نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
لماذا نقف ضد ثورات المساجد؟

ليس خافيا على أحد، موقفنا المعلن ضد ما يسمى بالربيع العربي والثورات التي يقودها رجال وضباط الناتو، ويـُخطط لها في بروكسل وواشنطن ولندن وباريس، وتنفذها أدوات، وعناصر محلية ومرتزقة تم استقدامها من الخارج

(1) معروف انتماؤها التاريخي للتيارات الدينية الظلامية المتشددة المعادية للحداثة، والعصرنة، والعولمة، والتنوير. وحين بدأت الأحداث التي عصفت بما يسمى بالعالم العربي، وأطلق عليها اسم الربيع العربي، وهي مدعومة غربيا، وأمريكيا، واستخباراتياً، وممولة، ويا لمحاسن الصدف، من الدول النفطية العربية الثرية، التي ولشدة الاستغراب لم تصبها عدوى الربيع العربي، مع أنها الأكثر حاجة إليه، إذ أن معظم هذه المشيخات الأبوية القبلية الحاكمة لا يوجد فيها أي دستور مكتوب، ولا تتمتع بأي نوع من الحريات الأساسية العامة، أو تعرف قدراً من تداول السلطات ومحكومة وراثياً من قبل عائلات وسلالات قدرية

 نقول مع اندلاع تلك الأحداث وصل صداها وتأثيرها إلى سوريا، وأخذت طابعا مذهبياً، وطائفياً مرعباً وفظيعاً وعلنياً، ورفعت شعار القتل علناً وصارت تطالب بالثأر والانتقام ولاقتصاص وقتل وتهجير الأقليات الأخرى. ورأيت بعيني هاتين

(2) في قلب مدينة اللاذقية الساحلية السورية التي تقع على المتوسط، متشددين ملتحين وهابيين يرتدي بعضهم الزي الأفغاني والباكستاني المعروف للقاعدة، مزودين بهراوات، وسيوف، وبلطات، وبنادق آلية، وقاموا بعمليات قتل وحرق وتكسير مرددين وهاتفين بشعارات من مثل "العلوية إلى التابوت، والمسيحيون إلى بيروت" ، "بدنا نحكي ع المكشوف علوية ما بدنا نشوف"، وفي بابا عمرو بحمص ردد متظاهرون: "سلمية حتى نبيد العلوية"، وقد وصف شيخ من مدينة درعا السورية الثورية، ويدعى عبد السلام الخليلي، وصف، في حينه، بأنه شيخ الثورة السورية. نساء مدينة السويداء المجاورة الدرزيات

(3) بالعاهرات في إحدى خطبه الشهيرة

(4)، وذلك لأنهن لا يرتدين الحجاب والنقاب الصحراوي المعروف، كما تطاول على قائد الثورة السورية ضد الاحتلال الفرنسي القائد الكبير سلطان باشا الأطرش، حيث اتهمه بالكذب وبسرقة قيادة الثورة. وجرت محاولات لفرض النقاب والحجاب على النساء السافرات وبالقوة، وأعلن قادة الثورة عن رغبتهم بإقامة إمارة إسلامية متشددة على النمط الوهابي في مدينة اللاذقية، وقد صاحب هذا كله عمليات قتل وتمثيل بالجثث

(5)، ذات بعد طائفي مكشوف، ولم تلق كل هذه الأفعال والتصريحات والشعارات، أي استنكار، أو نفي مما يسمى بزعماء الثورة والمشرفين عليها لا بل كان البعض يمجدها ويعتبرها أعمالاً بطولية وثأرية من أقليات كافرة يجب التخلص منها. كما تبنى زعماء سلفيون مشهورون كالقرضاوي، دعم وتعميد هذه الثورات ودعا علناً لقتل القذافي خارج مؤسسة القضاء ومن دون أية محاكمة قانونية. وبهذا الصدد، لا يخفى على أحد أن للنظام السوري بعض محاسن، كما له مساوئه، وإن كانت المساوئ، تغلب أحياناً ، في نظر كثيرين من أعدائه وخصومه السياسيين، وجلهم من السلفيين والإخوان المسلمين، ولمامات من المتشددين والشيوعيين والتروتسكيين والليبراليين والماويين من عصابة الأربعة الشهيرة، فهناك حسنات أخرى النظام، كالمظهر العلماني للدولة، ومشاركة النساء الفاعلة في كافة مناحي الحياة، والتعليم المجاني والمختلط في المدارس والجامعات، والتأمين الصحي والعلاج المجاني، وبعض المكتسبات الاشتراكية التي تصيب الشرائح الأفقر في المجتمع، فإن حسنة التسامح الديني، والعرقي، والمذهبي لوحدها تغلب على جميع المساوئ والحسنات الأخرى. والمجتمع السوري مجتمع تعددي بحق تتعايش فيه منذ أمد بعيد كل المكونات السورية المتعددة والكثيرة والتي تتجاوز العشرين إثنية، وعرقية، ومذهب، ودين، وطائفة، إسلامية، ومسيحية، ويهودية، ويزيدية، وصائئة، وسيريانية، ويشكل المسيحيون السوريون حوالي 8 % من مجمل التعداد العام للسكان يعيشون حياتهم بكل حرية وسهولة ويسر وينعمون بالامتيازات المعتادة التي يحصل عليها أي مواطن سوري آخر، ويعيشون في قلب تجمعات سكنية وبشرية إسلامية دون الشعور بأي قلق، أو خوف

(6). من جانب آخر تمخض ما يسمى بالربيع العربي عن استقدام كل تلك السلالات السلفية الهاربة، ومنها ما كان خارجاً عن القانون، وعادت لاستلام الحكم والتحكم بمقاليد الأمور في كل من تونس عبر تيار النهضة الإسلامي الذي يتزعمه راشد الغنوشي الإخواني التونسي المعروف، وفي مصر صار الإخوان المسلمون هم الحاكم الفعلي لمصر، فيما يعلم الجميع انتماء مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الانتقالي للتيار الإخواني السلفي الظلامي، وصارت القاعدة هي البديل الموضوعي المؤهل والجاهز في اليمن، فيما لا يخفى على أحد الطابع الديني والهوية المذهبية الإخوانية، وهيمنة جماعة الإخوان المسلمين على المعارضة السورية القندهارية

(7)، وكل هذه المعطيات لن تصب في صالح السلم الأهلي والمجتمعي ومدنية وعلمانية ودستورية وحداثة وعصرنة المجتمعات في عموم الإقليم، ولن يستثنى منه أحد. وفي سوريا أيضاً لم تخرج ولا مظاهرة، ولم يتشكل أي تجمع خارج إطار المسجد وتجمع الناس يوم الجمعة للصلاة، ما يعطي هوية يتيمة للحراك، في بلد متعدد الأعراق، والمذاهب والظوائف، والأديان. ولم تستطع كل قوى المعارضة التي تستعرض عنترياتها في الخارج من إخراج تجمع مدني سلمي واحد، بل كانت تستغل تجمع الناس يوم الجمعة للصلاة، وخروجهم من المساجد وتصوير ذلك مع بعض أعمال الشغب، والأصوات المدبلجة في الاستديوهات (كونها تتمتع بصفاء عال يوحي بتسجيلها في استديوهات خاصة حيث لا زمامير سيارات أو أصوات نشاز ولا ثغاء معيز وأنتم أكبر قدر )، على أنه مظاهرات واحتجاجات، وإرساله للقنوات البدوية إياها، وكلنا يذكر اللقطات الشهيرة المفتعلة التي صورت بهذا الصدد في قلب المسجد الأموي، وغيره، على أنها حراك سلمي.

(8) هناك محاولة جدّية وهمجية لتفريغ الشرق الأوسط من كافة مكوناته والقضاء على ذاك التنوع وما تبقى مما يذكرنا بعظمة وتاريخ المنطقة الحضاري العظيم وإبراز الحقبة الهمجية الدموية فيه، تمهيداً وتبريراً يهودية إسرائيل، والقضاء على كل ما تبقى فيه من ذوق وجمال. والنتائج المباشرة حالياً التي تمخض عنها الربيع العربي، وما صاحبه من فوضى عارمة، ودم وخراب، وصعود وعودة قوية للقوى الإسلامية المتشددة، والتيارات المنغلقة على نفسها وعلى الآخر، تجعل كل القوى التنويرية والعلمانية تتخوف حكماً

(9) وتجعل المستقبل العربي بالتأكيد، في شتاء دائم وقارص، وخريف مقيم، وغيم ومطر وريح زمهرير وأنواء دموية عاصفة وجليد فكري وتشدد عقلي سرمدي مديد، قد يستلزم لاحقاً أكثر من ربيع حقيقي، وربما صيف لاهب، حتى يتم تذويبه من جديد.

 هوامش:

 (1) نقلت تقارير كثيرة عن عملية إنزال 15000 ألف مقاتل من القاعدة في ميناء طرابلس الليبي في ما سمي بعملية تحرير طرابلس تشبه برأينا، وإلى حد كبير، عملية الإنزال في النورماندي التي جعلت الحلفاء ينتصرون في الحرب العالمية الثانية. وضبطت سفن في موانئ تونسية قادمة من دول نفطية تحمل أسلحة وذخائر ما ينفي السلمية والمدنية والتحضر والربيع والثورة عن هذه الاحتجاجات التي يقودها الأطلسي، بل مجرد تدخل أجنبي غير قانوني أو شرعي. وليس من قبيل الصدفة أن يكون القاعدى عبد الكريم بلحاج، خريج غوانتانامو وزنزانات العقيد لانتمائه للجماعة السلفية الليبية، هو الحاكم العسكري الفعلي لطرابلس اليوم.

 (2): كتبت في حينه بتاريخ 27/3/2011 مقالاً توثيقياً بعنوان شاهد عيان من اللاذقية يمكن الرجوع إليه. ولنا رجوع مطول للملف السوري في المستقبل القريب. كما اعترفت فصائل وأقطاب معارضة وأكثر من وسيلة إعلامية عربية وعالمية، والرئيس الروسي ميدييديف، نفسه، بإرهابية الحراك السوري، وقتل أكثر من 700 من ضباط وجنود سوريا.

 (4): طائفة الدروز في سوريا هي واحدة من الطوائف الإسلامية المعروفة والتي تعيش وتمارس إلى حد ما انفتاحاً مجتمعياً في الحياة العامة بما لا يخالف ويتعارض مع التقاليد والقيم العربية والإسلامية بعناوينها العريضة. (4) للاطلاع على تيوب الشيخ السلفي الثوري السلمي من مدينة درعا وهو يخطب في المسجد العمري معقل الثورة السلمية السورية، ومع شديد الاعتذار من كل أخواتنا الكريمات على التوصيف غير اللائق الذي أطلقه الشيخ، وناقل الكفر ليس بكافر: www.youtube.com/watch?v=PqpjqycBpjQ (5) شريط يظهر عملية شنق وتمثيل بمواطن قام به الثوار اعتقد أنه ينتمي لإحدى الأقليات في سورية. http://www.youtube.com/watch?v=DiBA15atBn8 (7) تم إفراغ العراق من مسيحييه تماماً، بعد تحريره من حكم صدام حسين، وتحول إلى إمارة إسلامية ليست بعيدة عن النمط الوهابي في ممالك الخليج الفارسي. فيما عبر البطريرك بشارة الراعي، وفي قلب فرنسا، عن خشيته على مسيحيي الشرق ودعا للدفاع عنهم، وعدم تهجيرهم، الأمر الذي أغضب مفتي البلاشفة السورين وسائر الربيع العربي قداسة الأب ميشيل كيلو، بذات القدر الذي أثار حفيظة السفاح وقاتل الأطفال المجرم حجـّة الثوار ساركوزي، المرشد الأعلى للربيع العربي.

(6) كنت وبكل تواضع، أول من أشار إلى لفظة قندهار كتعبير عن اتجاه سياسي وفكري وتيارات تطغى على الساحة في مقالي المعروف عن إعلان دمشق الذي سميته بإعلان قندهار، تعبيراً عن توجهه الظلامي، وذهب المصطلح مثلاً صار كثيرون يستخدمونه للإشارة إلى هذا التيار البدوي السلفي الصحراوي، لذا اقتضى التنويه.

 (8) حدثت هذه الحادثة في مدينة اللاذقية، فحين سمع بعض البلاشفة السوريين، وأحد قادتهم ف، ج، على ما ذكر، ممن سجن لمدة 18 عاماً بتهمة الانتماء لحزب العمل الشيوعي، حين سمعوا بالتظاهرات السلمية، توجهوا إلى مكانها، لتأيدها والوقوف والتظاهر معها، فوجدوا بشراً بأشكال مرعبة غريبة، ملتحين متجهمين، مسلحين بهراوت وشنتيانات وسيوف وبلطات، فتركوهم وانسحبوا على الفور، عائدين من حيث أتوا.

 (9) قامت قائمة كتائب وجحافل ومنظري الربيع العربي، ورفعوا أقلامهم على رماح جرائد أبي لهب، ضد أدونيس بسبب إبداء تخوفه وملاحظاته وتحفظه على خروج المظاهرات من الجوامع، ففي ربيع العرب الجديد، ممنوع إبداء أي رأي أو ملاحظة تتعارض مع فقه الثوار السلميين.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز