نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
لا لعروبة سوريا

ظل حزب البعث القومي الشوفيني الحاكم في سورية يحشو، وعلى مدى خمسين عاماً من تسذيج واستهبال ومسخ العقول، ومن إحكام قبضته على رقاب تابعيه، وتحكمه بمصير الشعب السوري براً، وبحراً، وجواً، ويغسل أدمغة رعاياه المساكين بصابون الثقافة القومية الاشتراكية، ولا تضحكوا فهكذا وقسماً بالله ما "بذل عليكم بحرف واحد"، بأدبيات خرافية أسطورية زاهية وبراقة، لكنها مسلية ومضحكة بنفس الوقت، عن عظمة بدو الصحراء وتاريخهم المشرق الحافل بالدم والخزي والمؤامرات. وتسويق وغرس خطاب ركيك ضحل مبتذل سطحي ومتهافت، في عقول الصغار، عن العرب، والعروبة، وحضارة العرب الأقدمين التي سرقوها من بيزنطة، واليونان، وفارس، ومصر، وسوريا، وحضارة ميزوبوتاميا Mesopotamia .

 والزعم بأن بدو الصحراء الذين ظهروا على مسرح الحياة قبل 1400 عاماً، فقط ليدمروا الحضارات، وينهبوها، ويبيدوها، ويقيموا الأنظمة الأبوية، الوراثية التوتاليتارية الشمولية الديكتاتورية القهرية بحد السيف، وينشؤوا إمارات وإقطاعيات قطع الرؤوس الثقفية الهمجية فوقها، هم البديل الحضاري الموضوعي اليوم لكل ما هو قائم من حضارات، وهم حوامل النهضة، والعصرنة الذين سيعيدون بناء أمجاد إمبراطورية الغزو والسبي والنهب، وسيبعثون، من جديد، مجد أولئك البدو الغزاة، الذين تجاوزهم العصر، ومحاولة إعادتهم مرة أخرى إلى مسرح الحياة بعد أن انتهى، وبالتقادم، وحكم الزمن عمرهم الافتراضي، وخرجوا من معادلات الحياة، كما خرج أبناء كل الحضارات البشرية السابقة، الذين كانوا حلقات في سلسلة التطور البشري الارتقائي المتصاعد، والذين أخذوا دورهم وقدموا ما قدموا و"الله يعطيهم العافية على أية حال"، وهذه سيرورات حتمية لا يمكن لأحد الالتفات عليها، وانتهاك قدسيتها، واللعب على قوانينها، سوى المنطق، البعثي المتخلف الغاشم، وسلفية وأصولية مضامينه الفكرية.

 فمن يستطع، اليوم، في طول أوروبا وعرضها، مجرد الطرح بأنه سيعيد بناء وبعث الإمبراطورية الرومانية، أو الإغريقية؟ وهل يجرؤ أحمدي نجاد، أو علي خامنئي، على التصريح عن رغبتهما بإعادة مجد الحضارة الفارسية الغابرة، وبعثها من رقادها كما هو حال الفكر البعثي صاحب الرسالة الخالدة؟ (هل هناك رسالة خالدة في الحياة أم أن التجدد هو سمتها الأولى ؟) وللتدليل على أن سوريا مهد وأم الحضارات البشرية، وسابقة لحضارة البدو والصحراء، نورد، دائماً، القول الشهير لمدير متحف اللوفر في الستينيات آندريه بارو، حين كان يوماً ما، باحثاً للآثار في هذه المنطقة: "لكل إنسان في هذا العالم وطنان، الوطن الذي ولد فيه والثاني سوريا".

 ويدور، حالياً، سجال على هامش الأزمة السورية، حول عروبة سوريا، وحول حذف أو الإبقاء على صفة العربية، في اسم سوريا، وهذا ما أحدث انشقاقات في أكثر من مؤتمر سوري كرازاوي معارض، في اسطنبول وغيرها، وما أثاره ذلك من حفيظة ومماحكات وتناحر بين إخوانيين سلفيين متعصبين مستعربين، حالمين، كرفاقهم البعثيين الأشاوس، ببعث الرسالة الخالدة، وبين نشطاء أكراد، وغيرهم، يرون في إضفاء صفة العروبة على سوريا احتكاراً شوفينياً وقومياً وإثنياً، وتهميشاً واستبعاداً وازدراء لثقافتهم، غير مبرر في وطن متعدد الأعراق، ينبغي أن يتساوى فيه الجميع، ويجمع في طياته، كل المكونات العريقة، والأصيلة، والعظيمة، والعصائر الحضارية وخلاصاتها الأبية، التي تعاقبت على هذه الأرض المقدسة السورية، والتي لم تستعرب، رسمياً، إلا مذ دخلتها جحافل الغازي البدوي واعتبارها مقراً للدولة الإسلامية الناشئة لاستحالة إقامتها وإتمام شروطها في مهد الرسالة، بسبب التصحر العام وقسوة الطقس وشظف العيش والقلة والفقر الذي يلف أرض الحرمين.

ومن مفارقات القدر المبكية المرّة، أن تأتي الطعنة المؤلمة النجلاء لسوريا العربية، والعروبية، التي نافحت طويلا عن العرب، ووظـّفت كل إمكانياتها وسياساتها وجهدها، لخدمة العرب الجاحدين، والعروبة الوهمية، ولتحقيق حلم الوحدة العربية المستحيل، نقول أن تأتيها تلك الطعنة النجلاء من العرب أنفسهم، ومن جامعتهم العربية الفاسدة، في هذه الظروف القاسية، والصعبة التي تمر بها سوريا. وبغض النظر عن الوضع السياسي الراهن، وملتبساته وإشكالياته الكثيرة، وإن كنا نقف بالمطلق ضد عروبة سوريا، فإن سوريا، وبشكل عام، وفي عهدة ووصاية العرب والعروبة، لم تقدم، تاريخياً، للبشرية ما يرفع الرأس، أو يمكن الاعتداد به، اللهم سوى تكريس تلك الصورة النمطية والمثالية عن فكر وثقافة وقبائل الصحراء بكل ما فيها من ممارسات باتت خارج العصر والأوان.

 فهي، ومن يومها، ويا عيني عليها، كشقيقاتها العربيات، تعيش حالة التخلف، والبؤس، والفقر، والاستبداد، والديكتاتورية والقبلية والعشائرية والعائلية والمحسوبية والشللية والتقوقع والانغلاق والانشقاق، والصراعات، والتصدعات، والفساد والنهب والترهل والكسل وانتهاك الحريات، وانعدام المبادرة الإبداع، واحتقار الإنسان الفرد وتقديس الجماعة الغريزية، والصراعات الدموية على السلطات، ومن من أيام طيب الذكر معاوية بن أبي سفيان، رضوان الله تعالى عليه، وحتى اليوم، على عكس سوريا الفينيقية، والسريانية، والآرامية، والكلدانية، والحثية، وحضارات الهلال الخصيب ما قبل التبدون الصحراوي الفقير، التي انشغلت بالإبداع والعظاء والبناء، والتي عرفت أنماطا ناصعة من الدول المدنية والديمقراطية كمملكة زنوبيا، وإيبلا، وأوغاريت، وأفامبا، وشمرا، ومملكة ماري في الألف الثالث قبل الميلاد التي عرفت بتطورها وقوانينها وازدهار الحياة المدنية والفنية فيها.

 وقدمت سوريا للبشرية، الحرف، واللحن، والرسم الأول في التاريخ وأغظت أنموذجاً للتعايش والقوننة والتشريع والتآخي والتحضر والتصنيع والتصدير وتبادل السلع مع الحضارات المعاصرة ومواكبة كل المتغيرات وأهدت العالم ركائز إبداعية كالأبجدية التي قامت عليها من بعد حضارة الإنسان، وتتربع أورنينا السورية على عرش الإبداع الموسيقي العالمي كسيدة للمغنيات وصاحبة أول لحن معروف في التاريخ، فيما تراجعت سوريا البدوية إلى الحضيض مذ دخلها بدو الصحراء، وفرملت سوريا العروبية البعثية كل طموحاتها، وأطرت نفسها، وحبست ذاتها في جدران الفكر البدوي، وثقافة الصحراء الضحلة معرفياً، والمتخلفة حضارياً. وبالمقابل، فعروبة المرء ليست ضماناً لأخلاقيته، بل ربما لا تكون، وكما تعودنا من هؤلاء الأعاريب، ومن لف لفهم من سلاجقة بني عثمان الطورانيين، إلا دليلاً على غدره وخبثه وازدواجيته وانحطاطه العام، وعلى لا أخلاقيته، وخيانته، تآمره، وطعنه وفتكه بالآخرين، وكما رأينا في التطورات الأخيرة حيث كشـّر البدو الأعاريب عن أنيابهم لافتراس سوريا، كما افترسوا الثور الليبي المسكين.

 وظهر لسوريا أخوة وأشقاء وأصدقاء حقيقيون، ومن غير الأعراب، ويا لغرائب الصدف، وعلى رأسهم إيران الصفوية الفارسية، كما يسميها الخطاب البدوي العنصري، ومجموعة البريكس BRICSمن السلاف الروس، والصينيون، والجنوب أفريقيين، ، والبوذيون الهنود، والبرازيليون، وغيرهم، كالفنزويليين من شعوب الأرض التي لا يجري، وكل الحمد والشكر لله، الدم البدوي البعثي في عروقها وإلا لوقعت الفأس في الرأس، ، وتعرف تلك الشعوب معاني، وتجسد قيم الوفاء، والصداقة، والإخلاص أكثر من بدو الصحراء المتآمرين الذين يريد البعثيون، وبكل أسف، بعث حضاراتهم وممارساتهم الكيدية الفظة المتآمرة والمتواطئة وأخلاقهم من جديد. ونحن كسوريين، أبناء عشرين ألف سنة من الحضارة، أسبق وأقدم بكثير ، بوجودنا وحضاراتنا على هذه الأرض، من الوافد العربي الجديد، الذي لم يستعمر سوريا، إلا من 1400 عام، من الزمان، لم تجلب لنا أي نوع من الراحة، والهدوء، والأمن، والرفاه، والاستقرار.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز