نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
نعوات سورية: إلى ميشيل كيلو

ليست الغاية من هذا المقال، نكء الجراح، أوتقليب المواجع، ولا فتح الدفاتر القديمة، ونبش الأوراق السوداء، أو فقء الدمامل المتورمة، التي نمت وتسرطنت على القلب والكبد وعششت في الأحشاء، في هذه اللحظات العصيبة التي تعبر فيها سوريا من عصر إلى عصر، وخلال هذا المخاض الأليم الذي سيلد، ولا محال، فجراً جديداً سيرسل نوره الوضاء على كل بيت وأسرة في هذا الوطن المعطاء، نقول ما كنا لنفعل ذلك، لولا أن الأمر، النعوات، تحول إلى ظاهرة لافتة، موجعة ومؤلمة وواحدة من موجبات الحزن اليومي الجارح، والنازف، لا يمكن لمن يعبر، ويسير في شوارع مدينة اللاذقية، وشوارع المدن السورية الأخرى، هذه الأيام، إلا أن يلحظها، ويلمسها، وهي تواجهه عند كل ناصية، وعلى كل مفرق، وأمام واجهة كل محل، وفوق عتبات بيوت الشهداء الأبرار الموشحة بالسواد. إنها نعوات ضباط وجنود الجيش السوري البطل الذي يتصدى اليوم لأبشع هجمة بربرية ظلامية ضد سوريا من قبل عصابات الإجرام الوهابي العرعوري المسلحة التي تحاول تفجير الأوضاع الأمنية والأهلية في هذا البلد الأمين.

 ونعوات اليوم هي غير نعوات ميشيل كيلو التي تطاول بها على مكون سوري، وحاول النيل منه. فنعوات اليوم ليست صفراء، وفوضوية وغير مرتبة ولونها أصفر كما قال في مقاله المنشور في أواسط أيار/مايو 2006 في جريدة "النمس " العربي عبد الباري عطوان، نعوات اليوم، رغم لونها الأسود، فهي ذات لون أحمر قان تتوهج فيها معاني البطولة والفداء والوفاء والبسالة في الدفاع عن الأوطان، وتحفل فيما بين سطورها بالكثير من المآسي والأحزان والقصص المبكية والمفجعة عن جيل سوري، قضى في عز الشباب وريعان الصبا، تتراوح أعمار معظمه بين الـ25-40 سنة، في أحسن الأحوال، ثلة من أبناء جيل، ويا كبدي عليه، لم يعرف الهناء، والفرح، ولم يذق شيئاً من رغد وطعم وحلو الحياة، وسقطت هذه الثلة إما برصاص الغدر العرعوري المتمشيخ بالبترودولارات، أو في مواجهات حربية(1) مع عصابات إجرامية مسلحة معروفة التمويل والتسليح والانتماء، وخلّف هؤلاء الصناديد الأبطال وراءهم زوجة شابة، وربما ثلاثة بنات، أو بنتاً وصبياً، أو ابنتان مثل بنت الشهيد باسل علي، بتول التي دأب التلفزيون على عرضها في وقت سابق وكانت تبكي أباها اليافع الشاب، وتقول له بتلك الكلمات الطفولية البريئة العفوية والمؤثرة التي أبكتنا جميعاً : " ع الجنة يا بابا"، أو ذاك الذي ترك صبياً وحيداً ما زال يرضع من ثديي أمه، ولا يدري ما تخبؤه له الأقدار بوفاة والده، ووراء الجميع هناك أمهات ثكلاوات مفجوعات بفلذات أكبادهن، وآباء مكلومون مجروحو الفؤاد، مذهولون لوقع الصدمة وهول المصاب، كوالد الشهيد النقيب رامي مرعي ديوب، 26 عاماً، مثلاً، الذي أبكاني بحرقة، وكنت قد زرته بنفسي، مصطحباً والدتي وشقيقتي، وقدمت له واجب العزاء باستشهاد رامي، وذلك في إحدى القرى القريبة من اللاذقية، وكان قد قدّم شهيداً آخر للوطن في وقت سابق، بينما لم يزل رامي شاباً عازباً كان الجميع بانتظار زفافه القريب، فإذا به يزف عريساً شهيداً إلى جنان الخلد.

 وقد استهزأ كيلو، سابقاً، بمقاله المسموم سيء الذكر و"السيط"، بأسماء ترد في نعوات أبناء اللاذقية من مثل نضال، وثائر، وجهاد، وكفاح، وقال بأن معظمهم ذوي راتب عسكرية، ملازم أول، ورائد، ومقدم، وجاء في مقاله: " إن الفقيد هو العقيد أو العميد أو المقدم فلان الفلاني، وأن أبناءه هم ـ بحسب رتبته ـ المقدم أو الرائد أو النقيب أو الملازم أول نضال أو ثائر أو كفاح أو رفيق أو خليل أو إبراهيم أو إسماعيل أو حسن أو علي... الخ، وأصهاره أزواج بناته ثورة أو ثائرة أو نضال أو رفيقة أو أمل أو شروق هم المقدم المهندس أو الرائد الطبيب أو الملازم الأول الإلكتروني أو المستشار الفني... 

 ( أنتهى الاقتباس).

 وليس من قبيل الصدفة أن ترد اليوم ذات الأسماء، اليوم، لنفس الأبناء وبنفس الأسماء، وقد نالوا شرف الشهادة، وعـُمـّدوا بالدم الطاهر، وقدّموا أرواحهم على قربان الوطن. وقد أمكنني، اليوم، مثلاً، وأنا أعبر الشوارع الحزينة، مكسورة الخاطر والوجدان، قراءة اسم الشهيد النقيب المهندس إياد محمد الأحمد، 26 عاماً، الذي استشهد ةأمس، من بين عشرات النعوات الأخرى. كما اسم الشهيد النقيب أيضاً علي نضال حسن، 27 عاماً، والملازم الأول علاء بالوش 28 عاماً، والمساعد الأول ثائر محمد رستم، 35 عاماً. ومنهم من لم يتمكن ذووهم من إلقاء نظرة الوداع عليهم بسبب بشاعة الموت الذي تعرضوا لهم والتمثيل بأجسادهم الطاهرة ورميهم في العاصي بعد الشهادة من قبل مجرمي العرعور والغليون والعبدة والشقفة.

 ومعظم هؤلاء الشهداء الأبطال زفوا بالغار ولفوا بالعلم الوطني وأكاليل الغار، وحملوا على الأكف، ووروا الثرى في مقابر الشهداء بمراسم عسكرية. وتحفل معظم الشوارع وجدرانها، التي يخال إلي بأنها تبكيهم كما بكتهم أمهاتهم، بعشرات الأسماء التي باتت في ذاكرة ووجدان وقلب وضمير أبناء المدينة الشرفاء والأبرار وما تزال تتلألأ اليوم لناظري أي عابر، ناهيكم عن عشرات الأوراق الأخرى التي ذابت مع أسمائها، وتآكلت بفعل الشمس والطقس والمطر الغزير الذي انهمر في الآونة الأخيرة. فمن اسم العميد المظلي الشهيد عدنان زيدان ديب 52 عاماً، إلى الشهيد زياد علاء الدين 30، والملازم الأول مجدي مرعي زريق 26 عاماً، والمساعد الأول حسين علي رضوان31 عاماً، والمساعد الأول عمار علي جنود 33 عاماً، والشهيد وضاح بشير لايقة 30 عاماً، والمساعد الأول لورنس منير جورية 30 عاماً، وفداء ضياء أحمد 42 عاماً، والمساعد الأول كفاح علي سويدان 25 عاماً .....إلخ، قضى معظمهم في بؤر التوتر وتجمعات العصابات في تلكلخ، وجسر الشغور، وتلبيسة....إلخ .

والناظم بين هذه الأسماء جميعها هو العمر الفتي الغض الذي دفع كفدية كي تبقى هذه المدينة وغيرها، من مدن سورية الأبية تنعم بالأمن والسلام. وعلى النقيض من هذا المشهد المحزن الكئيب، لو انتقلنا إلى مكان آخر ولنعوات أخرى، ومن دون أي تعميم أو أي تأويل، وفيها أسماء من مثل عمر، وخالد، ووليد، وفاروق، وعثمان، وبكر، ومعاوية وعائشة، وخديجة، ونظمية، وأمينة، فالوفاة، وعلى الغالب، كانت طبيعية في اللاذقية، وفي أعمار لا تقل، أحياناً، عن السبعين عاماً، وتمتد حتى التسعين، في أحايين أخرى وتشيـّع، بالسيارات، من جامع العجان أو عمر بن الخطاب، وترافقها بوكيهات الزهر والورد باهظة الأثمان في دلالات الانتماء الطبقي وإظهار الوجاهات.

 وهي للتاجر فلان، أو لصاحب الشركة الفلانية، أو للدكتور والمهندس والقاضي المتقاعد فلان، الذي قضى، بعد صراع طويل، إثر مرض عضال في مستشفي "كذا " الخاص، ذي النجوم الخمسة، وربما السبعة، أو في فيلته في حي كذا الراقي، أو في صلنفة وكسب ..إلخ. ولو نزلنا قليلاً إلى حي راق آخر، كالأمريكان، لوجدنا أوراق نعوة لأشخاص يحملون أسماء من مثل جرجس، وجورج، وميشيل، وطوني، وعيسى، وجولييت، وجورجيت، وأنطوانيت، وكريستين ومريم، ولوجدنا، أيضاً، التقدم بالعمر، والطبقية هي السمة الطاغية في النعوات. وأن بعضهم، أو بعضهن، قد توفى، ولاقى وجه ربه ذا الجلال، على فراشه، ومنهم في أمريكا، وأستراليا، وفرنسا، وتم نقلهم بطائرات إلى مسقط رأسهم في هذه المدينة الجميلة. أي أن الفرفشة، والفشخرة، والدلال والتمييز الطبقي والسخاء باد حتى في طقوس الموت الأخيرة، التي لا يحلم بها، أبداً، نضال، وثائر، وكفاح، وجهاد، وعلي، لا في الممات ولا في الحياة، فكما هي حياتهم، فموتهم هو، أيضاً، مجرد فاجعة ومأساة، أخرى لم تستدع سوى التهكم والسخرية من أبي النعوات.

 إن أسماء من مثل ثائر، وكفاح، وجهاد، ونضال، وعلي، التي لم تعجب صاحبنا أبو النعوات، تحمل، في الغالب، أبعاداً طبقية قبل أي تأويل آخر. وحين يجد الجد هي، على ما يبدو، من ينبغي عليها، دفع ضريبة الدم الغالي، راضية مرضية، وعلى نحو مأساوي ومفجع أحياناً، فداء لباقي الأسماء الحلوة والجميلة، والمحبوبة لنا جميعاً، والغالية علينا، ونقف منها جميعاً على مسافة متساوية. ومن هنا، وبرأينا، فإنها كانت تستدعي احتراماً، سابقاً، أي في حينه، ولاحقاً، أي في هذه الأيام العصيبة والدم ما زال نازفاً، من صاحب النعوات، أكثر مما أثاره، وأراد إيصاله، في مقاله سيء الذكر والفال، ذاك، أو في مقالاته وأطروحاته السمجة، والثقيلة على القلب، في هذه الأيام.

 هوامش:

(1) باتت الاعترافات ترد تباعاً عن تسليح الثورة ,وعسكرتها، ومن جهات عدة حاولت التستر على الأمر طويلا، وبات هناك كلام علني وصريح من قبل أولياء الثوار، عن قيام الثوار، ولا تقرفوا، بأعمال عسكرية، وعن دمويتهم، بعد أن انفضح للجميع دجل سلمية الثورة العرعورية. وبالمناسبة ومن دون تبجح وادعاء بطولات فارغة، كنا قد أشرنا منذ البدايات والأيام الأولى، لذلك. لذا اقتضت الإشارة والتنويه.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز