د.سلمان محمد سلمان
salman@planet.edu
Blog Contributor since:
05 June 2010

أستاذ الفيزياء النووية والطاقة العالية – قلقيلية – فلسطين

 More articles 


Arab Times Blogs
العلاقة الحائرة بين حماس وسوريا ج1\3

أولا: دعم سوري شامل لحماس

لا ينكر أي عنصر من حماس الدور المفصلي الذي قامت به سوريا في دعم دورها السياسي منذ انطلاقتها عام 1987 لأسباب كثيرة منها موقف الرئيس الراحل حافظ الأسد من الحركة الوطنية الفلسطينية وتحفظاته على سياساتها. وهذا موضوع طويل يحتاج تفسيره فهم ديناميكا العلاقات الفلسطينية السورية التي تقوم على اعتقاد سوريا بالحق في التدخل بشئون دول بلاد الشام بحكم أنها بلد واحد. وهذا لا يعتبر تجاوزا مبدأيا لكنه يدخل أقطار بلاد الشام في مفاصل لا تحصى.  

 

تبنت سوريا موقفا داعما لحركة حماس الوليدة من منظور أنها تمثل موقفا متقدما على منظمة التحرير التي بدأت مسيرة مفاوضات ومواقف اعتبرتها سوريا تتنازلا عن ثوابت فلسطين وعملت لذلك على دعم القوى التي تناهض الموقف الرسمي لمنظمة التحرير.

 

وقد تلونت العلاقة للفترة 1990-1992 بسبب حرب الخليج وانقسام الموقف العربي حين وقفت سوريا مع الدول الخليجية غير الحليفة ضد العراق الذي تشترك معه بحزب البعث بصراع شقي الحزب المعروف من بدايات حكم البعث في البلدين.  وقد ازدادت معارضة سوريا لمنظمة التحرير بسبب ظهورها داعمة للعراق في تلك الحرب. وكسبت حماس دون جهد موقفا داعما من قبل دول إعلان دمشق (سوريا ومصر والسعودية وبقية دول الخليج) رغم العلاقة التاريخية المرة مع الإخوان المسلمين. وتجاوز الرئيس الراحل حافظ الأسد ذلك ضمن معادلات الموقف الجديد ووعود مؤتمر مدريد الذي أملت سوريا منه الكثير. ورغم فشل مدريد استطاعت سوريا الإبحار ضمن مرحلة كلينتون الهادئة نسبيا وظلت العلاقة بين سوريا والخليج جيدة وقطفت حماس دعما مستمرا.

 

بعد إعلان اوسلو كان الموقف والمزاج العربي العام سلبيا. ورغم عدم معارضة دول الخليج الا أنها لم تعلن موقفا داعما بل شجعت عمليا الموقف الشعبي المتحفظ. وهكذا كان موقف الأردن لأسبابه ولم يكن العراق وليبيا سعداء بهذا التطور أيضا. وكانت الجزائر تعيش بداية الحرب الأهلية التي أهلكت أكثر من 200 ألف ضحية. وبذلك فقدت منظمة التحرير الكثير من الدعم الرسمي والشعبي العربي والشرعية الثورية التي تحلت بها تاريخيا والتي مكنتها من الوقوف أمام مصر عبد الناصر وسوريا حافظ الأسد. وقد تدهور الموقف الفلسطيني في الساحة العربية والإسلامية بسرعة أكبر من تقدمه بالساحة الأوروبية وظهرت منظمة التحرير متهالكة وضعيفة ومرتبطة سياسيا واقتصاديا بالغرب.

 

مع بداية عام 2000 كان الموقف الفلسطيني الرسمي في أدنى مستويات الشرعية الجماهيرية بسبب اوسلو ووصل إلى طريق مسدود مع إسرائيل والغرب وفقد التسهيلات الغربية. وظهرت نهاية الطريق المسدود لعرفات سلاما بمواصفات إسرائيلية دون ضمان قيام دولة معقولة السيادة مقابل تهديد بوقف دعم السلطة وقطع الطريق على المنظمة. وبخلفية فاقدة للكثير من الوهج الثوري لم يكن أمام المنظمة الا تفجير الانتفاضة التي بدأها عرفات وبذل جهودا هائلة حتى اشتعلت.

 

تحفظت سوريا وحماس على الانتفاضة في بداياتها واعتبرتها مجرد تكتيك لتحريك الوضع وتبرير الحل السياسي القادم. وامتنعت حماس عن المشاركة من بداية الانتفاضة أيلول 2000 حتى آذار 2001 عندما انتخب شارون رئيسا للوزراء.

 

من التحفظ إلى دعم الانتفاضة

عند فشل محادثات كامب ديفيد عام 2000 قرر عرفات البدء بانتفاضة بأمل تغيير قواعد التفاوض ووجد دعما معقولا من مصر واليمن والسعودية والمغرب بتحريك مسيرات دعم كبيرة في صنعاء والقاهرة والرباط تحديدا لإثبات شمولية قضية القدس التي طالبت إسرائيل عرفات بالتنازل عنها وأنها قضية إسلامية وعربية خارج حدود القرار الفلسطيني ونجح عرفات في إثبات ذلك.  بالمقابل كان باراك بشكل عام راضيا عن الانتفاضة بداية وتصرف بقسوة بأمل إعادة انتخابه وكان كلينتون يدعم بذلك الاتجاه أيضا.

 

كل ذلك مع الخلفية السابقة رسخ الاقتناع السوري وحماس للتحفظ على الانتفاضة التي دعمتها دول الخليج بسخاء ودعمها العراق لأنه اعتبرها تصحيحا لوضع أعوج. لكن شارون استطاع هزيمة باراك بالانتخابات مما قطع الطريق على أي فرصة للعودة لتفاهمات مع إسرائيل.  وقد انتخب شارون بعد استلام بوش للحكم بشهرين وطبعا يعرف الجميع سلبية موقف بوش من فلسطين وعرفات. أسقط بيد عرفات عند هذه النقطة ويمكن القول أنه خدع بشكل أو بآخر من قبل الرئيس مبارك والملك فهد اللذان شجعاه عندما رفض كامب ديفيد بأمل قيام بوش الابن بما قام به بوش الأب من تحول مفصلي. حاول عرفات تصحيح الوضع بقبول مبادرة كلينتون لكن بعد فوات الأوان وسيطرة الموقف الإسرائيلي على مفاصل الموقف الأميركي.

 

وجدت سوريا فرصة للدخول بقوة وتصعيد الانتفاضة بمشاركة فعالة من حماس بهدف ينسجم مع الموقف التاريخي وبقناعة أن أحدا لن يستطيع إيقاف الانتفاضة لأن كثيرا من القوى تؤيدها. واجتمعت لأول مرة مواقف الخليج والعراق وسوريا وحماس ومنظمة التحرير على دعم الانتفاضة كل لأسبابه. وفي العادة فاتفاق العرب ينبئ بشي خطير ولا يبشر بنصر أو إنجاز. فعندما يتفق العرب يكون هناك عملية تحول استراتيجي وتصمت الأطراف ليحقق كل طرف هدفه بطريقته.

 

ضعف السلطة وحصار عرفات

استنفذت سنوات الانتفاضة الأولى 2001-2004 كل مقومات الصمود والبقاء لدى منظمة التحرير والسلطة وقوت موقف حماس جماهيريا حيث ظهرت كقوة مناضلة وحاملة الراية مقابل فتح المتهالكة التي تستنكر العمليات الاستشهادية التي يمولها بكرم كبير الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الذي يدعم عرفات. مثل هذه الغرائب مألوفة من الموقف العربي.

 

نتيجة المرحلة كانت انهيار هيبة عرفات وفقدانه الكثير من عوامل قوته. وقد تعرض لهجمة تحريض غربية وعربية مكثفة وتمت مقاطعته عمليا من معظم أصدقائه في العالم خلال فترة حصاره الطويل من عام 2001-نهاية 2004.  وبدأ الجميع مطالبته بالإصلاح كالعادة (فالإصلاح دائما هو سلاح الغرب المفضل لممارسة الاستبداد ضد أي زعيم عربي وفرض التغيير على من لا يعجبهم). وقد قاوم عرفات طويلا لكنه رضخ في النهاية وأجرى تعديلات رسخت نفوذ الموقف المؤيد للحل السياسي المنسجم مع التصور الغربي. وأضعفت الموقف المقاوم ضمن مظلة منظمة التحرير مما وفر فرصة أخرى لتفرد حماس والتيارات الإسلامية للظهور كقوى مقاومة وحيدة.

 

خلال الفترة 2001 وحتى 2003 ورغم أن حماس كانت من يقوم بالعمليات الأكثر شدة واستفزازا لإسرئيل الا أن الرد الإسرائيلي كان دائما مزيدا من التدمير لمنشئات السلطة بهدف تهديم دور عرفات الفلسطيني والعربي واستغلت إسرائيل عمليات حماس لإضعافه وتقوية تيار الحل.

 

استمر الموقف السوري بدعم حماس والقوى الإسلامية باعتبارها ممثلة للمقاومة لكنه لم يخف وإن ببطء ملاحظته لمظلومية عرفات وأظهر نوعا من التعاطف معه بعد مؤتمر القمة العربية التي عقدت في بيروت عام 2002 وتضييق الحصار عليه.  لكن التعاطف مع عرفات كان ضعيفا ولم ينعكس استراتيجيا لدعمه في معركته الكبرى في صراع البقاء.

 

ولم يتم الانتباه أن إضعاف عرفات ينتج مركبة أخرى وهي سيطرة تيار الحل الذي يسبق حماس في قيادة مرحلة ما بعده. وساعد في عدم ملاحظة السوريين ذلك تزامنه مع حرب العراق التي دمرت أقوى قطب داعم لعرفات وأسقطت إحدى عواصم منظومة القوميين ودولة رئيسة في معادلة الموقف العربي.

 

لم تكن سوريا سعيدة بانهيار العراق رغم سوء العلاقة مع الرئيس الراحل صدام حسين. لكن الرئيس الأسد لاحظ واعتقد أن تدمير العراق لا يمكن أن يخدم المصلحة العربية. ورغم عدم إعلان ذلك الا أن سوريا وقفت مع المقاومة العراقية منذ أول يوم وهذه نقطة تحفظ لصالحها.

 

تفاهمات غير مفهومة:

مع نهاية عام 2004 تم القضاء على رموز المقاومة في فلسطين باستشهاد كل من الشيخ ياسين والدكتور الرنتيسي من حماس والرئيس عرفات ممثل المقاومة الفلسطينية التاريخي مما حدد مفصلية تلك الفترة.

 

بعد استشهاد عرفات تقلد الرئيس أبو مازن رئاسة منظمة التحرير ورئاسة فتح التي كان من المنطقي للقدومي ترؤسها وكان مرشح فتح الوحيد لرئاسة السلطة مع منع أي منافسة وتهديد من يترشح بالفصل من الحركة. ولم تطرح حماس أو تدعم أي مرشح مما ضمن نجاحه. بعيد ذلك وقع أبو مازن تفاهما مع حماس والفصائل الأخرى ما يدعى بتفاهمات القاهرة 2005 والتي تعهد فيها بإصلاح المنظمة واشتمال كل القوي ضمن مظلتها. من الصعب تفسير ما سبق بالصدفة وخاصة أن حماس استعدت للمشاركة في الانتخابات التشريعية بينما امتنعت عن المنافسة في الرئاسية.

 

بعض التفسير للتفاهمات غير المفهومة

معطيات ربما لا يرغب أحد الاعتراف بها لأنها غير مربحة سياسيا لأحد وهي أن الولايات المتحدة قد ضغطت على سوريا باتجاه عدم ممارسة دور مركزي ضد أبي مازن مقابل استمرار دورها اللبناني وبقاء العلاقة الغربية المستقرة منذ 1991 والسماح بمشاركة حماس في انتخابات التشريعي. وجدت سوريا قبولا بل استعدادا من قبل قيادة حماس الجديدة لهذا التصور. وعليه قبلت عدم ممارسة أي ضغط أو تشجيع حماس تخريب نتائج الانتخابات الرئاسية التي نجح فيها أبو مازن بنسبة لا تتناسب مع وزنه كرئيس فتح ومنظمة التحرير. وهذا يحتمل نتائج مغايرة لو دعمت حماس مرشحا آخر بما يعنيه ذلك من قلب معادلات كثيرة.

 

طبعا يمكن فهم موقفي سوريا وحماس. بالنسبة لحماس فقد اعتقدت بعد مقتل قيادتها التاريخية أن المشاركة بالتشريعي كافية لهذه المرحلة عند الأخذ بالاعتبار أن مشاركتهم بإسقاط أبي مازن ستمنع مشاركتهم بالتشريعي. وعليه فحساباتهم الحزبية كانت الموجه الرئيس لسلوكهم. أما سوريا فقد وجدت أن ذلك يخدم استقرارها في مرحلة صعبة دون تنازل جوهري عن ثوابتها السياسية وخاصة أن الحفاظ على الورقة اللبنانية وحماس بيد سوريا يمنع أي تحول استراتيجي مناوئ.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز