نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
في رثاء حمير سوريا

في طوفان النشر والبث الفوضوي غير المسؤول، أو الموثق على الإنترنت، ليس من المستغرب البتة بث شريط لمجموعة من الأفراد يرتدون أي لباس أو زي، ويقومون بأي عمل من قبيل إطلاق النار على مجموعة من الحمير، وأجلكم الله وتكرموا، وقتلهم، لكن المستغرب، تماماً، أن تقوم مجلة رصينة، كما يقال، كفورين بوليسي Foreign Policy، بنصرة الحمير، والوقوف مع مجموعة من الحمير مجهولة الهوية والانتماء و"الزريبة" والزمان، ولا يعرف إلا الله من قتلها، ولماذا قتلت، ولأي سبب أعدمت؟ وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل، على أن جهات العدوان والتآمر الدولي على سوريا، باتت، وخلافاً للشرع، تزر وازرة وزر أخرى، ولا تترك أي حدث يمر في سوريا، دون توظيفه في خدمة مشروعها، وهو شيطنة النظام وأهله، تمهيداً لشن عدوان أممي بربري عليه على النمط الليبي، حتى بحجة الدفاع عن موت بعض الحمير، هذه المرة، وليس المدنيين الآمنين، كما في حالة النظام الليبي، لاسيما بعد ظهور تصدع وتفسخ في جدار وأزعومة سلمية ما يسمى بـ "الثورة السورية"، ولتصبح عندها الحمير طرفاً بشكل ما في معادلة الثورة.

 ومع وقوفنا الأكيد مع الحمير، وضد قتل أي حمار من الحمير، إلا أننا نجد أنفسنا مضطرين، وكالعادة، لتوضيح بعض ما يمكن أن يعتري قصة كهذه. فلا يستبعد، مثلاً، قيام أية مجموعة، بارتداء لباس الجيش، ومن ثم إخراج هذه التمثيلية الهزيلة، والزعم بأن الجيش، الذي قام بعمليات أمنية ولوجستية نوعية وباهرة، ينحدر إلى هذا المستوى المنحط من الفعل القبيح وأنه: و"شوفوا يا عالم يا هووو" ، حتى الحمير البريئة المسالمة و" السلمية" هي الأخرى والوادعة، لم تسلم من "إجرام" الجيش وبطشه، وذلك بغية تشويه سمعته، بعد أن فشلت وانهارت وهزمت كل المواجهات المسلحة معه، وفنـّدت كافة المزاعم والرغبات والاحتمالات عن انشقاقاته الوهمية التي عوّل عليها كثيراً في إنجاح مخطط تفتيت سوريا، وبعد السقوط المدوي والمشين والمخزي لأسطورة الهرموش، ولاسيما، أيضاً، بعد قدرة الجيش على ضبط الوضع، وإعادة الأمن والهدوء للبلد، واستعادة زمام المبادرة، بتكتيك، وأداء، ومهنية عسكرية عالية، قل نظيرها بين جيوش العالم، وحاز بذلك على احترام وتقدير وحب جميع السوريين، وانهار بذلك أي حلم أو إمكانية لقطع جزء عزيز من الوطن الغالي لاستخدامه كمنصة أطلسية للاعتراف بالمجلس الكرزاوي الغليوني في سوريا.

وفي الحقيقة، أيضاً، هناك سيل آخر من التيوبات المفبركة والكاذبة والتمثيليات، عن الثورة السورية، والأفلام والتظاهرات، لا تنطلي ولا تمشي إلا حتى على الحمير، والتي لم تعد بحاجة إلى مخرجين، وكتاب سيناريو، واستوديوهات لإخراجها، ويمكن لأي شخص مجهول الهوية، وله إلمام بسيط بالدخول إلى الشبكة العنكبوتية من إنتاج، وإخراج، وبالتالي بث، المئات مما يحلو له منها، ومن دون حسيب أو رقيب، ووضع أي عنوان لها، وإلصاقها بأي كان.

 ومن هنا لا يمكن أخذ هذه التيوبات على محمل الجد، وتتمنـّع مثلاً محطة رصينة ومهنية ومحترمة، كالسي إن إن CNN، حتى اليوم، وترفض بث أي تيوب مجهول المصدر والهوية والمنتج والزمان والمكان، عن ما يسمى بـ "الثورة السورية"، كما تفعل، وبدأب واستغفال ومثابرة واستهبال، مثيلاتها، العربيات، وذلك لافتقاد تلك التيوبات لأدني قدر معايير العمل الإعلامي، وخلوه من المصداقية والتوثيق المهني، ولا يمكن التحقق منه بسهولة.

 ثانياً، وهو الأهم، وقد يكون للشريط في هذه الحالة نصيب من الصحة، فأنه من المعروف للجميع، أنه في سوريا، وفي جميع المناطق الحدودية في العالم، تنشط عمليات تهريب مع الدول المجاورة، ويتم، ها هنا، تدريب بغال وحمير على عبور تلك المناطق، وخاصة الوعرة منها، من دون مرافق، بحيث يقوم فريق بتحميل البضاعة في جانب من الحدود، ويقوم فريق آخر، صاحب المصلحة بالبضاعة، باستلام " الطلبية" في الجانب الآخر من دون أن يخطو خطوة واحدة، إذ يجد الحمار والبغال، وأنتم أكبر قدر، وقد وصلت لمكان معلوم بعيداً عن أي خطر وملاحقة أمنية.

 وفي هذه الآونة من عمر الأحداث في سورية، نشطت عمليات واسعة، وخاصة من لبنان الشقيق، ولا تقرفوا، وتم ضبط الكثير منها، ورصدها، ومصادرة كميات هائلة من الذخائر، والمعدات الحربية، وقد تكون هذه الحمير ضحايا لواحدة من تلك العمليات. فما الذي سيفعله من صادر هذه البضاعة وقد تكون قوات من الجمارك، بعد مصادرة هذه الحمير الخارجة عن القانون؟ هل يقتادونها للسجن، مثلاً؟ أو يتم إنزالها بفنادق خمسة نجوم، ريثما التحقق من براءتها، أم يقوم بإعدامها، كي لا تعود لأصحابها، المجهولين على الأرجح، وتمارس نشاطها المعتاد في أذية سوريا والسوريين.

 وبالمناسبة كانت بعض الحمير دليلاً في مرات لقوات أمنية للوصول إلى الشخص المطلوب من خلال ذهابها الغريزي إلى المكان المقصود الذي يتواجد فيه المهرب، ومن هنا كانت تقوم بدور وظني رائد وهام. ثمة احتمالات أخرى، قد لا تكون في سياق موضوعنا، وخلفياته السياسية والإعلامية، كقيام مجموعة من المراهقين بالتسلية بهده العملية، أو أن يكون هناك عمليات ثأر بين مجموعات متنافسة من المهربين، والقضاء على الشرايين الحيوية لبعضها، وهي الحمير، وغير ذلك من التأويلات الأخرى، ناهيك عن عمليات تتم بين فينة وأخرى للتخلص من حيوانات شاردة وضالة كالكلاب، والحمير، وغيرها، وهذه تجري في بلد كلينتون، التي تتباكى وتذرف الدموع الجياشة المدرار، على حمير سوريا اليوم.

 ثالثاً وهو الأهم من كل شيء، كيف يتباكى ويذرف رموز المعارضة والثورة السورية وبلاشفتها، وفلاسفتها الكبار، على "شوية" حمير لا راحت ولا جاءت، كما يقال، وترفض، وتتمنع، بذات الوقت، بكيدية وحقد وتعمد، حتى عن إدانة أو ذكر والحزن والتأسف على شهداء الجيش السوري من إخوتهم "البشر" في المواطنة، الذين سقطوا بنيران العصابات المسلحة ومثل بأجسادهم في جسر الشغور، ودير الزور، وحماه، وغيرها، من أماكن تواجد العصابات الإجرامية المسلحة.

ولكن بكل الأحوال، وفي كل التأويلات، إن الموضوع برمته يندرج في سياق الحرب الإعلامية الشاملة على سوريا، والتي كان نجمها هذه المرة الحمير ما غيرهم. إذ لا ندري لماذا لم يقم الجيش السوري قبل هذه الأحداث، بإعدام الحمير، والتنكيل بها وبغيرها من الحيوانات؟ وفي النهاية، ومهما تكن الدوافع والأسباب، فالحمير فقط، وبكل أسف، هم من ينجرّون وراء أي كلام، ويصدقون أية رواية، ويأخذونها على محمل الجد، من دون تحكيم للعقل والمنطق فيها، ومع ذلك لا يسعنا، بهذه المناسبة العزيزة والغالية على قلوبنا جميعاً، إلا التقدم من جميع هذه الحمير، وذويهم، وأصدقائهم، وأقربائهم في الوطن والمهجر، بأصدق وأحر التعازي الحارة، على هذه الخسارة الفادحة والمصاب الوطني الجلل الأليم بفقدان هذه الحمير، وعلى هذا النحو المأساوي والدموي والمحزن، ولا أُفجعنا، وإياهم، بعزيز وغالٍ.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز