نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
الناسخ والمنسوخ ..والممسوخ في الثورة السورية

في محاولاتي المتعاقبة لفهم برهان غليون أعود الى كتبه ومقالاته، ولكني أحس أنني في وضع غريب فالرجل الذي في الكتب غير الرجل الذي أشاهده وأسمعه .. وأدقق في اسم المؤلف وفي الكتاب ثم أدقق في المعلومات المتاحة عن الرجل الذي سمي رئيسا للمجلس الوطني السوري الانتقالي .. ومن جديد أحس أن هناك لغزا وأحجية معقدتين واصاب بالدوار في محاولة حل اللغز..فأنا حتما أمام شخصيتين مختلفتين متناقضتين .. وشخصين مختلفين وكأننا أمام برهانين وغليونين واحد كتب واختفى ..والثاني ظهر بمحض الصدفة طافيا على سطح بركة الثورات ..هل هو تشابه أسماء بين شخصين؟؟ اين هو اذا برهان غليون الحقيقي؟ أكاد أحس انني أشاهد فانتازيا فيلم عربي عن شبيهين وتوأمين.. واحد شرير وساذج ويعمل حاجبا في بلاط "أمير" وآخر عاقل ومتنور..ذو مهنة وفطنة..نسختان متعارضتان لمعارض..

حال برهان غليون هو حال السيد وليد جنبلاط الذي رأينا عدة نسخ منه خلال سنوات حكمه الفردي (للحزب التقدمي الاشتراكي) بل في مقابلة واحدة تحس أن المذيع يكاد يصاب بالجنون فهو لايفهم مع أية نسخة يتحدث .. وكأن الكاميرا تتنقل بين عدة "وليدات" ونسخ .. فهناك نسخة سورية قديمة وهناك نسخة ايرانية وهناك نسخة امريكية ..بل هناك نسخة جنبلاطية سعودية ونسخة علاقات عامة ونسخة سعد الحريري ونسخة سمير جعجع !!! ففي جواب على سؤال يكون وليد مقاوما.. وفي الجواب التالي مباشرة يدهشك وليد الأمريكاني المساوم وكأنه يتحدث مع فيلتمان .. وفي لقطة أخرى في تجمع جماهيري لاجدال في أن وليد بيك طائفي .. وفي آخر هو عروبي .. وفي الصيف وليد هو غيره في الشتاء ..ونكهة الربيع العربي السوري والليبي لاتشبه نكهة الصدمة والترويع العراقية .. حتى صار وليد بيك ترمومتر الشرق الأوسط وترمومتر المشاريع المتصارعة ..ويعكس النقاط بين المتلاكمين .. ولكثرة نسخ وليد بيك يكاد أحدنا تختلط عليه الأمور حتى يعتقد أن الحزب التقدمي الاشتراكي اكتشف تقنيات الاستنساخ قبل البروفيسور "ايان ويلموت" الذي استنسخ في اسكوتلاندة النعجة "دولي" أول مرة في العالم ويكاد اسم "وليد" أن يكون مشتقا من نفس أحرف النعجة "دولي" (نفس الأحرف) .. ومستنسخات "وليد" تمت بنفس تقنيات "دولي" لكن خربطة الأحرف ناجمة عن أن وليد نفسه قد خربط رموز ال (دي ان اي) الوراثية نفسها وحيّر حتى العلماء الاسكتلنديين..

واذا كان سلوك جنبلاط مفهوما على أساس أنه ليس على "الزعيم التقدمي الاشتراكي من حرج" !! فان محاولة تفهم برهان غليون أكثر استعصاء لأن غليون ليس سياسيا ولا ابن سياسي بل هو يكتب المؤلفات والنظريات التي يجتهد فيها وينحتها بعقله الذي يستخدمه كازميل النحات .. والمفروض أن كتب ونظريات المفكر هي أولاده .. ولايستطيع التخلي عنها لأنها تصبح بعضا منه وبعضا من دمه .. ولايجوز على المفكر تبديل أولاده أو وأدهم أو التبرع بهم لأمير قطري ولا لأمير المؤمنين .. ولايستطيع المفكر أن يبدل دمه بمشتقات نفطية ولا ببئر نفط .. والكاتب الكبير وصاحب الرأي لاينقلب على كتابه الا في احدى حالات أربع: 1- أن لاتكون تلك المؤلفات له بل سرقها من مجهول ونسبها لنفسه كحال من يتبنى ولدا ينشأ لديه لكن لايحمل دمه ومورثاته ولايعنيه ان تنكر لقرار التبني يوما 2- ان لايكون مقتنعا بما كتب ويعتبره هرطقات وتهويمات صوفية يهدمها عندما يشاء لأنه يحس أن لاقيمة لها 3- أو أنه يعاني من عدم الاستقرار النفسي الذي يفضي الى لااستقرار في آرائه فيستطيع كل يوم أن ينقلب على كتاب الأمس وفق مزاجه ..وهؤلاء ليسوا كتابا ولامثقفين بل يستطيعون ان يكونوا صحفيين بالأجرة يتغيرون كلما تغير خط الصحيفة..أو كلما غيروا الصحيفة..وأخيرا 4- الانقلاب على الذات كالانقلاب على الأب وفي هذا تأثر برهان بسيده حمد المنقلب على أبيه ..فصار برهان أميرا قطريا بانقلابه على مااعتبره آباء روحية لعمره وهي مؤلفاته وآراؤه..

حاولت تبرير فعلة برهان الانقلابية على الذات باللجوء الى الاستعانة بمفهوم نعرفه في أبحاث القرآن الكريم باسم "الناسخ والمنسوخ" ولكن ماذا وجدت؟؟ قبل السير في هذا الدرب الشاق دعونا نتذكر..ان مفهوم النسخ هنا هو رفع الحكم الشرعي، بخطاب شرعي آخر. وعلى هذا فلا يكون النسخ بالعقل والاجتهاد..

وقد حدَّد أهل العلم طرقًا يُعرف بها الناسخ والمنسوخ .. فمنها نسخ السنة بالسنة ..ومنها نسخ القرآن بالقرآن، ومثاله نَسْخُ قوله تعالى: { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس } (البقرة:219) فقد نسختها آية: { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه } (المائدة:90) وهذا النوع من النسخ جائز بالاتفاق.. ومنها: النقل الصريح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو الصحابي، فمن أمثلة ما نُقل عنه صلى الله عليه وسلم قوله: ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ) "رواه مسلم"..

مافعله غليون ليس شبيها "بالناسخ والمنسوخ" لأن غليون بفعلته الانقلابية السوداء قام بالضبط بعكس عملية الناسخ والمنسوخ فجعل المنسوخ ناسخا كما لو أنه ألغى آية (المائدة) أعلاه وعمل بآية (البقرة) أي نقل الخمر والميسر من (رجس من عمل الشيطان) الى (فيهما منافع للناس)..وأحل بذلك الخمر والميسر...وهذا كفر صريح حسب أكثر المتعاطفين مع غليون الا اذا أفتى له الشيخ القرضاوي فتوى من عيار (ومالو؟!!) أو أفتى له الشيخ المجاهد عدنان العرعور على وصال فتوى مثل فتوى عدم الخروج على أولي الأمر في السعودية وخروجهم عليه في سورية !!

هذا عيب وعار على غليون يصل الى درجة الكفر ..لأن غليون بدأ حياته يهاجم السلفيين والتيارات الدينية بل ومحطة الجزيرة وأميرها ..وانتهى بنا الى مجلس انتقالي وطني برعاية الجزيرة وأميرها وصار هو نفسه أميرا للمؤمنين السلفيين..رضي الله عنه وأرضاه..

مايفعله غليون لايشبه فعل المفكرين لأن غليون يستطيع أن يكون ناقدا لنظام حكم وباحثا عن حرية ورائدا في الديمقراطية فهذا شأنه ..لكن أن يبني دولة دينية ويعانق الأحزاب الدينية الطائفية ويطلق في سوريا مشروع "الحديقة الجوراسية" وديناصورات الجهل والعنف وهو الذي أثّمها ورفضها دهرا وكتب يوما "المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات" وكتب "المأساة العربية:الدولة ضد الأمة" وكتب "نقد السياسة: الدولة والدين" وكتب "اغتيال العقل"..فهذا يشير الى خلل خطير في الكاتب أو في النظرية ..

مافعله برهان سيبقى شيئا مثيرا للجدل وسيضعه المؤرخون لهذه اللحظة في خانة "الانشقاق" بين الكاتب وكتبه ..برهان أعلن انشقاقه عن كتبه .. وليس الجيش السوري هو الذي انشق على نفسه .. وسيكون السؤال عن التعامل مع هذه الظاهرة الفريدة في عالم الفكر التي لم تحدث في السابق بل وكيف سيتم التعامل مع ماكتب؟؟ لأن التجربة الشخصية للكاتب فتكت بكل كلمة في كتبه ..ونستطيع أن نرى دم الكلمات يسيل من زوايا كتبه التي تعرضت لمجزرة بشعة والتي ثقبتها رصاصات برهان غليون وجندلتها رصاصات مئات المسلحين الذين تولى هذا المفكر زعامتهم ..وسيبقى هذا التحول والانقلاب التاريخي لكاتب ومفكر وانحداره من برج العلم العالي الى سوق السياسة العربية الخليجية مصدر حيرة شديدة ..وربما كان أبو تمام سيشرح لنا ذلك ببيت الشعر الشهير الذي سيصير:

المال أصدق أنباء من الكتب .....في حده الحد بين الجد واللعب

يايوم وقعة اسطنبول انصرفت .... عنك المنى حفّلا معسولة الحلب

عَـجَـائِـبـاً زَعَــمُـــوا الأتراكَ مُـجْـفِـلَــةً .....عَنْـهُـنَّ فِــي صَـفَـرِ الأَصْـفَـار أَوْ رَجَــب

(ملحوظة: المقصود بالأصفار هي أصفار معادلات أوغلو ...ورجب هو رجب طيب أردوغان)


قد ينقلب الكاتب على ماكتب لكن في تنقلاته الفكرية يسلك طريقا يشبه الطريق الذي أوصله لنتائج كتبه وأفكاره السابقة ويبدو جليا أنه انتقل الى الرصيف الثاني نقلة منطقية مبررة .. لكن لايستطيع مفكر أن يقفز من رصيف الى حفرة قاذورات .. ولاأن يتحول من أستاذ جامعي الى مدرب سيرك أو مصارع ثيران..

الكبار العظماء في التاريخ الانساني لايدخل ملكوتهم أمثال برهان غليون لأن غليون دخل ملكوت موزة وحمد .. ولن يرحمه التاريخ ليس لموقفه من الأحداث في سوريا بل لموقفه من اذلال الفكر على عتبة أميرة مثل موزة وسفيه يبذر مال أمته كحمد ..

تذكرت برهان غليون كثيرا وأنا أعيد تصفح سيرة فيلسوف القوة فريدريك نيتشه والذي دعا لسيادة الانسان المتفوق القوي السوبرمان في كتابه الشهير "هكذا تكلم زاراداشت" الذي كان يقول ان المسيح لو عاد الى الحياة لتنكر لكل تعاليمه وأوصانا بالقسوة بدل الرحمة.. وكان نيتشه يحلم أن تبلغ روحه ذروة لاتصلها الرحمة والشفقة ..وكان من حوله يعتقدون أنه فيلسوف القلوب القاسية الجافة المليئة باللامبالاة بالآلام ..

ويوما وفيما كان يجلس مع السيدة لوسالومة -المرأة التي أحبها- على مقعد في حديقة مرت أمامهما عربة يجرها حصان ..لكن الحصان المرهق المنهك بأثقال العربة تعثر وتلكأ في المسير وهو يلهث ..فما كان من صاحب العربة الا أن هجم على الدابة بسوطه وجعل يضربها بقسوة متناهية والبهيمة تئن وتحمحم وتتألم .. وفجأة نهض نيتشه فيلسوف القسوة والقلب الحديدي وصاحب نظرية الانسان المتفوق الخارق الذي لايبالي بالرحمة ويسخر من المشاعر ..نهض بسرعة ودفع ذلك الرجل صاحب الحصان والقاه أرضا ثم اقترب بسرعة من الدابة وهمى عليها يبكي ويعانقها بحنان ويربت على عنقها..

هل يرى برهان غليون الدماء في سورية وهل يرى وجوه الأمهات المتعبات من الجنازات؟ ..جنازات الجميع ..جميع المتصارعين ..هل رأيتم الفرق بين العظماء في شخصية نيتشه وبين لاعق العظام ..برهان

نيتشه العظيم في لحظة صراحة مع النفس أغلق كتابه وقسوته وعانق باكيا حصانا يتألم ..أما برهان فما فعله هو أنه في لحظة صراحة مع النفس ولحظة الألم السوري .. تبول على كتبه ..وبال على نفسه..







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز