نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
من سرّه زمن ساءته أزمان

كان من المفترض، وفال الله ولا فالكم، أن يحتفل القذافي بعد يومين من الآن، بذكرى اعتلائه الثاني والأربعين للعرش الجماهيري الذي كان عرش الملك إدريس السنوسي، الذي يروى عنه طرفة أنه قال، عندما سمع المتظاهرين يهتفون، حكم إبليس ولا حكم إدريس: كل ما أطلبه من الله أن يرسل لكم فعلاً إبليساً ليحكمكم، وهذا ما كان من أمر إبليس القذافي، الذي بز الشيطان الرجيم وإبليس اللعين في طرائق الحكم الكراكوزية العجيبة وامتهان كرامة الناس وإذلالها وتجويعها وقهرها وإفقارها، رغم أن ليبيا تسبح على بحر من الذهب الأسود، وبعد سنوات قليلة من حكم القذافي، بات الناس يترحمون على الملك العجوز، ويتذكرون إشارته الساخرة المرة إلى الإبليس الذي أرسله الله لهم لحكم ليبيا، ومن يومها بدأ مسلسل العقيد الذي انتهى على نحو مأساوي مفجع ومعبر، قبل أيام حين دخل ثوار الناتو إلى غرفة نوم العقيد، وعبثوا بمحتوياتها، وكشفوا أسرار تلك القلعة الحصينة التي فتحت أول مرة أمام الجمهور الذي روعه الإبليس على نحو نصف قرن من الزمن الرديء.

 ولم يكن هناك، البتة، ما يشير إلى أن العقيد سيدخل في عامه الثالث والأربعين في الحكم في أي طور من تطوير نظام الحكم وإعادة بعض الحقوق السليبة لشعبه المنهك الجريح، أو يستقدم أية أنماط حداثية وتجديدية على نظام حكمه القلبي الرعوي الأبوي المتوحش القديم. ولم تظهر في الأفق أية بارقة قد تثنيه عن غيه وغطرسته واستكمال ما بدأه من مشواره السالف العقيم. وظن أن ذاك الزمن الجميل، بالنسبة له على لأقل، سيمتد إلى أبد الآبدين، متناسياً الحكمة القديمة القائلة لو دامت لغيرك ما آلت إليك، رغم أنه كان يحاول في كل مقابلاته الاستعراضية البايخة والمقرفة، أن تكون مكتبة فخمة وراء ظهره كناية عن عشقه وولهه بالثقافة وتعمقه بالفكر الذي تبين أنه لا يلم بأبسط أبجدياته المعرفية وحكمه التاريخية التي تتكرر جيلاً بعد جيل، والتي تكرس قانوناً واحداً ووحيداً وهو أن سنة الحياة هي التجديد، وأن القانون الثابت الوحيد فيها هو التغيير.

والتغيير بالمناسبة، هو شعار الحملة الانتخابية للرئيس باراك أوباما، الذي لم يدرك كثيرون ما معناه، إلا حين علم أن المقصود به هو تغيير الطغاة والقياصرة الجبابرة العرب، وتيقنوا من مضمون الشعار حين رأوا جنود الناتو، وثواره في كل مكان، يغيرون أنظمة الحكم بالقوة والحديد والنار. وإن كان القذافي، في لحظة جهل وغرور، قد اطمأن إلى الداخل الليبي الذي جرده من كل قدرة على الحركة والفعل، كان عليه أن يدرك أن هناك خارجاً بترصد، ويعمل ليلاً نهاراً لفرض أجندته، وبسط نفوذه وهيمنته حتى لو أدى الأمر لاستخدام القوة العسكرية في عملية التغيير.

وخلال تلكم السنين الأربعين كان القذافي الحاكم الأوحد والوحيد الذي يحكم ليبيا بلا منازع، يهدر المليارات، ويبعثرها هنا ويبددها هناك، ويسفك الدماء، ويسجن الناس، ويسكت الأصوات المعارضة بالحديد والنار، وبلغ به الزهو والغرور والتبجح والبهورة حد القول، في أحد مؤتمرات القمة العربية أن يطلق على نفسه ألقاب تعظيمية وتفخيمية خاوية تعكس حال تورم الأنا المرضية والنرجسية التي كانت مستفحلة يداخله: أنا عميد الحكام العرب، وملك ملوك إفريقيا، وإمام المسلمين الذين لم يكن ينقصهم في تاريخهم أئمة وخلفاء من طراز أبي جعفر المنصور، ولا الحجاج بن يوسف الثقفي، أو أبي العباس السفاح، حتى يتكرم عليهم القذافي ويذكرهم بأنه من نسل ونمط أولئك الأولين.

 نعم لقد عاش القذافي ردحاً من الزمن في زمن جميل حالم بأزل أسطوري وسلطوي، لكنه نسي في نشوة الغطرسة وفورة القوة الزائفة والمخادعة تلك الحكم القديمة المتجددة المقدسة، والقوانين الصارمة، التي لا تحابي الأباطرة والقياصرة أو الملوك الجبابرة والأكاسرة، لا زالت تتكرر تجربة بعد أخرى، وزمناً بعد زمن، وقيصراً بعد قيصر، من نمط أن ممن سره زمن ساءته أزمان، والأمور بخواتيمها ويضحك كثيراً من يضحك أخيراً. الغباء، والجهل، وقصر النظر، ومحدودية الأفق، والنزق، والبطر، وعمى الألوان، في كثير من الأحيان، لا يؤذي أحداً قدر ما يؤذي صاحبه بالذات.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز