نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
عبد الرحمن الراشد لايبيع الوهم السوري..لأول مرة في حياته

عندما كنا نقول ان المعارضة السورية ليست معارضة وطنية وأنها معارضة الانفعال وان جمهورها ساذج مثل جمهور السينما يصدق الفيلم كما لو كان حقيقيا ويذرف الدموع عليه كان البعض ينظر فينا مشككا..وعندما كنا نقول أنها غير مؤهلة لقيادة معسكر كشافة للأولاد ناهيك عن معادلات الشرق الأوسط المعقدة وتشابكات العالم وتداخلات التاريخ كان البعض يبدو مترددا في قبول هذا الاستنتاج ..لأن القبول به سيفضي الى استنتاج أن المعارضة خسرت المعركة التي يصر بعض أنصارها على أن يصدق أحلام اليقظة وعلى أنها لاتزال تتمتع بالعقل والهدوء ولم تصب بالجنون بعد ..وكان أكثر ما يثير السخرية في هذه المعارضة هو أنها تريد أن ترى الفيلم من النهاية وليس من البداية ..ففيما لم يهتز نظام الحكم كقاسيون ولايزال الرئيس الأسد في قصر الشعب يخطط لما بعد الانسحاب الأمريكي من الشرق ..أصرت المعارضة على تقديم فيلمها للمشاهدين ليبدأ من نهاية الفيلم "السعيدة" حيث ظهر مجلس انتقالي ورئيس مجلس يتقبل التهاني..بنهاية عصر وبداية آخر..هكذا مرة واحدة..بدأ الفيلم من النهاية وتتجه المعارضة نحو بداية الفيلم التي ستكون مع انشقاق العميد ماهر الأسد..!!

لم أتمنّ يوما أن أكون معارضا الى جانب المعارضين السوريين كما اليوم لالشيء -لاسمح الله- الا كي أتأمل ردة فعلهم عن كثب ووجها لوجه (بعيدا عن مناورات الكاميرات في قطر والعربية) لحظة ظهور الشهيدة زينب الحصني حية ترزق .. جلدها لم يسلخ وأطرافها المقطعة عادت الى جذورها ونطقت الموؤودة ..

انني على ثقة أن جميع قادة المعارضة السورية قد ذهلوا وفرك بعضهم عينيه بشدة وهو يحدق النظر في مشهد زينب الحصني التي أحياها الله ..وربما أدركوا انهم وقعوا في الفخ العميق وبدوا جميعا كالغراب الساذج الذي امتدح الثعلب صوته وأقنعه بالغناء فتحمس فغنّى فوقع الطعام من فمه ليتلقفه الثعلب ..وهنا غنت جميع الغربان أوبرا زينب الحصني... ولعلي أستطيع القول وكلي ثقة أن المثل العربي (جمدوا وكأن على رؤوسهم الطير) يجب الآن أن يستبدل وبجدارة ليكون (جمدوا وكأن معارضين على رؤوسهم زينب الحصني) لأن لاشيء سيعدل جمود قادتنا الثوار وهم ينظرون الى زينب على شاشة التلفزيون السوري ويجدون أنفسهم مضطرين لابتلاع كل القيء الذي تقيؤوه، ولعقه من جديد.. وانا على ثقة انهم تمنوا ان تموت زينب من ساعتها وهي تنطق على شاشة التلفزيون..وأن بعضهم قد شتمها بعد أن أبكانا عليها فيما تمنى البعض الآخر منهم أن تكون القضية كاميرا خفية ومقلبا من المقالب المحبوكة أو أن يكون كابوسا من كوابيس الشبيحة التي "يكوبسون" بها علينا هذه الأيام ..فبعد كابوس حسين الهرموش وكابوس زينب الحصني بدا أن كابوس اعتقال قائد جيش الأحرار العقيد رياض الأسعد على وشك التحقق وربما صار هؤلاء يخشون من نهوض حمزة الخطيب وغيره من قبورهم..

انني في شوق لمعرفة ماستقوله المعارضة بعد هذه الورطة البشعة وكيف ستحبك تفسيراتها .. التي ان دلت على شيء فتدل على ان كل ماقيل وماسيقال من قبل المعارضة لم تعد له مصداقية ..بل وأن ماقالته السلطة صار أقرب الى الحقيقة.. وأنا في توق فائق لسماع تفسيرات المعارضة في احياء زينب الحصني التي اجتهد بعض جهابذة هذه المعارضة سابقا في تفنيد صور المندسين الملثمين الذين كانوا يطلقون النار على المتظاهرين لقتلهم واتهام الأمن السوري بدمهم..يومها قام أحد الجهابذة بقياس طول ظل الملثم على الأرض ومقدار ثبات الكاميرا ليكتشف حلا يعادل حل اينشتاين لمعادلتي لورنتز ويستنتج أن الصور هي لشبيحة الأمن ..الى أن ظهر الملثمون ليعترفوا بقتل المتظاهرين... فيما ظهر جهبذ آخر وفنّد لنا أن القطار الذي انقلب في حمص كان بسبب عمل تخريبي قامت به السلطات لأن تفكيك السكة يحتاج خبراء وأن السلطة هي من تمتلك الخبراء والأدوات لتفكيك السكة لاتهام الثوار ..الى أن ظهر المسلحون الذين اعترفوا بأنهم هم من قام بتخريب السكة.. وبعد فضيحة اغتصاب النساء السوريات في جسر الشغور اخترع جهبذ آخر طريقة لرد الاتهام عن صديقهم المضياف أردوغان بتصوير منقبة حمصية تحمل القرآن الكريم وتتحدث وهي تشهق (بتمثيل فاضح) كيف اغتصبها خمسة من رجال الأمن جاؤوا للتفتيش عن سلاح وقد نسيت وهي تقول ان صوت الرصاص كان يملأ الدنيا في الحي (بسبب الاشتباكات)..فتخيلوا رجال امن في اشتباك دام قريب من الموت وزخات الرصاص وهم مشغولون جميعا باغتصاب امرأة..أما الضباط الأتراك المسترخون في أمسيات معسكرات اللجوء لنساء بلا معيل دون صوت رصاص فكانوا يدورون على النساء والأطفال في الليالي الباردة للتأكد من أن الأغطية تغطي الملائكة النائمة..!!

درس بليغ تعلمناه اليوم وهو أننا متورطون في الذل والتخلف لأننا واقعون بين طرفين وبين شرين..طرف أفّاق محتال مراوغ لاأخلاق له ولادين ..وطرف ساذج ولايمتلك حتى بعض ذكاء الدجاج .. والكارثة هنا أن هذا الطرف الساذج ليس البسطاء الذين ينفعلون في الطرقات بل المثقفون والمفكرون حتى وان كان أحدهم شيخ الأزهر نفسه أو منصف المرزوقي أو فهمي هويدي وحتى ان كانت كاتبة أو قاصة أو موظفة في الجامعة العربية أو مغتربا ومحاضرا في جامعة أو صحفيا ..لأن استدراج رجل بمكانة شيخ الأزهر وأساتذة الجامعات الى فخاخ رخيصة لاتدل على لاأخلاقية الصياد بل على سذاجة الفريسة وضعف حيلتها وانخفاض مستوى الثقافة العامة لديها وتراجع العقل وملكة البحث والتفتيش التي هي أساس الفكر الحديث .. فكيف يستدرج رجال وشيوخ ومفكرون الى فخ الادانة والتصريحات والتهجمات خلال أيام فيما كل المعلومات التي تصدر عن الثورة لم تصدر الا عن قطاع طرق صار الجميع يعرف أنهم مختصون بالخطف والقتل والتعذيب .. ولم يكلف أحد من هؤلاء الثرثارين بالادانات نفسه عناء البحث عن الحقيقة والاتصال بكل الأطراف قبل اصدار بيان ..أما لجان حقوق الانسان فرغم انها اكثر خبثا ومدربة جيدا على تجنب الفخاخ فانها سقطت في امتحان قاس وظهرت فعليا لاتستند في تقاريرها الى عمل عقلي أو وثائق متماسكة بل الى (يوتيوب) .. ومغامرات الزعران ..مثل رامي ورزان .. وعدنان ولينا ..ومغامرات سنان !!

يقول علماء الطبيعة في توصيف الحياة على الارض: ان "تاريخ الحياة" على الأرض هو "تاريخ الموت"..لأن 90% من الكائنات التي عاشت على هذا الكوكب ماتت وانقرضت ولم يبق منها الا أقل من 10% ..ولكن هذا التوصيف ينطبق بالضبط على توصيف تاريخ عقل هذه الأمة الذي مات وصار تاريخه تاريخا للموت ولم يبق منه الا 10% ..ونحن نحاول الحفاظ عليه بالحفاظ على سوريا آخر بقايا العقل العربي الذي يريد قتله العرعور وغليون ..غليون صاحب مؤلف (اغتيال العقل) ..وقصة زينب هي دليل اغتيال العقل..

على كل حال انتقل الثوار المفلسون من اغتيال العقل المعنوي الى اغتيال العقول المفكرة والاغتيالات الفردية وهي آخر مراحل الثورة حتما في سير معاكس غريب لأحداث الثمانينات التي بدأت بالاغتيالات الفردية واغتيالات العقول وانتهت بعصيانات المدن (حماة) ... فيما بدأت ثورة اليوم بعصيانات المدن لتنتهي بحملة اغتيالات فردية واغتيالات العقول .. ومع هذا التطور اللافت بدأت بوادر التسليم باستحالة تغيير نظام الحكم السوري من قبل أفراد ومؤسسات طالما كانت تهدينا النصر كل يوم .. فهاهو عبد الرحمن الراشد رئيس تحرير صحيفة الشرق الأوسط المقرب جدا لأوساط الاسرة المالكة السعودية يقول بالحرف في آخر مقالاته في صحيفة الشرق الأوسط التي كانت تقول ان رمضان يحمل معه نظاما جديدا في دمشق:

لاأريد أن أبيع وهما للقراء بأن النظام السوري على وشك الانهيار لأننا امام حالة صعبة ...بسبب تعقيدات الوضع الا ان الوقت لسقوطه غير معروف وقد يستغرق عاما ..

اذا قالت حذام فصدقوها ...فان القول ماقالت حذام..

الراشد ليس حذام كي نصدقه بالطبع .. لكن حذام هي "خيبة" أمل عبد الرحمن الراشد وشعوره بالهزيمة والمرارة.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز