نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
ثورات شباب، أم وفاة جماعية لكهول المعارضات؟

يسرح بنا كثيراً إعلام الردة وأبواقه المتصهينة وأدواته المحلية المأجورة، في إسباغ صفة الشبابية على ما يقوم به الناتو من عملية إعادة قولبة وصياغة للنظم الحاكمة في المنطقة، وتنصيب أنظمة أخرى بديلة، أكثر ولاء واستتباعاً وانصياعاً وطاعة وعمالة من سابقاتها بعد أن حلب هذه الأخيرة، واستنزفها و" شفـّاها " نهائياً، تحت مسمى "الربيع العربي"، في محاولة مفضوحة لإعطاء بعد طهراني ورومانسي كربلائي ومظلومي مقدس زاهٍ يحصد من خلاله تأييداً شعبياً محلياً، وتعاطفا دولياً، بحيث يبدو الوقوف في وجه "الحراك الشبابي"، كما يسمونه، ضرباً من العقوق الثوري المحرم شرعاً، والزندقة الفكرية، والانحراف السلوكي والعقائدي الذي يأنف أي رجل بسيط وعادي، من القيام به، وسيجد نفسه حكماً، في لعبة الدهاء الثوري الشبابي، في موقع وخندق تأييد ثورات الناتو الشبابية.

ولقد كانت المباركة الرمزية من قبل كاميرون، وساركوزي، وأردوغان، لتلكم الأنظمة الهزيلة المستحدثة خير دليل وشاهد على طبيعة وتوجهات وكنه وتركيبة وولاء تلك الكيانات المنبثقة عن حراكات الشباب العربي، ولم يكن ينقص المشهد، في ظرابلس، سوى شيمون بيريز، أو إيهود باراك، وغريمه الليكودي نتنياهو، حتى تكتمل صورة ذاك الحراك الشبابي المستعرب والمفبرك. وقد كان هناك في الواقع خط إعلامي واضح، وإستراتيجية ظاهرة لتأكيد هذا الطابع الشبابي على ثورات ساركوزي، وكاميرون، وطويل العمر الشيخ أبو حسين أوباما الكيني، حفظه الله.

 وكنا نلاحظ تماماً أن الكتـّاب، والناطقين باسم "الربيع العربي"، كانوا تقريباً ملتزمين بما يشبه السياسة التحريرية العامة، التي لا يحيدون عنها، في الصدح بخطاب واحد، والذي، على ما يبدو، يملى عليهم من الجهات والمراكز المحرّضة والراعي الرسمي لهذه الثورات أي المسيو BHL، ما غيره. وتكاد تشعر بذاك الخط الناظم الواحد الذي يتراءى فيما بين السطور، ويمكن تلمسه من خلال تناغم كل تلك الأصوات وصدحها بنغمة واحدة إزاء ما يحصل وكأنهم يشتغلون عند Boss، واحد أو رب عمل يقوم بإنتاج واستنساخ ذات البضاعة، بذات المواصفات وطرحها، في سوق الاستهلاك الإعلامي. ولذا، لم يكن من المستغرب، البتة، والحال، أن ترى كتـّاباً بلاشفة، وتروتسكيين، وماويين سابقين، و" لمامات" حمراء وصفراء وسوداء أخرى، تجاوزها التاريخ الزمان، يرددون ببلاهة ببغائية مقززة ما يقوله داعية الفتنة، ومفتي القتل الشيخ الكهل يوسف القرضاوي، والشيخ عدنان العرعور، والشيخ اللحيدان، داعية القتل الوهابي الأكثر استرخاصاً لدماء السوريين، والذي دعا علناً، وفي ذروة التأجيج والتحريض الإعلامي، والحماس والاندفاعة الثورية الوهابية الطارئة، لقتل ثمانية ملايين سوري، دون أن يستصرخ ذلك، ولو تنهيدة، أو تأففاً، وهو أضعف الإيمان، من فحول الثورة وصقورها الكبار الذين يتباكون على الدم السوري المسفوح على يد النظام، كما يقولون. وعلى هامش تلك الاحتجاجات المـُحرّضة أطلسيا، نشأت فورة المؤتمرات اللاهثة لحصد النتائج الفورية والسريعة، والانقضاض لافتراس جثة الأنظمة المستهدفة والمتفحمة بفعل القصف الأطلسي.

 ورغم كل ذاك الكلام الفضفاض العارم، والسيل الجارف من التعليقات المدجنة والمروضة ومسبقة الصنع الـ Pre-fabricated، حول شبابية الثورات، فلم نر في أولئك الممثلين، أطلسيا، والمفوضين الساميين الجدد سوى الكهول، والعجائز، والمسنين و"الختاورة" الذين تحاول واشنطن عبر الفياغرا الإعلامية والدعم اللوجستي والمادي معالجة داء العنين السياسي المزمن الذي أصيبوا به. لا بل إن كثيراً من ممثلي ثورات الأطلسي وهن العظم منه، واشتعل رأسه شيباً، وبلغ من العمر عتياً، وصار في مرحلة تسليم أوراق الاعتماد لسيدنا عزرائيل عليه السلام، كما هو الحال بالنسبة لمحمود جبريل، ومصطفى عبد الجليل، ومحمود شمام الذين قضوا زهرة شبابهم، وعمرهم المديد، وألف ما شاء الله ويخزي العين، في خدمة الطاغوت وأنظمة الطغيان التي يقارعونها اليوم، بهمة وتصميم وثبات، ومنهم من عربد عقوداً في أروقة وكواليس النظام الأمنية وواجهاته الإعلامية والوزارية.

 وفي مصر تولى ثورتهم الشبابية التي عمـّدها شيخ الفتنة القرضاوي، مجلس عسكري الأدنى رتبة فيه، هي مشير ولواء، ممن قضـّى عمره وأفناه، في خدمة الطاغية الفرعون، وشاب في دهاليز ذاك النظام. ولو عرّجنا، على ما يسمى بالثورة الشبابية السورية، ولا تضحكوا، نرى تربع الكهول والعواجيـّز والمسنين، و"ختيارية" المعارضة السورية، وغيرهم من الشيـّاب وليس الشباب، على صهوتها، والاتجار باسم الشباب وتطلعاتهم وأحلامهم وأمانيهم المشروعة. ولو استعرضنا أسماء هؤلاء، لوجدنا، أصغرهم سناً، قد تجاوز الستين عاماً، ما يبعد عنه أية صفة شبابية. لا بل من المفارقات الإعلامية الكبرى أنهم يطلقون، تبجحاً، على عضو جماعة الإخوان السوريين، ذاك الطاعن في السن، اسم شيخ الثورة السورية.

 ولو تفحصنا معظم أسماء كل تلك المجالس الوطنية، أو الانتقالية أو المخلبية، التي تمخضت عن مؤتمرات الخارج المشبوهة، فلن نجد اسماً لشاب، بل تجمعاً لكهول وعجائز ومسنين وشيـّاب، استهلكهم الزمان، ويستحسن، موضوعياً، وإنسانياً، وربما، طبياً، وجودهم في مأوى العجزة، ودور المسنين، التابعة للشؤون الاجتماعية، أكثر من كونهم أعضاء في مجالس ثورية، وامتطاء ثورات الشباب، لا يقدرون على السير بها، خطوة واحدة إلى الأمام، أو منحها أي شيء، سوى اللهم، شفقة ورأفة، استدعاء قراءة الفاتحة على تلك الوجوه والأسماء التي تجاوزها، واستهلكها الزمان، لا بل إن انخراطهم في حراك مشبوه هو بمثابة موت نهائي واستخراج وثيقة رسمية لحالات وفاة جماعية لهؤلاء الكهول "الشيـّاب" الذين لم يكن ختامهم "مـٍسكاً" على الإطلاق.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز