة الجنرالات الثوريين، إلى تكريس وتجذير وتثبيت ذات البنية الإيديولوجية والمنظومة المفاهيمية الماوارائية الكليانية التي عادت بقوة إلى الواجهة، والتي كانت سائدة إلى ما قبل قيام ما يسمى بالدول الوطنية العربية المنبثقة عن اتفاقية سايكس بيكو.

 أي أن هذه الأنظمة الساقطة لم تكن تفعل شيئاً، في واقع الأمر، سوى التهيئة والتمهيد للنيل من رأسها، وتقديم نفسها، على طبق من ذهب للمنظومة الكهنوتية التي تبرز بقوة اليوم على السطح والذي يبدو أن لا بديل لها، في ظل غياب، أو تغييب مقصود، وشبه تام لأية منظومة ثقافية ومفاهيمية يمكن أن تساهم بالدفاع، أو رد بعض الأذى عن هذه المجتمعات المهددة بالتشرذم والانقسام، أو عن الأنظمة ذاتها، التي تهاوت كعلب الكرتون أمام المد الثوري الفقهي. ومن الظريف، والطريف، والمفارقات المرة، أن معظم الأنظمة التي سقطت، أو تلك المهددة والمستهدفة من المنظومة الفقهية، أتت إلى الحكم عبر ما يسمى أيضاً بثورات لكنها كانت أي شيء آخر باستثناء ثورات. لقد كانت في الحقيقة ثورات الجنرالات هي المقدمة المنطقية لثورات الفقهاء الظلاميين، ويمكن الجزم أنه لولا ثورات الجنرالات والعسكر المستبدين، لما عرفت المنطقة اليوم هذا الحراك الظلامي الرهيب، فقد كان الجنرالات الثوريون يقودون بلدانهم وأنظمتهم ، عملياً، إلى هذا لمستنقع والمصير المؤلم الرهيب .

إذ ليس من المصادفة أبداً، أن تكون ثورة نوفمبر 1978، لتي قادها الجنرال بن علي، أولى الثورات التي تشهد الذبح على أيدي الفقهاء الذين كانوا البديل الجاهز والوحيد، بدون أي منافس، بعد 23 عاماً من العربدة الديكتاتورية التي مارسها الجنرال المتهور والمتغطرس بن علي، وانتهت بفراره المضحك الشهير. وكان المستهدف تالياً، جنرال ثورة تموز يوليو 1952، التي فتحت مصر سداحاً مداحاً أمام الرياح الصحراوية، كي تتغلغل بها، والتي لم تتوان عن قطف رأسه، دون رحمة، وأودعته سجن ليمان طره، بمظهره الرث المشفق الحزين، فقد كان تحالفه مع المنظومة الفقهية، وتكريس ذات المنظومة المفاهيمية القديمة أولى الخطوات التي أدت لنهاية حقبة ثورة الضباط الأحرار. ونفس الأمر ينطبق على ثورة 26 سبتمبر 1961 في ما كان يسمى باليمن السعيد ضد حكم الإمامة. ويبقى الأنموذج الثوري الليبي واحداً من أكبر المفارقات والكذبات الثورية في التاريخ بقيادة العقيد الفار معمر القذافي، إذ لم تكن ثورته سوى تكريساً، وبعثاً، واستعادة من بطن التاريخ لذات المنظومة الفكرية والثقافية والمفاهيمية التي اجترت عبر قرون من العزف الممل الطويل. في الحقيقة ثورات الجنرالات وثورات الفقهاء أفضت وستفضي إلى نفس النتيجة التأثير والمآل على هذه المجتمعات.

 وهكذا فالجنرالات العرب، والفقهاء زملاء ورفاق مهنة وعمل، وكل الحمد والشكر لله. وفي الحالتين لم يكن هناك ثورات. فالفريقان لم يكونا، وغير راغبين في الخروج من جلد الماضي التليد. والجنرال والفقيه قاما تاريخياً بنفس وظيفة القمع والاستبداد المقونن. لأن التغيير الحقيقي، في هذه الحالات، هو تغيير ثقافي وفكري ومفاهيمي وإيديولوجي، في المقام الأول، وما عداه هو استبدال وجوه بوجوه أخرى، وكيانات سياسية، وأنظمة بأخرى. ومن هنا، ربما كان استحضار وتكريس والتأسيس لمنظومة ثقافية ومفاهيمية وعصرية وحداثية كفيلاً بجلب شيء من الاستقرار والديمومة لأنظمة الجنرالات العرب الثوريين. لكن لم تقم ثورات الجنرالات العرب، في الحقيقة، بأي فعل ثوري مفاهيمي وقيمي وحداثي حقيقي، أو حاولت القيام بأي تغيير في الأفكار، والثقافة السائدة، وإحلال منظومة ثقافية، وفكرية، ومفاهيمية عصرية وحديثة بدل تلك القائمة، تؤمن لها البقاء والخروج الآمن من الحكم. بل عمدت، وبمكابرة وعناد واضحين، إلى تجذير، وتكريس، وتسييد وفي بعض الحالات فرض وتقديس كل المفاهيم والقيم والثقافات المجتمعية القديمة والمتآكلة والمتهالكة والتي لم تنفع في يومها حتى تنفع في يومنا هذا، والتي كانت، في الواقع، سبباً في تفجر، وانفجار، وتخلف وضعف هذه المجتمعات، التاريخي، فكانت تلك النهايات المحزنة، والخروج المذل والمهين للجنرالات الثوريين، الذين سلموا أنظمتهم لقمة سائغة للفقهاء، وانسحبوا صاغرين مهزومين مكبلين بالسلاسل أمام جحافل الفقهاء الثوريين، ولاة وأئمة الشرق الأوسط الجديد.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز