نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
أخبار عاجلة عن احتضار أحد المعمرين الكبار في الشرق

استعدوا أيها الاصدقاء لحدثين قادمين أحدهما حزين والآخر بهيج ..الحدث الأول هو وفاة معمّر مسنّ عاش طويلا بيننا ..والحدث الثاني هو أن مولودا جديدا ستضعه أمه قريبا وسيكون له شأن عظيم في هذا العالم ..وماعلينا الا أن نختار له اسمه..

بالطبع الوطنيون السوريون سيقرؤون الكلمات التالية لهذه المقدمة بشغف متمنين ان يكون المتوفى القادم الذي يحزم حقائب الحياة وينهض عن مائدة العمر "دون أن يشبع" هو الملك السعودي أبو متعب مثلا الذي بلغ من العمر عتيا .. أو أن يكون المسافر الى العالم الآخر هو الأستاذ هيثم المالح الذي بدأ يعاني مايعانيه من أعراض الشيخوخة ومتاعب الذاكرة وشقاء الأوهام والتخيلات ..أو أن من سيشد الرحال لملاقاة وجه ربه هو الاستاذ رياض الشقفة الذي صار يكتب الوصايا ويترك الأمانات عند أصدقائه وأعزائه وأحبته .. أو أن من سيودع هذه الدنيا الفانية آسفا ومقهورا وهو يشهق بدمع الفراق هو مفتي قاعدة العيديد ونفّاث الدم الشيخ يوسف القرضاوي الذي تسيل من فمه الفتاوى رطبة مبللة بلعابه ورذاذه الذي لايقدر على ضبطه - لتقدم سنه - ناهيك عن عدم ضبطه "أشياءه الأخرى" ..

وربما يتمنى البعض أن يكون هذا الراحل القادم هو شيمون بيريز الذي منذ أن ولد على هذا الكوكب ونحن ندفع من حياتنا واستقرارنا ومستقبلنا ..وعسى رحيل هذا الثعلب العجوز يريحنا ..وسيكون هذا الحدث على عكس الطبيعة مثيرا للبهجة..

أما من يتمنون أن يكون عدنان العرعور هو المقصود فيجادلون أنه معمر ويخفي بياض لحيته بالأصباغ ..حيث أن جنونه باللحم المتطاير بين الناس يعكس تطاير أفكار المسنين المعتوهين الذين أرهقهم الزمن وناء كلكلهم تحت وطأة العمر..وذوى العقل وذبلت الرحمة لجفاف الدماغ ويباسه ويبابه.. وسيسرع متحمسون لتذكيرنا بالأستاذ حسن عبد العظيم الذي تناديه السماء نداء أخيرا والذي أسرع السفير الأمريكي للقائه وزيارته قبل أن يرحل ويترك السيد فورد في حيص بيص من غير تكليف بالضربة الجوية..

ورغم أنني قلت ان الراحل معمّر ومسن فان البعض سيتمنى أن يكون الحديث عن أمير قطر أو عن حذائه الذي بلي عزمي بشارة أو عن السلطان أردوغان ..وسيتحسر الغاضبون من برهان غليون ان الخبر عن مسن عجوز وليس عن كهل متقاعد، ويتوقعون أن نقل الخبر كان خاطئا وأنه يقصد من ابيضّ شعره ويعيش في باريس .. فيما سيحس آخرون بالأسف الشديد أن الخبر ينحصر في المسنين وهذا مايعني عدم شمول الأعمار الصغيرة والصبية والأطفال في لبنان ..وبالذات الولد الطائش سعد الحريري..

وبالطبع سيحاول المعارضون هرش رؤوسهم وتخمين اسم الشخص الذي سيريح ويرتاح وسيؤدون صلاة استسقاء الموت لخصومهم في يوم جمعة تسمى جمعة استسقاء الموت .. وقد يتمنون أن يكون الشيخ الجليل محمد سعيد رمضان البوطي هو الذي سيعتلي راحلة الرحيل..أو أن يكون الامام آية الله علي أكبر الخامنئي هو الذي سيودع هذه الدنيا ويلتحق بالامام الثائر الخميني..

لن أطيل التخمين عليكم ..ولن نطلب الا الرحمة "للمؤمنين" من الجميع كبشر مهما كانوا مختلفين عنا..ولن نكون ممتلئين بالحقد والسم كما غيرنا  

وسأقول اننا بالأمس فقط عرفنا نبأ اقتراب اعلان الوفاة ونبأ الميلاد ..من نيويورك ..ومن قاعة مجلس الأمن .. نبأ وفاة آخر سلالات الشرق الأوسط وآخر أحفاد الثورة العربية الكبرى وآخر أبناء سايكس-بيكو.. وأعني "الشرق الأوسط القديم"..وقد أعلن ذلك السفير الروسي والسفير الصيني الى مجلس الأمن اللذين رفعا يديهما في اشارة لانطلاق العد التنازلي لصعود روح المحتضر فيما كان ممثل سوريا بشار الجعفري مشغولا بتحضير الكفن ..وتلاوة النعوة..

نعم، الشرق الأوسط القديم مات من بعد طول العمر مثلما مات "الجبلاوي" من بعد طول العمر في رواية "أولاد حارتنا" للروائي المصري نجيب محفوظ... ولمن يفهم في لغة ألعاب الكومبيوتر فقد ظهرت عبارة "ذا غيم از أوفر" ..ولمن يفهم لغة البطاريات فقد ظهرت عبارة (باتاري فيليار..ريتشارج باتاري)..الشرق الأوسط القديم مات؟ و..ياأيتها النفس المطمئنة، ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ..صدق الله العظيم

الشرق الأوسط الجديد تقررت الآن صياغته من جديد والصاغة الجدد الذين يصممون الخريطة الجديدة للقوى الجديدة هم الصين وروسيا وايران وسوريا..والعراق سينضم مع لبنان الى التكوين الجديد.. كانت سوريا هي نقطة الاحنكاك الرئيسية بين قوى العالم وكانت مركز الكون خلال الأشهر السابقة دون أن ندري تماما ..تتطاحن الدول والارادات للفوز بهذه البقعة التي صارت نقطة الوصل بين الماضي والمستقبل وصارت "الالدورادو" ذاتها ..لأن من لا يمسك سوريا لن يتمكن من الامساك بالشرق الأوسط الجديد .. ومن لايمسك بالشرق الجديد ستنزلق يده عن صولجان العالم ..

الصين وروسيا قوتان تعرفان أن الغرب قد اقترب من "قلب العالم" ..فكان يجب أن يقال له كفى ..الى هنا وفقط. ومن يعرف في الشأن السياسي يعرف ماذا يعني أن ترفع دولتان الفيتو على قرار واحد..فمجلس الأمن لايناقش قرارا الا بعد اشباعه بالنقاش والتحالفات والسمسرات في الكواليس .. ومن المعروف أن الدول خلف الكواليس تتفق على من سيعترض ومن سيمتنع عن التصويت لضمان النتائج ..وكان للفيتو المزدوج مهمة الرسالة الواضحة وهو أن الروس والصينيين قرروا اظهار منتهى العنف في الرفض ..وربما نسّق البلدان للفيتو المزدوج من باب اعلان تشاركهما في حماية وتشكيل الشرق الأوسط الجديد الذي قررا قطفه ناضجا مع حليفيهما الايراني والسوري ..

ولمن يجادل نقول: ماذا بقي من الشرق الأوسط القديم؟ لاالسعودية سعودية ولامصر هي مصر ولاالعراق هو العراق ولاالخليج هو الخليج ولاقطر هي قطر ولاالسودان هو السودان ولاشمال افريقيا هو شمال افريقيا..المثلثات والمربعات تتكسر وتتحطم وتتمدد بلا منطق..وكذلك مجالس التعاون .. ولاتركيا هي تركيا ولاايران هي ايران ..بل ولااسرائيل هي اسرائيل ..وعرب الخليج صاروا تحت الوصاية المباشرة وثلاثة بلدان عربية محتلة بشكل مباشر (فلسطين والعراق وليبيا) وهناك بلدان يتقسمان هما السودان (تقسم وسيتقسم) ومصر (في طريقها)..

وكذلك لمن يجادل، لاالعلاقة السورية التركية بقيت على قيد الحياة ولا العلاقة السورية القطرية ولاالعلاقة السورية السعودية ..وبالطبع العلاقة السورية المصرية لم يطرأ عليها كبير تغيير ..ولنلاحظ هنا أن العامل المشترك في كل هذه المعادلات هي سوريا

أما اسرائيل التي كانت مهابة على عقود فقد صارت مكسورة الهيبة والخاطر حتى انها بدت كمصارع السومو الياباني الضخم تلاعبه تنظيمات صغيرة مثل حزب الله وحماس الجودو والكاراتيه بمهارة ورشاقة وتوقعه أرضا وصارت اسرائيل حريصة جدا على الا يخوض المصارع أي نزال مع لاعب رشيق يافع معه الحزام الأسود ..كي لاتبطح..وتنزلق وتزيد منها السخرية وقلة الاحترام..

الجديد في الشرق هو بروز ايران كقوة غير متوقعة تدخل الحلبات التي تدخلها الولايات المتحدة وتتراقص بقفازات الملاكمين متحدية.. والذي لاجدال فيه أن أحمدي نجاد قد أمسك السلطان أردوغان من ياقته وشده بهدوء وبتصميم بعيدا عن الحلبة السورية التي خلع لها أردوغان (شرواله التركي) ولبس لها سروال المصارعة..ولكن لم يصارع.. ..

والجديد أيضا ان سوريا التي استفادت من نجاتها ثلاث مرات (مرة بعد غزو العراق ومرة بعد فخ الحريري ومرة بعد حرب 2006) صارت متمرسة على البقاء والنجاة وهي تعيد مد استطالاتها نحو روسيا والصين وايران ..عبر ديناميكية سورية جديدة تجرب اعادة رسم اتصالات البحار التي اختلطت والخرائط التي "تلخبطت" أو قتلت، قدر ماتستطيع..وهي تهيء مائدة استقبال فخمة لضيفي الشرق الأوسط الجديد الروسي والصيني..

الشرق القديم يشبه قطارا قديما تعرض لحادث مروع قرب المحطة السورية عندما أراد التوقف وتناثرت عرباته التركية والقطرية والسعودية والخليجية والمصرية ..وسينطلق الشرق الجديد قطارا حديثا بعربات سورية وايرانية وعراقية ولبنانية..وعمال ومهندسو الصيانة روس وصينيون..

الأمريكيون أدركوا أن الشرق الأوسط الذي أشرف على ولادته لورنس العرب وسايكس بيكو ورباه ورعاه رعيل من القادة الغربيين قد شاخ وتقاعد.. وآن له أن يموت.. لكن حاول الأمريكيون أن يطلقوا على الشرق الأوسط القديم رصاصة الرحمة كي يأخذوا قلبه ويزرعوه لشرق وسط جديد ولد بعضلات ورأس ولكنه كان سيء الحظ وياللأسف، بلا قلب .. ولم تنجح عملية زراعة القلب...وكل السبب هو في بلد اسمه سوريا ..ومدينة متمردة اسمها دمشق والتي صارت عاصمة للرفض.... لأن قلب أي شرق أوسط هو في سوريا..

لقد حاولت قيصريات رايس وبوش اخراج الشرق الاوسط الجديد من رحم حروب ثلاثة في العراق ولبنان وغزة..فلم يخرج المولود رغم كل الشد والضغط والعصر والصراخ ..والدم وسيلان (ماء الرأس) ..لأن المولود كان "ابن حرام" ..أبوه محافظ جديد وأمه معارضة عربية وقوادتها (مستقبل) والحادثة (حادثة الزنا) كانت خلسة على سرير تركي تحت غطاء قطري وعلى وسادة سعودية !!

اللعب الآن صار على المكشوف ..الشرق الأوسط الجديد الذي حاول الأمريكيون استيلاده بسرعة بعملية قيصرية اسمها "الربيع العربي" كان المقصود منها خلط الشعوب والأعراق في مختبر لخلط الخرائط وتغيير طاقم العمل في البلدان والجمهوريات العربية الحليفة واقصاء الدول الملكية المترهلة التي صار الاعتماد عليها غير مجد وغير مقنع .. وصار من الضروري تسليم المنطقة لقيادة جديدة لامصرية ولاسعودية بل ..تركية.. وتركية اسرائيلية تحديدا لانهاء ملفين كبيرين هما فلسطين وايران (وبالتالي الوقوف في وجه العالم من على منصة الشرق الأوسط وهضبته العالية)..اختيرت تركيا واسرائيل بسبب أن قيادتي مصر والسعودية فشلتا في التصدي الفعال لهذين الملفين المعقدين وأثبتتا قلة حيلة وتقدير وترهلا في الأداء على مدى عقود..لاأمل منه

المولود الجديد الذي ولد بالأمس في مجلس الأمن بعد وفاة القديم في نفس المجلس سيتشكل من جناحين كبيرين جديدين، الأول سيمتد من ايران الى العراق (بعد رحيل الأمريكان خلال أشهر) الى سوريا ولبنان ..وسيكون طوقه روسيا صينيا ...فيما التحالف الجديد الآخر ستشكله تركيا واسرائيل وسيكون الخليج ومصر والسعوديةمن ملحقاته ..وهنا وعلى ضفاف هذين التحالفين ستتزاحم أكتاف المتصارعين ..

ولذلك سينتقل الأمريكيون للمرحلة الثانية من محاولة اعادة تشكيل الشرق عبر طرق الحلقة الحديدية السورية -أملهم الوحيد- وستكون مهمة المعارضة السورية الآن ابقاء حالة التوتر والاستنزاف الطويل للاقتصاد لأطول فترة ممكنة ..ولذلك ستبقى ميليشيات الاخوان منتشرة في عدة بقع تقوم بعمليات خفيفة لاتؤثر على النظام بل تبقيه في حالة استنفار وتبقي اقتصاده نازفا عبر تردد الاستثمارات وتراجع الفعاليات الاقتصادية والسياحية الى أن يصيبه الانهاك أو يتسلل الملل الى معسكر المؤيدين ويبدأ شق الصفوف بايهام المؤيدين أن الحفاظ على النظام لايستحق هذا العناء وأن الخلاص يكمن في تغيير بسيط في نظام الحكم ..كما أقنع بوش العراقيين أن معاناتهم من الحصار ستزول بزوال صدام حسين فليتركوا المجال للعسكر ليعملوا وبعدها يعود كل شيء كما يشتهي الناس ..وكان ماكان ..

السوريون في القيادة السورية يعرفون كيف تتجه اللعبة الآن ولكن لهم مناورتهم وتكتيكهم أيضا .. وهم متمددون بارتياح على طول فصائل المعارضة ومتمددون على جسمها العسكري باختراقات كبيرة..ولولا ذلك لما تمكنت السلطة من التسرب الى كل المدن المليئة بالعصيان والفوضى كما يتسرب الماء واستئصال المتمردين، وسلّهم كما تسلّ الشعرة من العجين ..رغم ان هناك بعض الثغرات الصغيرة التي بقيت يتسلل منها أفراد يمارسون بعض العنف..

ولاشك أننا الآن ندخل مرحلة المساومات والمفاوضات خلف الكواليس ..بعض هذه المفاوضات -حسب مسربين - مع عناصر معارضة من المجلس الانتقالي نفسه تتودد للحكم في دمشق بعد ادراكها بحدسها ان اسقاط النظام كان حلما كاذبا وأنها الآن قادرة على بيع موقفها وقبض بعض الأثمان المعقولة من السلطة.. وبعض هذه المساومات أيضا يتسلل من الدوحة ومن أنقرة قادما من واشنطن ..والعارفون بالأسرار يهمسون أن قصر الشعب لاتهدأ حركة الزوار السريين اليه وأن الأيام ستكشف عن حركة بيع للمعارضين بالجملة ووشايات بالأسرار لايصدقها عقل ..واذا ماأنجزت الصفقات وعمليات البيع والشراء فسيكون الربيع العربي قد أرسل تذاكر لقضاء عطلة طويلة لثواره السوريين ..وسيمنح المجلس الانتقالي اجازة مفتوحة ..وتقاعدا مبكرا أو يدخل عنوة في بيات شتوي ..طويل...







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز