نارام سرجون
serjoonn@yahoo.com
Blog Contributor since:
25 April 2011

كاتب من سوريا

 More articles 


Arab Times Blogs
كيف تهزم في خمسة أشهر من دون معلم؟

لم توجد حركة احتجاجات نالت هذه الحظوة من العناية والدلال والرعاية على مستوى العالم كالاحتجاجات في سوريا والغريب أن المنصات التي انطلقت منها هذه الاحتجاجات لاطلاق التغيير هي نفس المنصات ومهابط الانزال التي أنزل عليها الرئيس بشار الأسد خطواته الإصلاحية والغريب أيضاً أن هذه المعارضة قفزت من تلك المنصات لتتركها ليحل محلها مشروع الرئيس بشار الأسد الذي أعلنه منذ زمن عندما وثبت هذه المعارضات في الهواء ...ولا يشبه هذا القفز إلا قفزة عباس بن فرناس ونهايتها المعروفة..ولم يعد السؤال هو ان كانت المعارضة السورية قد منيت بالهزيمة وتحطمت كما تحطم عباس بن فرناس الذي وثب في الهواء بحسابات خاطئة، بل صار السؤال:لماذا خسرت المعارضة هذه المعركة رغم كل هذا الحشد الأممي الداعم؟؟؟ ولايستحق من ينكر هذه الحقيقة في الهزيمة المرة للمعارضة الا الرثاء والدعاء له بدعاء جدّي "اللهم ثبت علينا العقل والدين يارب العالمين" ..

في الوقت الذي كان قادة الثورة من باريس والدوحة يتحدثون الينا عن انجازات الثورة وينصبون برهان غليون رئيسا لمجلس انتقالي قررت ألا أستمع لاعلام الثورة والجزيرة وبرهانيات الثائر "غليون" ولا الى اعلام السلطة في سوريا.. وقررت أن أتجول بنفسي بين الناس وفي مدن ساخنة وأتحدث اليهم لأن الحقيقة تهمني كسوري يريد ان يرى مايريده الناس ليعرف مدى انسجام أفكاره مع أفكار الناس ..ولمعرفة المسافة بينه وبين الناس والمسافة بين السلطة والناس والمسافة بين المعارضة والناس كيلا يعتقد أنه يعيش اليوتوبيا وأحلام اليقظة المأساوية كما يعيشها برهان غليون ومجلسه الانتقالي..

تجولت في عدة مدن فيها الاحتكاك الساخن ونزلت الى الشارع حيث "بقايا" المتظاهرين ..ووجدت من هذه الرحلة الطويلة لعدة أيام بين الناس وفي نقاط الاحتكاك أن السلطة في سورية متماسكة جدا أما مايشاع عن تعب وتراجع معنويات أجهزة الأمن فهو أقرب الى الخيال بل وجدت أن هيبة الدولة على حالها ولمستها عند المرور بالحواجز الأمنية على ضفاف المدن التي تعرضت لعنف "الثوار" وكل مايقال عن تداعي هيبة جهاز الأمن والجيش بعيد عن الصحة ..ورأيته في ذوبان المتظاهرين وتشتتهم بمجرد اطلاقهم لرصاصة واحدة تستدعي تدخل رجال الأمن الذين لايظهرون الا فجأة كالبرق مع لعلعة رصاص العابثين بين المتظاهرين وكأن الرسالة واضحة وهي أن حناجر المتظاهرين لاتستفز ولاتهم طالما أن الأصابع العابثة لاتضغط على زناد الرصاص وتخيف الناس ..وعلى العكس لاحظت أن الشعور بهيبة النظام خالطها شعور باحترام كبير للمؤسسة العسكرية ..ورأيت بأم عيني العلاقة الجميلة والود بين معظم الناس ورجال الجيش ورأيت بأم عيني التلويح والتحيات للشباب في الجيش على الحواجز واصرار الناس على اظهار تأييدهم لهؤلاء الرجال..وكم سمعت أذني كلمات الدعاء لهم والشكر (الله يعطكوالعافية...الله يحميكو..الخ)..والحقيقة القاطعة أيضا التي تبينتها هي أن انشقاقا في سطح القمر قد يحدث قبل أن يحدث انشقاق في الجيش السوري..

التقيت كثيرين من المؤيدين والمعارضين ولاحظت أن هناك شعورا بالاهتزاز لدى جمهور المعارضة بسبب عدة عوامل كان أهمها انحسار العامل التركي وخيبة الأمل من انهيار الوعود التركية من نفاد الصبر .. وصار أردوغان الشخصية التي يصب عليها جام الغضب من قبل المعارضين قبل مؤيدي السلطة.. كان انكسار الحلقة التركية نذير خطر على المحتجين..ولذلك ظهر الاصرار على شحن المعنويات بطلب الحماية الدولية.. والنفخ في معنويات المحتجين لدفعهم الى الطرقات...أما الناس فقد ماتت لديهم الجزيرة والعربية وصار عدد من يشاهد الجزيرة بثقة أقل ممن كان يتابع التلفزيون السوري وبرنامج عالم الأسرة أو أخبار تدشين الرفاق البعثيين للمدارس في ذكرى ثورة آذار..وحاولت الجزيرة دفع بعض المتظاهرين لرفع لوحات (شكر للجزيرة والعربية) بطريقة دعاية مضحكة لايشبهها الا بيانات الشكر لمنظومة دول عدم الانحياز لوقوفها العادل الى جانب قضية العرب المشرّفة !!

لا أريد هنا أن أبحث فيمن ارتكب الأخطاء الأكثر..السلطة أم المعارضة ..ومن الذي سفك دماء أكثر ..ومن الذي هتك حقوق الانسان أكثر ..لكن دعونا نعترف أن الدولة والسلطة في سوريا لعبت أوراقها بنجاح منقطع النظير ومارست لعبة ذكاء يستحق الثناء وكانت اللاعب المحترف في لعبة السياسة الدولية فيما خرجت المعارضة كمثال على الهزال والتشتت وسوء الإدارة وسوء توزيع الأدوار وتناقض العزف بين مكوناتها وعازفيها وغياب مفجع للحكمة ولمنطق التخاطب مع عموم الشعب السوري لأنها تخاطبت مع الشعب السوري على أنه "شعوب سورية" ...فمرة تخاطب السنة ..ومرة تخاطب العلويين ..ومرة تخاطب العلمانيين ..ومرة تخاطب التكفيريين ..ومرة تدعي السيادة والاستقلال ..ومرة تستجدي النيتو..ومرة تدعي السلمية ..ومرة تدعو إلى التسلح....خطاب يدعو للرثاء ويدل بما لايدع مجالا للشك أن السوريين أشد مايكونون الآن بحاجة إلى معارضة ناضجة وحكيمة ومنبثقة من داخل النظام نفسه وليس من ثنايا الجزيرة ومن فنادق الخمس نجوم في أوروبا .

تعالوا نقوم بتحليل بسيط لنرصد من خلاله التأرجح والقفزات البهلوانية للمعارضة السورية التي كشفت خفتها فبدت ملاكما في وزن الريشة أو الذبابة يخوض نزالا في الملاكمة مع بطل العالم في الوزن الثقيل..ولم تكن قفزاتها في الحلبة تنم عن رشاقة ودراية في علم السياسة بل عن تخبط وجزع ولاثقة رغم أن الحكام انحازوا لملاكم "وزن الذبابة" كما أن مقاعد الحلبة كلها حجزت لمشجعي وجمهور الذبابة ونقلت محطات الذبابة –حصريا- تفاصيل المباراة بحرارة معلقيها مثل المعلق عزمي بشارة والقرضاوي وعبد الباري عطوان وبسام جعارة..ومع هذا اعتقد ملاكم الذبابة أنه يسجل النقاط ..ولكن المشهد يقول ان الملاكم الثقيل تجنب خوض المباراة لعدم التكافؤ فشجع ذلك ملاكم وزن الذبابة على توجيه لكمات سريعة الى الملاكم ذي الوزن الثقيل الذي ضاق ذرعا فسدد الضربة القاضية لملاكم الذبابة الذي سقط على أرض الحلبة بعينين متورمتين..والحكم الأمريكي بدأ العد الى عشرة وعندما وصل الى تسعة قرر أن يعيد العد فيما لاعب الذبابة مستلق على ظهره وقد فرد يديه ورجليه وغاب عن الوعي..

لماذا منيت المعارضة السورية بهذه الهزيمة التي لاتريد الاعتراف بها بعد مرور عدة أشهر؟؟ تعالوا معي في هذه الرحلة القصيرة ولكن البانورامية لندخل في عالم المعارضة السورية ونتعلم درسا سنسميه (كيف تهزم في خمسة أيام من دون معلم؟!) ولانصاف المعارضة سيكون عنوان الكتاب (كيف تهزم في خمسة أشهر من دون معلم؟!) وسيكون بمقدور فريق السلطة أن يصدر كتابا معاكسا يسميه (كيف تهزم العالم في خمسة اشهر من دون معلم؟!) ..وتعمل الآن العديد من مراكز الأبحاث على البدء بدراسة ظاهرة الربيع العربي الذي ملأ الشرق "بالزهور الصناعية" ولم تزهر هذه الورود الصناعية في دمشق رغم كل رياح الاعلام التي حملت غبار الطلع من كل الجهات ..فحقول الزهور والربيع زرعها السوريون في مظاهرات حاشدة بالملايين في كل مدنهم دعما لربيع آخر مختلف تماما وفوّاح بعطر الوطنية وضوعة الطيوب السورية..   

ونستطيع أن نلخص أسباب انهيار التمرد السوري في الأسباب العشرة التالية:

1- المعارضة السورية انطلقت في البداية من منطق التظاهر السلمي الذي أصرت على استدعائه في كل خطاباتها والالتحاف به لتقفز إلى مرحلة العصبية والتشنج والعنف المسلح بدليل لقاء محمد رحال مع صحيفة الشرق الأوسط الذي أعلن فيه صراحة هذا التحول الى جانب انجاز المئات من المجازر والأعمال العنفية التي تمت بيد "الثوار" السوريين .. فيما قفزت تحركات الرئيس الأسد من مرحلة التصدي العنفي الذي عرف عن النظام في السابق في مرحلة الثمانينات إلى التعامل الهادئ وعلاج كل عنف حسب عنفه والتعامل مع كل سلمية بمثل سلميتها دون نقص أو زيادة..بميزان الذهب..هذا القفز وتبادل الأدوار صدم الجميع حتى جمهور المعارضة نفسه ووضعه أمام تناقضاته حائرا..

وثقوا تماما أن المعارضة كانت ستحقق تطورا هاما فيما لو أصرت على نبذ العنف مهما كان الثمن ورغم كل المرارة والقسوة التي اتهمت بها النظام وقسوته..وعنف الثورات الشعبية لايصح عموما الا في نهاياتها للحسم.. أما العنف لانقاذ ثورة سلمية محاصرة فقد كان خطأ قاتلا دل على أن قادة الثورة أغرار يواجهون فريقا حصيفا من الدهاة في عالم السياسة.. تمكن فريق السلطة من استفزازهم بهدوئه وصمته الذي لم يتوقعوه حتى خرجوا من مكامنهم يعتزون بقوتهم ويباهون بسيوفهم فثبتوا عليهم تهمة اللاسلمية وكان خروجهم مثيرا للفزع من قبل الناس على العموم ومن مريديهم على وجه الخصوص حتى صار الاجهازعليهم مبررا..ومطلبا جماهيريا..  

2- فيما انطلق مشروع المعارضة لبناء سوريا حرة ديمقراطية موحدة وللجميع ..انتهى هذا المشروع إلى إمارات ظلامية وتكفيرية والى دويلات طائفية مثلت صدى لتصاميم مشاريع سرّبها مفكرو الغرب وبيوتات التخطيط في معاهد الأبحاث الاسرائيلية..هذا المصير أدخل الرعب في قلوب الوطنيين السوريين الذين تذوقوا معنى السلفية دما ورعبا وسواطير وجلابيب طالبانية ورأوا نماذج التفكيك في العراق والسودان وليبيا واليمن..والبلقان..فكان المزاج العام ضد هذه النماذج بل اصرار على تقديم نموذج لايقسّم هو النموذج السوري

3- وفيما تأسس مشروع المعارضة على كرامة الوطن السوري واستقلال الوطن السوري (وانفكاكه بالذات عن إيران كما ادعى المعارضون) فقد انتهى هذا المشروع –وياللمفارقة- إلى الدعوة الصريحة للاستغناء عن السيادة السورية وفتح البوابة السورية لقوات الناتو (والحملات الصليبية!!) ..وصار راسموسن الدانماركي الذي –وللمفارقة أيضا - رفض الاعتذار عن إهانة الرسول الكريم هو الرجل الذي تستغيث به المعارضة السورية (وبطيفها الواسع السلفي)...وبصريح النداء: واراسموسيناااااه ...وبدأ ذلك يطبق بسرعة عبر جمعة الحماية الدولية التي ستوصلنا الى طلب صريح بالاجتياح ..

المعارضة السورية بهذا الاسم الآثم ليوم الجمعة نقلت العقل العربي وضميره من صرخة "وامعتصماه" التي طالما اعتز بها الى مرحلة "واناتواه"..وهذه نقلة لاتبررها ذريعة عنف الديكتاتوريات بل تدل بلا شك على ضعف المعارضة وعدم التفاف الناس حولها ووهنها الشديد وهزال خطابها ومعاناتها من نقص التغذية كما أطفال المجاعات الافريقية..وهذا النداء كان بمثابة اغتيال للثقافة العربية التي تعتز بصرخة وامعتصماه وتعتز بالارادة العربية ..ان هذا النداء مثّل اهانة تضاف الى سلسلة الاهانات التي لحقت بهذا الشرق مؤخرا..فقد جاء في خضم تجربة رديئة مقززة للمعارضة العراقية وللمعارضة الليبية.. فحلف االناتو الذي أهان الرسول وكتاب الرسول، يستغاث به لنصرة الشعب السوري الذي صنع امبراطورية الاسلام والعرب الأولى والذي يحتضن أضرحة المؤسسين الأوائل والرواد الكبار.. والشعب الذي يحتضن ضريح صلاح الدين الذي أذل أهل "الناتو القديم" في حطين هو الذي تستنجد معارضته وثواره بأبناء من سقطوا صرعى في حطين من ساركوزي وكاميرون وراسموسن ..هل هناك أي اذلال للسوريين من هذا النداء؟! وهل هناك أي معارضة أحط وأتفه بل وأغبى من هذه المعارضة؟!  .. فالمعارضة برهنت أن الشعب السوري يعيش بمشاعره الوطنية في الذرى فيما تعيش المعارضة بين الحفر ..ومن يعرف السوريين يكون على ثقة ويقين أن السوريين ان قرروا القيام بثورة فلن يحتاجوا أحدا في العالم..لاناتو ولاأطلسي ولاسعودية ولاايران ولاتركيا ..وليس كما قال المناع انها فرصة قد لاتحدث الا كل مئة أو ألف عام !!هذا عدم دراية مطلق بالشخصية السورية التي حطمت جمال باشا السفاح عندما طغى وعندما جعلت سورية أول دولة عربية تنال الاستقلال التام معلنة نهاية عهد الاستعمارالأوروبي..

4- اعتمدت المعارضة السورية على دعم أطراف لايشهد لها بنظافة اليد ..فلم يساندها أشخاص مثل هوغو تشافيز أو نيلسون مانديلا بل حمد وموزة وأبو متعب وهذان نموذجان لحكم ظلامي مهما تفنن المعارضون في تبييض صفحتيهما وتقديم الشكر لجزيرتهما وعربيتهما ومجرد الاستعانة بهما ألقى المثقفين والمتنورين السوريين بعيدا عن مجال تأثير الثورة .. فوجود قطر في صف المعارضين وحاكمها المشبوه بعلاقته باسرائيل والمشاريع الأمريكية والذي لاتزال طعنته لأبيه في ثقافتنا الشرقية مصدر خجل وعار لايمكن الدفاع عنه ناهيك عن اعتماد المعارضة على أوباما وكلينتون وساركوزي وهنري ليفي وغيرهم..وكان ممكنا للثورة أن تصيب النجاح فيما لو تصنع كل الحلفاء السابقين التزام الصمت لاسباغ صفة الوطنية الخالصة على الثورة ممما سيدفع الكثيرين من المثقفين والمتنورين لتأييدها..وهذه الشريحة من المتنورين طرف مهم جدا في أية ثورة فهم يمثلون دماغ وأعصاب الثورة التي تبقيها يقظة فبدونهم تبدو عضلات الثورة بلا أعصاب تتحكم بها كما المصاب بالصرع ..

5- المعارضة السورية اعتمدت على مظاهرات (همبرغر) أي كالوجبات السريعة لدقائق.. والبعض سماها مظاهرات (سياحية) لالتقاط الصور التذكارية لمحطات فضائية وبشكل خاطف ..وعجزت عن تكوين حالة اعتصام عفوية مديدة دون اللجوء للبلطجية وحملة السواطير والمتمردين الذين تباهوا بخرق القانون.. والمظاهرات كانت على العموم صغيرة متفرقة خاطفة وكان الاصرار على نفخ وجناتها وشفاهها بحقن البوتوكس التجميلية من الجزيرة مشوها لها ومنفرا فلم تتعد أضخم مظاهرة في اقصى حالات الغياب الأمني اكثر من آلاف قليلة

6- في خطاب المعارضة دغدغة للأقليات على أنها ستحظى بالمواطنة الكاملة وبالرعاية من الأكثرية السنية لكن هذه المعارضة خيبت آمال الأقليات بعدم صراحتها في موقف من شخصية إشكالية خطرة مثل العرعور..فالعرعور تبين أن له مريدين ...والعرعور حرك الشوارع ..وحرك السواطير..ولم تتبرع كل القوى العلمانية في المعارضة بإصدار بيان واحد يدعو الناس لتجنب منطق العرعور ..وبدا أن هناك تحالفا ضمنيا واعترافاً بوجود تيار العرعور على الأرض والسماح له بالمشاركة والفعالية في الثورة بل وعدم قدرة على تجاهله..وتبين للناس أن لافرق بين المعارضة والوهابية السعودية ..واصطفاف السعودية مع المعارضة أثار قلقاً كثيراً.. فالسعوديون كانوا على الدوام رعاة للمذهب الوهابي الذي لايقبل الاعتراف بأي آخر..وبدا الالتزام بيوم الجمعة وبالذات بالخروج من المساجد مصدرا للقلق لدى الكثيرين الذين رأوها ثورة دينية صرفة تتلفع بالحرية والديمقراطية لتخفي حقيقتها السلفية..

7- أما الخطأ الأكبر فهو رهان المعارضة على شخصية السيد أردوغان ..فخذلانه للمعارضين في كل معاركهم العسكرية جعلت قناعتهم راسخة أنهم أدوات وأنهم على الدوام قرابين يضحى بهم في لعبة سياسية كبرى كما في التسريبات عن تسليم تركيا للمقدم المنشق "الهرموش" الذي يبدو أنه سيحل ضيفا على جهاز الأمن السوري بعد تسليمه بصفقة صامتة من قبل الأتراك للسلطات السورية مقابل رؤوس تركية أسرت في الداخل السوري..ومن يدري من هي الشخصية التالية؟؟

8- سوء قراءة الخارطة الدولية للتحالفات والتوازنات ..فالتحالف السوري الايراني الروسي ثابت وقديم وليس حديثا طارئا كالتحالف مع تركيا وقطر ..وهذا التحالف متين يتبادل الحياة والموت فسقوط حليف واحد يؤثر في الحليفين الباقيين ..فيما اعتمدت المعارضة تحالفات تكتيكية مزاجية وتتبادل فقط (المصالح)..ولذلك بدا تهديد المعارضة لروسيا بأنها قد تتأخر في حصاد نتائج مابعد سقوط النظام السوري اذا ماأصرت على موقفها، بدا بائسا ويدل على خلل فظيع في علم السياسة والجيوبوليتيك..فيما تقول التسريبات الأكيدة أن حلفاء المعارضة يخوضون مفاوضات شاقة لبيع منتجاتهم وحلفائهم بالجملة والمفرق للتخلص منهم مقابل اثمان ما !!

9- غياب شخصيات معارضة ذات بعد وطني وطيف شامل ..فكاريكاتيرات المعارضة مثل رضوان زيادة وحازم النهار ورامي نخلة ورزان زيتونة وبسام جعارة كلها شخصيات غير مقنعة الا لمسرح العرائس السوري وحلقات "افتح ياسمسم" السوري لتنضم الى شخصيات كعكي وكركور والضفدع كامل وأنيس وبدر  .. ووجود برهان غليون أو المناع في جسم المعارضة لم يثرها بل ان وجود هاتين الشخصيتين في بحر من المعارضة الرثة لم يغن المعارضة لكن على العكس قلل من كثافة وتركيز هاتين الشخصيتين في هذه البحيرة من المعارضة المائعة الرخوة ..تماما مثل اضافة لون ما الى بركة آسنة لتجميلها..فلن تتلون البركة بل سيضيع اللون في المياه الآسنة الواسعة..ويضيع بريق اللون المضاف ..ويصبح نفسه آسنا

10- مايلفت النظر هنا هو حقيقة غريبة وهو أن المعارضة راهنت على الحالة النفسية للجمهور السوري لأن مايحدث لايزال صغير الحجم على الأرض بالقياس الى حجوم الثورات في تاريخ سوريا وفي الجوار القريب..فالناس في سوريا لم يعتادوا على التظاهر ولم ير معظمهم تجمعا في حياتهم ضد السلطة ولم يسمعوا بأناشيد المعارضين في الطرقات فهذه المظاهرات الصغيرة خلقت شعورا لدى الناس في البداية أن البلاد تعيش أزمة عويصة ومظهرا يسبب جحوظ العين المندهشة.. وسببت المظاهرات لدى البعض قلقا من وجود عدم اجماع على بعض مااعتدنا عليه من ولاء للسلطة .. ولكن تفكيك هذا الشعور يفضي ببساطة الى ان القضية نفسية جدا ..فمعظم السوريين تمتعوا بالاستقرار المديد وغابت أشكال الاحتجاج طوال عقود حتى صار مجرد تجمع من عشرات او مئات الأشخاص يثير فزع المواطن السوري من ان حدثا جللا يصيب الاستقرار الذي أرسته الدولة وبقوة طوال عقود.. والسوري أصيب ببعض الذهول وهو يرى نداءات لم يعهدها تتحدى السلطة..ولكن لم يتفاجأ السوريون من وجود معارضة فكلنا يعرف أن المعارضة موجودة ونعرف أين تتركز وفي أية بؤر ولن نفاجأ مثلا من وجود أكبر تجمع للمعارضة في حماة مثلا بسبب الارث التاريخي للمدينة في مواجهتها مع السلطة في الثمانينات ولكن هذه المعارضة أطلت برأسها كما تطل الأفعى من سلة الحاوي الذي يعزف لها على مزماره ويحركها ويراقصها بحركات مزماره ..والمعارضة السورية التقليدية التي نعرفها عزف لها كل حواة العالم ..ولولا هؤلاة الحواة لما أطلت برأسها ..وما ان يتوقف الحواة عن العزف على الجزيرة والعربية ومنابر مجلس الأمن حتى تعود الى سلالها..

والآن بدأ الناس يتعاملون بشكل طبيعي مع هذه الأشكال من المعارضة التي ترقص في الطرقات على عزف الحواة والناس صاروا يعرفون أنها معارضة فارغة لم تعد تثير الفضول..فمثلا كنا نطل من على شرفة منزلنا لنراقب المتظاهرين (على قلتهم) كظاهرة ومشهد جديد في البلاد وكان المتفرجون على المتظاهرين ينتشرون على النوافذ والشرفات بالآلاف (مظاهرات الشرفات)يتابعون بفضول دقائق خاطفة وسريعة قبل أن تختفي ..واليوم بالكاد أرى بضع عشرات على الشرفات..فقد صار المشهد مملا ويدعو للسأم ..وكثير من الجيران يتابعون شرب الشاي في بيوتهم دون الرغبة بالاطلال من على الشرفات ليتابعوا برامج أخرى وبعضهم صار مهووسا بمتابعة قفشات مضحكة سقطت فيها الجزيرة ويتداولها الناس كمشاهد ظريفة..







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز