نضال نعيسة
nedalmhmd@yahoo.com
Blog Contributor since:
20 February 2010

كاتب سوري مستقل لا ينتمي لاي حزب او تيار سياسي او ديني

 More articles 


Arab Times Blogs
من قصص البؤس السوري

دخلنا مطار ميلانو قادمـَين من بلد أوروبي أنا وصديقي السوري نبيل. إ. الحامل للجواز السويسري، وحين اقتربنا من كوة ختم الجوازات، لمحت الموظفة الإيطالية الجميلة، الجواز الفاخر والأنيق لصديقي السويسري من أصل سوري، فابتسمت له، ونهضت بأربعتها مرحبة به، وهمهمت بلغة إيطالية معبـّرة عن احترامها الكبير له، واستعدادها الكبير لتقديم أية خدمة له، راجية أن يكون قد قضى أمتع الأوقات في ربوع بلاد دافنشي وغاريبالدي وصوفيا لورين وألدو مورو، وختمت له جوازه السويسري الأنيق على الفور وهي تطرق خجلاً، وحياء، لا يضاهيه سوى خجل العذارى، وانحنت أمامه من دون تفتيش وحتى من دون أن تنظر لسحنته، وودعته بمثل ما استقبل به من حفاوة وإجلال وتكريم وترحيب.

 وحين جاء دوري وكان نبيل قد تركني وصار في صالة المغادرين يكرع ما حرم الله من المنكر والعياذ بالله ونحن في هذا الشهر الفضيل، من البيرة الألمانية الفاخرة، لمحت الشرطية الفاتنة ربما شكل جوازي ومظهري الغريب، فكشرت عن أنيابها، وقلبت خلقتها، واصفرت سحنتها، وغلظت شفاهها، وانتفضت مذعورة، و"قبـّت" بأربعتها، وأصابتها قشعريرة وتكشيرة ونوبة من القرف، والعصاب الهذياني والزمهرير، وصار شكلها أقرب لشكل الظواهري، وأبي حمزة المصري، أو أي عريف أو ضابط في مخفر شرطة أو فرع مخابرات عربي، بعد أن كانت، قبل قليل، تنافس باريس هيلتون، وبريتني سبيرز وملكة الإثارة الحالية وربة الحسن المليحة كيم كارديشان، في الإثارة والفتنة والجمال، فعرفت أنني في ذات الورطة التي أكابدها كثيراً.

رمقتني بازدراء، رغم أنني كنت حليق الذقن، أرتدي ربطة عنق خمرية داكنة توحي بالوقار والهيبة، وليس دشداشة قصيرة وغترة وشماغ البسام "تبع" العربان الرعيان، وفهمت منها أنها تسألني إلى أين أنت ذاهب، بلغة كتلك التي يخاطب بها العساكر في دورة الأغرار، فقلت لها بلغة أهل الجنة، إلى جهنم الحمراء التي ستحرقني وتريحني منكم ومن من هذه الحياة ومن الانتماء لأمة الإرهاب الدولي. فأشارت لي أن أدخل إلى الجهاز، بعد أن خلعت الحزام الجلدي ووضعت الموبايل وكل ما لدي من متعلقات في سلة، وسرعان ما أعطى هذا الجهاز اللعين المتآمر مع الصهيونية والاستعمار على شعبنا الجائع الأبي، إشارة قوية ورنيناً مدوياً يختلف عن الرنين حين يدخل إليه الآخرون من أصحاب الجوازات المحترمة والمدللة، إذ يبدو أنهم قد برمجوا رنيناً خاصاً لحملة ما يسمى بالجوازات العربية المشبوهة والمريبة، فأشارت عليّ بالتنحي، جانباً، وعلى الفور انضم لها مجموعة من الثيران الهائجة اعتقدت أنهم من مصارعي السومو، وسيسافرون معنا على نفس الرحلة.

 ثم طلب أحدهم مني أن أخلع حذائي، فخلعته وأخذه بعد وضعه في كيس خاص، ودلف به إلى الداخل، وبقيت أنا حافي القدمين جالساً أنتظر وأنا أقول في سري إلى غوانتانامو وبئس المصير. وبعد حوالي دقائق عشر، عاد رجل البوليس، ومعه الحذاء، أعزكم العزيز القهار، وتكرموا، وجلس يشرح لما بدا أنه رئيسه في العمل ألبرتو أو باولو أو روبرتو على الأرجح، ملابسات هذا الصوت الذي صدر من الجهاز، وهو ينظر إلي نظرة مبهمة، فيها شيء من القرف والاحتقار والازدراء، إذ تبين وجود عدة مسامير معدنية في أسفل كعب الحذاء، هي التي تسببت في إصدار ذلك الصوت اللعين الذي كاد يودي بنا إلى عوانتانامو باي والله المستعان.

 وبعد ذلك تم فك أسري وختم جوازي بنزق ولا مبالاة ورمي على الكاونتر دون أن ترمقني الفاتنة الإيطالية الجميلة بنظرة وداع كما فعلت مع زميلي نبيل، أو أن تتأكد من حقيقة مشاعري ووضعي النفسي ومشاعري التي تأذت التي يبدو أنها لا تهمها كثيراً، لا هي ولا غيرها، إذ لم يسجل حتى تاريخه أية مبادرة توحي بأن أحداً ما يعبأ بمشاعر وأحاسيس أحد في هذا الشرق اللعين.

 وقصة تلك المسامير، يا طويلي العمر، هي أن ظروف البؤس والفقر والتسول والتعتير والعزا والتشحير والشحتفة والعوز والتقميل التي يعيشها المنكوبون تجعله كل شيء في حياته قضية " تمشياية" حال وبسمرة وتلزيق وترقيع بترقيع. وكان حذائي، وتكرموا، قد تعرض لحادث سير مؤلم، جعله يخسر الكعب، ويثقب ثقباً بليغاً استدعى نقله على الفور إلى مستشفى الحذاء السحري، أجريت له عملية جراحية اضطر الطبيب الاسكافي إلى تبديله بكعب جديد، وترقيعه، وتلك باتت عرفاً وعادة تقليدية ومألوفة وطقس تشحيري أمارسه بشكل عام في عملية الاحتيال على هذه الحياة في ديار الإيمان والحمد لله، وما تطلبه ذلك من دقه بالمسامير المعدنية، وذلك احتيالاً وتفادياً لكابوس شراء حذاء جديد، قد يتطلب خطبا قومية، ومهرجانات وطنية، ومسيرات احتفالية، وخطة خمسية لوذعية عبقرية وجهنمية من الوزارات السرسرية.

 المهم ما أبأس أن يجتمع للمرء جواز سفر عربي مع "شوية" مسامير في الحذاء، فهذا أمر قد يودي بصاحبه في ستين ألف داهية. الحكمة والدرس من هذه الموقعة البدوية في ديار الكفار: لا تسافروا إلى بلاد الخواجات بأحذية فيها مسامير، وبجوازات وسحنة عربية، ومن لا كرامة له في وطنه، لا كرامة له في أي مكان في العالم، ولن يجد من يحترمه على الإطلاق، وقديماً قالوا الفقر في الوطن غربة، وبذا تصبح غربته غربتين وعذابه مضاعفاً. وأبعد الله عنا وعنكم شر المسامير والخوازيق.







تصميم عرب تايمز .... جميع الحقوق محفوظة
المقالات المنشورة ارسلت الى عرب تايمز من قبل الكاتب وهي تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي عرب تايمز